لا يمكن اختصاره في مقال ولا حتى في كتاب، ففضله كبير، وشهادة الله عز وجل له ثابتة في القرآن الكريم، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ترفعه فوق الجميع، اشتهر بكنيته، ولقب بألقاب عديدة تدل على سمو مكانته، وعلو منزلته، فهو الصديق، وهو العتيق، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هو عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في النسب في الجد السادس مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر.

ثاني اثنين

صحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طيلة حياته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج بالناس إماما مكانه عندما اشتد وجع النبي في مرض موته، وكان رفيقه يوم قلّ الصاحب وعز الرفيق، وكان هو وماله وأسرته في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الخروج من مكة، تكلؤه عناية الله، وتؤنسه معية الصديق، وكانت أسماء بنته هي التي توصل الطعام لهما في الغار، وكان عبدالرحمن ابنه هو الذي يغدو بسرحه عليهما، يمحو آثار أقدامهما، ويتسمع لهما الأخبار.

وكان مال الصديق ورحائله هي التي حملت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان هو ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ أحاطت بهما فرسان قريش يبحثون عنهما، فيقول لرسول الله: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فيقول صلى الله عليه وسلم له: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما، وفي هذا نزل قوله تعالى: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِن اللهَ مَعَنَا.

ووصفه الله عز وجل في القرآن العظيم بالأتقى في قوله تعالى: وَسَيُجَنبُهَا الْأَتْقَى، الذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكى، وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نعْمَةٍ تُجْزَى، إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى (سورة الليل: 17: 21)، وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في هذه الآيات، وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله وهم: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم عيسى، وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت وَسَيُجَنبُهَا الْأَتْقَى إلى آخر السورة.

وهو الصديق لقبه بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، لما وقعت حادثة الإسراء والمعراج، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس بأنه قد أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء السابعة، قال المشركون: كيف هذا، ونحن نسير شهراً حتى نصل إلى بيت المقدس؟ وأسرعوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني أصدقه في خبر السماء يأتيه. فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ تلك اللحظة الصديق.

نسابة العرب

ولد في مكة، وكان يوصف بالبياض في اللون، تخالطه صُفرة، حسن القامة، نحيف، خفيف العارضين، لا يستمسك إزاره يسترخي عن خصره، رقيق معروق الوجه، غائر العينين، حيي لم يفارقه حياؤه، دقيق الساقين، ممحوص الفخذين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، وكان رضي الله عنه يخضب لحيته، وشيبه بالحناء.

كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وكان تاجراً يتعامل مع الناس بالحسنى، عالما من علماء الأنساب وأخبار العرب، وكانت له مزية حببته إلى القلوب، فلم يكن يعيب الأنساب، ولا يذكر المثالب بخلاف غيره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصفه بأنه (أعلم قريش بأنسابها)، وكانت إليه الأشناق في الجاهلية، وهي الديات، فكان إذا حمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه وأمضوا حمالته، وإن احتملها غيره لم يصدقوه وخذلوه.

وكان رضي الله عنه صديقاً حميماً لرسول الله قبل البعثة، يصغره بسنتين ونصف السنة، وفور أن دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام أسرع الصديق بالدخول فيه، واعتنقه، وتلك شهادة رسول الله فيه يقول صلى الله عليه وسلم: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته ولا تردد فيه.

كان أبو بكر رجل حركة دؤوبة فمنذ أعلن إسلامه، تحرك على الفور في سبيل نشر الدعوة، فأسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وكان أول من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهر بدعوته وأن يذهب إلى الكعبة، ويخاطب جموع المشركين، فكان صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر، وظل يلح في ذلك والنبي يصبره حتى وافق صلى الله عليه وسلم، فذهب أبو بكر عند الكعبة، وقام في الناس خطيباً ليدعو المشركين إلى أن يستمعوا إلى رسول الله، فكان أول خطيب يدعو إلى الله، وما إن قام ليتكلم، حتى هجم عليه المشركون من كل مكان، وأوجعوه ضرباً حتى كادوا أن يقتلوه، ولما أفاق رضي الله عنه لم يكن له هم غير أن يطمئن على رسول الله، وأخذ يسأل عنه، حتى أخبروه أن رسول الله بخير والحمد لله، ففرح فرحاً شديداً.

في سبيل الله

أسلم الصديق وهو من أغنى قريش، ومات ولم يترك دينارا ولا درهما، وإنما أنفق ماله كله في سبيل الله، حتى قيل: إنه كان يملك أربعين ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، وكان رضي الله عنه يشتري العبيد المستضعفين من المسلمين ثم يعتقهم ويحررهم، ويوم الهجرة أخذ ما في الدار من مال وأوكل أهله إلى الله، وفي غزوة تبوك، حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة والإنفاق، فحمل أبو بكر ماله كله وأعطاه للنبي فقال صلى الله عليه وسلم له: هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، ثم جاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، فقال له الرسول: هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ فقال: نعم، نصف مالي، وبلغ عمر ما صنع أبو بكر فقال: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً.

وقد بشره النبي بأنه سيدعى إلى دخول الجنة من أي أبوابها شاء، روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب يعني الجنة يا عبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر.

منزلة الصديق

ولا نكاد نعرف رجلاً له منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم سواء فيما قبل البعثة أو بعدها، وكان أبو بكر أحب الرجال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ابنته أحب النساء، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة، فقيل له: من الرجال، قال: أبوها.

ويروي البخاري بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله: كنتُ جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعتُ إليه ثم ندمتُ، فسألتُه أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلتُ إليك، فقال صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك يا أبا بكر (قالها: ثلاثاً)، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي، قالها مرتين، فما أوذي رضي الله عنه بعدها.

ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك، لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك، لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس.

ولما لم يجد الناس أبا بكر قال عبدالله بن زمعة: يا عمر صل بالناس، فصلى بهم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فعرفه، وكان جهير الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هذا صوت عمر؟ قالوا: بلى، قال: يأبى الله عز وجل ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فبعث إلى أبي بكر، فجاء وقد صلى عمر بالناس تلك الصلاة، وقال عمر لعبدالله بن زمعة: ويحك يا ابن زمعة ماذا صنعت بي؟ والله ما ظننت حين أمرتني أن أصلي بالناس إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك، فقال له: والله ما أمرني، ولكن لما لم أر أبا بكر ما رأيت فيمن حضر أحق بذلك منك.

تلك هي منزلة أبي بكر عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين، لا يسبقه فيها أحد، ولا يتخطاه أحد ولو كان في منزلة عمر بن الخطاب.

أول الخلفاء

أجمع المسلمون على خلافته، وسموه خليفة رسول الله، ووقف خطيباً في الناس حين ولي أمرهم فقال: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أريح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة، إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم.

استمرت خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وكانت من أعظم بركات الله على الأمة، التي جمعها الله عليه، فقضى على فتنة الردة، وادعاء النبوة، ووجه قوى المسلمين جميعا نحو فارس والروم، فكان الفتح والنصر المبين.

وتوفي رضي الله عنه ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، وعمره (63) سنة وغسلته زوجته أسماء بنت عميس حسب وصيته، ودفن إلى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك من الأولاد: عبدالله، وعبدالرحمن، ومحمد، وعائشة وأسماء، وأم كلثوم رضي الله عنهم.

روى أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب: (أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد) وضعه ابن حزم الأندلسي رقم ثلاثين في الرواة من أصحاب المائة، وذكر أن له مائة حديث واثنين وأربعين حديثاً، وروى له: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وروى عنه من الصحابة عمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب، وابنته عائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأسلم مولى عمر بن الخطاب، وأوسط البجلي، والبراء بن عازب، وجابر بن عبدالله، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم أجمعين، وآخرون كثيرون.