هو ابراهيم بن هلال بن ابراهيم بن زهرون الحراني، ابو اسحاق الصابي، كان نابغة كتّاب جيله وأحد الأدباء والشعراء المعدودين. تقلد دواوين الرسائل والمظالم والمعاون، تقليداً سلطانياً في أيام المطيع لله العباسي، وكان صلباً في دين الصابئة، احبه الصاحب بن عباد، فكان يتعصب له ويتعهده بالمنح على بعد الدار، نشر له ديوان رسائل وكتب أخرى: التاجي والهفوات النادرة. وتولى الصابي ديوان الانشاء ببغداد عن الخليفة العباسي، وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة البويهي سنة 349ه، غير ان سوء علاقته بعضد الدولة البويهي الذي ملك بغداد فيما بعد، رمى به بين براثن القهر والانتقام. إذ سرعان ما اعتقله عضد الدولة سنة 367ه، وأراد القاءه تحت أرجل الفيلة، لولا أن تدخل بعضهم وشفعوا له عند الملك البويهي، وظل يعيش احداث الأيام ومعاناتها المريرة حتى ادركته المنية سنة 384ه ببغداد عن عمر يناهز السبعين عاماً.

أخلاق رفيعة

كانت شخصية ابي اسحاق الصابي جذابة للغاية، وكان يتصف بأخلاق رفيعة ويتحلى بالمزايا الحسنة والشمائل الطيبة، وكان الى ذلك على دين الصابئة، فعرض عليه عز الدولة ان يسلم، غير أنه ظل على دينه كما هو معروف، وقيل ان عز الدولة بذل له ألف دينار على أن يأكل الفول، فلم يفعل لأن الصابئيين يحرمون الفول والحمام. بل فضل ان يصوم رمضان موافقة للمسلمين وحسن عشرة منه، وان يحفظ القرآن حفظاً يدور على طرف لسانه وسن قلمه. إذ تجافي الصابي عن معاداة الاسلام والمسلمين، وعصم روحه بالقرآن عن اضمار البغض وقبح الزيغ، وباتت صداقته الروحية خير مساعد له للسمو على الاحقاد الصغيرة التي يوجبها اختلاف العقائد، والنظر الى القرآن الكريم بروح الاجلال والتعظيم، وبسبب في ذلك قويت صداقاته مع العلماء المسلمين امثال الشريف الرضي الذي بكاه حين مات بقصيدة من روائع شعره، بلغت زهاء 82 بيتاً، صور فيها أمرين: حزنه الشديد عليه، ونكبة الأدب بموته، يقول فيها:

بعداً ليومك في الزمان فإنه

أقذى العيون وفت في الأعضاد

لا ينفد الدمع الذي يبكي به

إن القلوب له من الأمداد

كما يقول مصوراً بلاغة الصابي وبراعة أسلوبه وشدة اعجابه به:

وصحائف فيها الاراقم كمن

مرهوبة الاصدار والايراد

تدمي طوائفها اذا استعرضتها

من شدة التحذير والابعاد

حمر على نظر العدو كأنما

بدم يخط بهن لا بمداد

شهادة من المتنبي

وكان المتنبي من المعجبين بشخصية الصابي الخلقية والأدبية، وقد عبر عن ذلك له، حين كتب اليه في ذلك يقول: والله ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولا أوجب علي في هذه البلاد أحد من الحق ما أوجبته ثم يبرر له عدم مدحه له بقول: وأنا ان مدحتك تنكر لك الوزير المهلبي وتغير عليك لأنني لم أمدحه. فإن كنت لا تبالي هذه الحال، فأنا اجيبك الى ما التمست، وما أريد منك مالاً ولا عن شعري عوضا. إذ كان ابو اسحاق قد عرض على المتنبي خمسة آلاف درهم، أملاً بأن يمدحه.

وعندما اشتد الزمان على الصابي لم يهن ولم يضعف، ولم يتواضع للصاحب بن عباد ولا لغيره، بل حافظ على جرحه وشد عليه، بكل اباء، وجعل منه قيثارة انسانية كثيرة الرجع والحنين، كاشفاً سر الانسان وسعيه الدائم لاقتناص الفرص والمال، بأي ثمن من الاثمان ولو على حساب الصداقة والوفاء، كتب الصابي يقول:

لو حملت نفسي على الاستشفاع والسؤال، لضاق علي فيه المرتكض والمجال، لأن الناس عندنا، ماخلا الأعيان الشواذ، الذين انت بحمد الله أولهم، طائفتان: طائفة مجاملة ترى انها قد وفتك خيرها، إذا كفتك شرها وأجزلت كل رفدها إذا اجنبتك كثيرها، وطائفة مكاشفة تنزو الى القبيح نزو الجنادب، أو تدب دبيب العقارب. فإن عوتبوا حسروا قناع الشقاق، وان غولطوا تلثموا بلثام النفاق. والفريقان في ذلك، كما قلت منذ أيام:

أيا رب كل الناس ابناء علة

أما تعثر الدنيا لنا بصديق

وجوه بها من مضمر الفل شاهد

ذوات اديم في النفاق صفيق

نثر شعري

وإذا كان الصابي يمتاز عن اقرانه من الكتاب المعاصرين له، برقة الشعر وعذوبته، وبأنه يكاد أن يكون فحلاً من فحول الشعر، فإن لذلك أهمية في تقدير موهبته في النثر الفني ايضاً، لأن نثر الرسائل والعهود، كان نثراً فنياً، بل قل إنه نثر شعري، لا يختلف في شيء عنه، إلا في الوزن والقافية، والاغراض التي يطلبها، والمقاصد التي يقصدها. وقد سبقنا الى هذا الرأي بديع الزمان الهمذاني في المقامة الجاحظية حين جعل الرجل البليغ في عرف الناس: من لم يقصر نظمه عن نثره ولم يزر كلامه بشعره.

ونثر الصابي يشتمل على شؤون خاصة بالدولة التي يخدمها، وقلما يتحدث فيه عن نفسه، وقد اتسمت لغته بالأصالة العربية الاسلامية، وجرت فيها تعابيره واخيلته على الرغم من صابئيته. فهو يصف الله عز وجل فيقول: لا تحده صفات، ولا تحوزه الجهات، ولا تحصره قرارة مكان، ولا يغيره مرور الزمان، ولا تتمثله العيون بنواظرها، ولا تتخيله القلوب بخواطرها، فاطر السموات وما تظل، وخالق الأرض وما تقل. الذي دل بلطيف صنعته على جليل حكمته، وبين بجلي برهانه عن خفي وجدانه.. الخ.

مرجعية تاريخية

ورسائل الصابي في الشؤون الادارية تكشف ما كان يقع في أيامه من احداث ومشكلات تشغل الناس وتسبب الأزمات، وهي لذلك صالحة للدراسة التاريخية كما هي صالحة للاستدلال على ضعف الخلفاء وقوة السلاطين، فهو يقول على لسان الخليفة لأهل البصرة: وأمير المؤمنين يعلمكم ان عز الدولة يده التي يبطش بها، وعدته التي يعول عليها. ويأمركم بالجهاد معه، والنصر له، والكون على كل مخالف عليه ومنازع له.

ويشف نثره ايضاً عن غلبة الديلم واستبدادهم بمصالح الدولة، كما يشف عن أنه كان قلماً مجنداً في خدمة الخلفاء والسلاطين. كذلك فإن رسائله، فيها الكثير من الفقرات الوصفية التي تبين عن كاتب فنان يحكم القول ويتقن الوصف، ويبالغ في صناعة الانشاء. وقد نجد ايضاً في رسائله أثر الحكمة ولو كان ضئيلاً، لأن ذلك من عمود النثر الفني في ذلك الوقت. كذلك نجد في رسائله أسلوبه الخاص في الاخوانيات، حيث تجري فيها المعاني طلقة رقيقة كأنفاس العتاب، ولا شك ان الصابي كان يجتهد فيما تركه السابقون من اساليب الرسائل وابوابها، فظهر بمظهر المتفوق في لغته الفنية الزاخرة بضروب التعابير والاخيلة والصور. ناهيك عن حسن استعماله للأسلوب السياسي في التوفيق بين خصوم السياسة من الخلفاء والوزراء، وهذا من شأن الكاتب الديواني الحصيف.