عرف الله بعقله قبل أن يعرفه من وحي الرسالة، وكفر بالأصنام قبل أن يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولازم الرسول في مجلسه وغزواته واقتدى به في تقشفه وتقواه، وصار بعده يزجر الناس عن كنز المال والمتاع، ويدعوهم إلى بذل المعروف ووصل ذوي القربى والإحسان إلى الجيرة والإخوان، واتقاء الله في كل حال .

حمل على معاوية وهو والى الشام حتى ضاق به هذا صدراً، فبعث به إلى عثمان بن عفان الذي أخرجه إلى الربذة، وفيها ابتنى مسجداً، ظل يتعبد فيه ويعظ الناس حتى وافاه الأجل، وصار فيه قوله عليه الصلاة والسلام: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده .

وصية من الرسول

هذا ما جاء في مقدمة الكتاب النفيس الذي ألفه عبد الحميد جودة السحار، أحد كبار الكُتَّاب المعروفين بإنتاجهم الأدبي والفني، وبدراساتهم الإسلامية، التي تمتزج فيها الحقائق العلمية بالإحساس الفني الجميل، ويُعتبر أول بحث معاصر كُتب في اللغة العربية عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) . وقد قدَّم السحار غير كتابنا هذا، بأسلوبه العلمي الفني تاريخ الإسلام في عشرين جزءاً . وهو هنا يقص علينا قصة هذا الصحابي وكفاحه في سبيل توزيع الأموال على الناس بالسواء . وكان رسول الله قد أوصى أبا ذر الغفاري أن يقول الحق ولو كان مراً، وألا يخشى في الله لومة لائم، فلما كثرت الأموال في أيام عثمان، قام الصحابي الفاضل يهاجم كنزها ويُبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بعذاب أليم، فكان أول من دعا إلى حق الناس في أموال الدولة، وأراد أن يسوي في ثروة البلاد بين الجميع .

قدَّم الكتاب الأديب القاص والناقد والشاعر إبراهيم عبد القادر المازني، الذي اعتبره كتاباً نفيساً، وقصة ممتعة، من الضروري مطالعتها للانتفاع بما فيها من مواقف وأفكار إنسانية .

ظمأ إلى اليقين

يبدأ هذا النص القصصي (200 صفحة من القطع البسيط) بعناوينه الفنية، والتي أولها بصيص من نور، بفقرة قصيرة تروي عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: لقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين . قال: فقلت: لمن ؟ قال: الله فقلت: فأين تتوجه فقال: حيث وجهني الله عز وجل .

في سرد قصصي شائق يروي السحار حكاية ظمأ أبي ذر الغفاري إلى اليقين الذي ما إن ظفر به حتى أصبح مبرود الغليل، وعاد إلى مضجعه ونام، فانعكس على وجهه شعاع من النور السماوي، تمازجه نفثة من الروح الإلهي . و . . انبلج الفجر، ومس بأنامله الرقيقة كل شيء حوله، فنهض أبو ذر خفيفاً، ورفع يديه إلى السماء، وجعل يدعو الله بصوت خاشع قانت عذب حنون . وقال لأخيه أنيس: لقد وجدت في الطبيعة التي لا تُحد آية أرشدتني إلى إله ليس كآلهتكم فهو عظيم قادر . هو قوة أجلها ولا أحيط بها .

واستمع أنيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قومه، فأطرق مأخوذاً، ثم غمغم: والله إن لقوله لحلاوة . والله إنه لصادق وحدَّث أخاه بقوله: لقيت رجلاً يزعم أن الله عز وجل أرسله على دينه، ورأيته يأمر بالخير، وينهى عن الشر . لم يطق أبو ذر صبراً، وامتطى راحلته، وجعل يجد نحو مكة، يحدوه الأمل، وتخفق له الأماني العذاب في نفسه، وتتماثل له في أشكال وألوان . احتل الدين الجديد فكره، وغاص في لجج من الأفكار، فإلى أين يقصد؟ وكيف يتصل بذلك الرجل الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق؟

دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، مع علي بن أبي طالب، واتصل حبل الحديث بينهما، وتشعبت فنون القول، إلى أن أسلم أبو ذر الغفاري، وخرج قاصداً المسجد، يملأ صدره إيمان قوي لا يخشى بطشاً، ولا يهاب أحداً، وأعلن إيمانه بالدين الجديد على ملأ من قريش . زمجر القوم، وأشبعوه ضرباً، فخر مغشياً عليه . ثم أصبح أبو ذر يقضي عامة يومه في مسجد الرسول، عاكفاً على العبادة، معرضاً عن زخرف الدنيا وزينتها، زاهداً فيما يقبل عليه الناس من لذة ومال وجاه . وكان إذا جن الليل، أوى إلى المسجد مع ناس من أصحاب الرسول، لا منازل لهم، وما لهم من مأوى غيره .

صديق الفقراء

دارت عجلة الزمن، واشترك أبو ذر مع النبي صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته التي تلت الخندق، فكان شجاعاً في مواجهة أعداء الإسلام، ينفرد وحده فيقطع الطريق . . حتى نال الحظوة عند النبي، فكان عليه الصلاة والسلام يبتدئه إذا حضر، ويتفقده إذا غاب . وأوصاه بقوله صل قرابتك، وإن قطعوك، ولا تخش في الله لومة لائم، وقل الحق ولو كان مراً . ثم إنه ضرب بيده على صدر أبي ذر، وقال: يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حُسن كحُسن الخلق .

بايع أبو ذر الخليفة الزاهد أبا بكر الصديق، وجاء عمر بن الخطاب، فلازمه أبو ذر الغفاري . وقد كلف الفقراء بأبي ذر لزهده وتقشفه، وأصبحوا يجتمعون عنده، ويجلسون إليه؛ وكان محدثاً من الطراز الأول، وكان يمتاز بفصاحة لسانه العربي، ولكونه كان مثالاً للمسلم التقي، فقد أصبح قبلة الناس كافة . وعلى المنوال نفسه يقص السحار حياة أبي ذر الغفاري، ومواقفه في الزهد وقول الحق، ومنها قوله: لا أكف حتى يوزع المال على جميع المسلمين، وتستمر حملته على كانزي المال، مطالباً بجسارة أن يتم تقسيمه على المسلمين كافة؛ حتى نفاه عثمان بن أبي عفان إلى الربذة .

كان أبو ذر الغفاري زاهداً وثائراً جريئاً على من يمارسون الظلم والقسوة في الحياة، فحاقت به الخطوب من كل جانب، وأصابه بلاء شديد، لكنه لم يهن، ولم يضعف، ولم يتزعزع، بل ازدادت حملته واستمرت على الذين يكنزون المال فلا يفيد منه عامة المسلمين .