أحد أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق . . هكذا وصفته المستشرقة الألمانية زجريد هونكه، في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب)، إنه أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي العالم والطبيب . . حيث كان كتابه (الحاوي) في الطب والذي ضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م، المرجع الرئيس في أوروبا لمدة 400 عام بعد ذلك التاريخ .

يذكر الدكتور أحمد فؤاد باشا في #187;موسوعة أعلام الفكر الإسلامي#171;: #187;أن #187;أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي (250 هـ /864 م - 5 شعبان 311هـ /19 نوفمبر 923 م)، ولد في مدينة الري، بالقرب من مدينة طهران . وكان من رأي الرازي أن يتعلم الطلاب صناعة الطب في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان، حيث يكثر المرضى ويزاول المهرة من الأطباء مهنتهم . ولذلك أمضى ريعان شبابه في دراسة الطب في بغداد . وقد أخطأ المؤرخون في ظنهم أن الرازي تعلم الطب بعد أن كبر في السن . وتم التوصيل إلى معرفة هذه الحقيقة من نص في مخطوط بخزانة بودليانا بأكسفورد، عنوانه #187;تجارب#171; مما كتبه الرازي ببغداد في حداثته، ونشر هذا النص مرفقاً بمقتطفات في الموضوع نفسه، اقتبستها من كتب الرازي التي ألفها بعد أن كملت خبرته، وفيها يشهد أسلوبه بالاعتداد برأيه الخاص#171; .

محاربة الشعوذة

وينتمي أبو بكر الرازي إلى مجموعة الأطباء والفلاسفة الذين اهتموا في المقام الأول بالمرض والتشخيص والعلاج معتمداً على المشاهدات والملاحظات، كما أنه يرى أن التجربة علم له أصول وفروع ويجب على الطبيب أن يلم بها قبل أن يشرع في تشخيص المرض وعلاجه، وكان لهذا الاتجاه التجريبي أثره البالغ في محاربة الشعوذة وتجار الطب، وهو أول من ابتكر خيوط الجراحة، وصنع المراهم، وله مؤلفات في الصيدلة أسهمت في تقدم علم العقاقير .

بعد إتمام دراساته الطبية في بغداد، عاد الرازي إلى مدينة الري بدعوة من حاكمها، منصور بن إسحاق، ليتولى إدارة مستشفى الري . وقد ألف الرازي لهذا الحاكم كتابه #187;المنصوري في الطب#171; ثم #187;الطب الروحاني#171;، واشتهر الرازي في مدينة الري، ثم انتقل منها ثانية إلى بغداد ولكنه أمضى الشطر الأخير من حياته بمدينة الري، وكان قد أصابه الماء الأزرق في عينيه، ثم فقد بصره وتوفي في مسقط رأسه، ولقد رفض الرازي أن تجرى له عملية جراحية في عينيه عندما فقد بصره في أواخر أيامه، وذلك لأنه سأل الجراح قبل أن يشرع في عمليته عن عدد طبقات أنسجة العين، فلما اضطرب الطبيب وصمت قال له الرازى: #187;إن من يجهل جواب هذا السؤال عليه ألا يمسك بأية آلة يعبث بها في عيني#171; .

استطاع الرازي بفضل منهجه العلمي أن يتوصل إلى كشف العديد من المركبات الكيميائية مثل حمض الكبريتيك، وسماه زيت الزاج الأخضر، كما استخدم الفحم الحيواني أول مرة في إزالة الألوان والروائح من المواد العضوية . ومن أهم ما ينسب إلى الرازي في مجال الكيمياء هو ربطها بالطب والصيدلة واعتبار التفاعلات الكيميائية والفيزيائية الناتجة عن تأثير الدواء في الجسم، كما حضر الكحول من مواد سكرية ونشوية متخمرة، وكان يستعمله في الصيدليات لاستخراج الأدوية، كما درس خصائص الزئبق ومركباته، واستحضرها، واستعملها كعقار ضد بعض الأمراض .

148 كتاباً ورسالة

يقول الدكتور أحمد فؤاد باشا في كتابه #187;التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العالم والحضارة#171; إن الرازي ترك لنا مؤلفات عديدة بالغة الفائدة، عظيمة النفع، لكن أكثرها فقد وقد أحصى له الباحثون نحو 148 مؤلفاً بين كتاب ورسالة، نذكر منها على سبيل المثال كتابه #187;الحاوي في الطب#171; وهو أكبر مؤلفات الرازي وأعظمها شأنا، وقد أثبت (البير زكي اسكندر) أن كتاب (القولنج) وكتاب (الأدوية المفردة) وكتاب (المنصوري في الطب) تعود كلها في أصولها إلى (الحاوي)، كما أثبت أن الرازي كتب بعض أجزاء كتابه (الجامع) معتمداً على (الحاوي) . وتأتي شهرة كتاب #187;المنصوري#171; في الدرجة الثانية بعد (الحاوي)، وقد كتبه الرازي للأمير الساماني المنصور بن اسحق بن أحمد أمير خراسان وكرمان حاكم الري، ويتألف الكتاب من عشر مقالات .

وقد اهتمت المقالات الست الأولى بالطب النظري ومن ضمنه التشريح بينما خصصت المقالات الأربع الأخيرة للطب العملي، وأهم هذه المقالات التاسعة التي تستعرض الأمراض من الرأس إلى القدم على أسلوب ذلك العصر وللرازي أيضاً كتاب #187;الطب الروحاني#171; الذي نشر بالعربية كما ترجم إلى الإنجليزية . حاول الرازي أن يكتب موسوعة طبية باسم #187;الجامع الكبير#171; معتمداً على المادة العلمية التي توافرت في خزانته الخاصة، وقد تمكن الرازي من إنجاز تأليف اثني عشر جزءاً من هذه الموسوعة ثم عجز وتوفي قبل أن ينتهي من تأليف بقية أجزائها .