«‬والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله‮ ‬يشهد إنهم لكاذبون‮»، (‬التوبة‮: 701).

نزلت هذه الآية الكريمة في منافق‮ ‬يدعى أبو عامر،‮ ‬كان معروفاً بأبي‮ ‬عامر الراهب،‮ ‬واسمه أبو عامر عبد عمرو بن صيفي‮ ‬الأوسي،‮ ‬ادعى أنه راهب،‮ ‬وأنه على دين الحنيفية،‮ ‬ولبس المسوح،‮ ‬وادعى هذا العلم أيام الجاهلية،‮ ‬وكان رأس الأوس في‮ ‬الجاهلية،‮ ‬فلما جاء الإسلام جاهر رسول الله بالعداوة،‮ ‬فخرج من المدينة،‮ ‬وذهب إلى قريش‮ ‬يؤلبهم على المسلمين ويحضهم على قتالهم،‮ ‬ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه،‮ ‬ومالوا معه،‮ ‬فكان أول من لقي‮ ‬المسلمين،‮ ‬فنادى قومه،‮ ‬وتعرف إليهم،‮ ‬فقالوا له‮: ‬لا أنعم الله بك عينا‮ ‬يا فاسق،‮ ‬فقال‮: ‬لقد أصاب قومي‮ ‬بعدي‮ ‬شر،‮ ‬ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً‮.‬
القصة تبدأ من وقت دخول النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬المدينة المنورة،‮ ‬حيث قرر بعض المشركين الخروج منها،‮ ‬وذهب إليه أبو عامر،‮ ‬يسأله‮: ‬ما هذا الدين الذي‮ ‬جئت به؟ قال صلى الله عليه وسلم‮: «‬جئت بالحنيفية دين إبراهيم‮». ‬قال أبو عامر‮: ‬فأنا عليها،‮ ‬فقال‮: «‬إنك لست عليها‮». ‬قال أبو عامر‮: ‬بلى عليها،‮ ‬إنك أدخلت‮ ‬يا محمد في‮ ‬الحنيفية ما ليس منها‮. ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: «‬ما فعلت،‮ ‬ولكني‮ ‬جئت بها بيضاء نقية‮». ‬قال أبو عامر‮: ‬الكاذب أماته الله طريداً وحيدا‮ً ‬غريبا‮ً. ‬قال صلى الله عليه وسلم‮: «‬أجل،‮ ‬من كذب فعل الله تعالى به ذلك‮».‬
لم‮ ‬يستطع أبو عامر أن‮ ‬يمكث في‮ ‬المدينة بعد أن فشا فيها الإسلام،‮ ‬ودانت القيادة فيها لرسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬فخرج من المدينة،‮ ‬وهاجر هجرة عكسية من المدينة إلى مكة المكرمة،‮ ‬وخرج في‮ ‬جماعة من المنافقين فحزب على رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬الأحزاب،‮ ‬فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهراً لعداوته،‮ ‬ولم‮ ‬يزل مجاهراً بذلك فسماه رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬الفاسق،‮ ‬إلى أن جاء الفتح الإسلامي‮ ‬لمكة المكرمة في‮ ‬السنة الثامنة للهجرة،‮ ‬فهرب من مكة واتجه إلى الطائف،‮ ‬ثم لما أسلمت الطائف في‮ ‬سنة تسع من الهجرة،‮ ‬خرج هارباً إلى الشام‮ ‬يريد قيصر الروم مستنصراً به على رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وعاش في‮ ‬الشام،‮ ‬وهناك مات طريداً وحيداً‮ ‬غريباً‮. ‬

مسجد قباء

وكان رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬لما قدم المدينة وقت الهجرة قد بنى مسجداً في‮ ‬بني‮ ‬عمرو بن عوف،‮ ‬وهو مسجد قباء،‮ ‬وقيل: وجده مبنياً قبل وروده،‮ ‬وقيل: وجده موضع صلاة فبناه وتشرف القوم بذلك،‮ ‬فحسدهم حينئذ رجال من بني‮ ‬عمهم من بني‮ ‬غنم بن عوف وبني‮ ‬سالم بن عوف،‮ ‬فكان فيهم نفاق،‮ ‬وكان موضع مسجد قباء مربطاً لحمار امرأة من الأنصار اسمها‮ «‬لية‮»‬،‮ ‬فكان المنافقون‮ ‬يقولون: والله لا نصبر على الصلاة في‮ ‬مربط حمار‮ «‬لية‮»‬،‮ ‬وكان أبو عامر الفاسق منهم‮، وكانت أمه من الروم،‮ ‬فذهب إلى هرقل ملك الروم ليستعين به على قتال المسلمين،‮ ‬ومن الشام كتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجداً مقاومة لمسجد قباء وتحقيراً له،‮ ‬فإني‮ ‬سآتي‮ ‬بجيش من الروم أخرج به محمداً وأصحابه من المدينة،‮ ‬فبنوه،‮ ‬وقالوا سيأتي‮ ‬أبو عامر ويصلي‮ ‬فيه ويتخذه متعبداً ويسر به،‮ ‬وأثناء عودة رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬من‮ ‬غزوة تبوك،‮ ‬أراد المنافقون أن‮ ‬يصلي‮ ‬رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في هذا المسجد حتى‮ ‬يقره،‮ ‬لكن الله أخبره بما‮ ‬يكيدون فأرسل من صحابته من‮ ‬يقوم بهدم هذا المسجد الذي‮ ‬بني‮ ‬ضراراً‮.‬

كانت الفكرة التي‮ ‬تبناها أبو عامر الفاسق ودعا إليها المنافقين من قومه هي‮ ‬بناء مسجد آخر إلى جوار قباء، يجذب إليه مجموعة من المسلمين،‮ ‬فلا‮ ‬يذهبون للصلاة في‮ ‬المسجد النبوي،‮ ‬ولا في‮ ‬مسجد قباء،‮ ‬وبذلك تتشتت قوة المسلمين‮: (‬ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين‮) ‬كما‮ ‬يكون وكراً للمنافقين‮: (‬وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل‮) ‬يبثون منه الأفكار الهدامة التي‮ ‬من الممكن أن تفت في‮ ‬عضد المسلمين ودولتهم الناشئة‮.‬
وباشر المنافقون في‮ ‬المدينة المنورة في‮ ‬بناء المسجد حسب الخطة التي‮ ‬اقترحها عليهم الفاسق أبو عامر،‮ ‬وحاولوا أن‮ ‬يضفوا على مسجدهم هذا شرعية ففكروا في‮ ‬دعوة الرسول‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬للصلاة فيه،‮ ‬فأتوا النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وهو‮ ‬يتجهز إلى تبوك،‮ ‬فقالوا‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬قد بنينا مسجدا لذي‮ ‬الحاجة،‮ ‬والعلة والليلة المطيرة،‮ ‬ونحب أن تصلي‮ ‬لنا فيه وتدعو بالبركة؛ فقال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: «‬إني‮ ‬على سفر،‮ ‬وحال شغل،‮ ‬فلو قدمنا لأتيناكم،‮ ‬وصلينا معكم فيه‮».‬

تحذير إلهي

خرج‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬إلى تبوك،‮ ‬ومرت الأيام،‮ ‬وعاد إلى المدينة المنورة،‮ ‬وبمجرد عودة رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬من‮ ‬غزوة تبوك،‮ ‬جاء إليه بعض المنافقين،‮ ‬وكانوا قد فرغوا من بناء مسجدهم وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد،‮ ‬فقالوا‮: ‬إنا قد ابتنينا مسجداً لذي‮ ‬العلة والحاجة والليلة المطيرة،‮ ‬وإنا نحب أن تأتينا فتصلي‮ ‬فيه،‮ ‬فدعا بقميصه ليلبسه،‮ ‬ويأتيهم فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم،‮ ‬ونزل جبريل عليه السلام بالتحذير الإلهي‮ ‬من ذلك المسجد الضار بالمسلمين،‮ ‬في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله‮ ‬يشهد إنهم لكاذبون‮ * ‬لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول‮ ‬يوم أحق أن تقوم فيه،‮ ‬فيه رجال‮ ‬يحبون أن‮ ‬يتطهروا والله‮ ‬يحب المطهرين‮» (‬التوبة‮:‬107 ‮). ‬108‮ ‬

فلما نزلت هذه الآيات دعا رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬مجموعة من الصحابة كان منهم مالك بن الدخشم،‮ ‬ومعن بن عدي،‮ ‬وعامر بن السكن وغيرهم،‮ ‬وقال‮: «‬انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله،‮ ‬فاهدموه وأحرقوه‮». ‬وأمر به رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬أن‮ ‬يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف‮.‬
على الرغم من الفتن الكثيرة التي‮ ‬قام بها المنافقون قبل ذلك،‮ ‬إلا أن هذه هي‮ ‬المرة الأولى التي‮ ‬يكون فيها التعامل من رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بهذه الشدة،‮ ‬فقد كان من عادته مع المنافقين أن‮ ‬يتسامح ويعفو،‮ ‬ويعذر ويسكت،‮ ‬مع علمه بنفاقهم،‮ ‬إلا أن خطورة هذا المسجد كانت أكبر من خطورة أفعالهم السابقة؛ لأنها خطورة تأخذ شكل الدين،‮ ‬وسيقع عوام المسلمين في‮ ‬حبائل المنافقين؛ لأن اللافتة المعلنة هي‮ ‬المسجد،‮ ‬والإسلام،‮ ‬ورأي‮ ‬الدين‮.‬

ضربة قاصمة

وشاء الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬أن تقع بالمنافقين ضربة أخرى قاصمة،‮ ‬لتصبح هذه هي‮ ‬الثالثة في‮ ‬خلال شهرين اثنين فقط،‮ ‬وكانت الضربة الأولى للمنافقين في‮ ‬المدينة المنورة هي‮ ‬اختبار تبوك الذي‮ ‬كشف أوراق المنافقين الذين‮: «‬رضوا بأن‮ ‬يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا‮ ‬يفقهون‮» (‬التوبة‮:78)،‮ ‬وكانت الضربة الثانية هي‮ ‬هدم مسجدهم الفاسد،‮ ‬أما الضربة الثالثة فكانت موت أكبر زعماء النفاق في‮ ‬المدينة،‮ ‬والذي‮ كان كبير حركة النفاق لمدة سبع سنوات متتالية،‮ ‬وحتى العام التاسع من الهجرة،‮ ‬وهو عبد الله بن أبي‮ ‬بن سلول‮.‬

لما توفي‮ ‬كبير المنافقين جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬فسأله أن‮ ‬يعطيه قميصه‮ ‬يكفن فيه أباه فأعطاه،‮ ‬ثم سأله أن‮ ‬يصلي‮ ‬عليه،‮ ‬فقام الرسول‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ليصلي‮ ‬عليه،‮ ‬فأنزل الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬هذه الآية‮: «‬ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون‮» (‬التوبة:84).
ويجزم المؤرخون المسلمون أنه بموت عبد الله بن أبي‮ ‬بن سلول انحسرت حركة النفاق بشكل كبير في‮ ‬المدينة المنورة،‮ ‬وتراجع بعض أفرادها فيما بقي‮ ‬البعض الآخر على الكفر الذي‮ ‬يضمرونه،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يعرفهم سوى حذيفة بن اليمان صاحب سر الرسول‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬الذي‮ ‬أعلمه بأسمائهم،‮ ‬وائتمنه على ألا‮ ‬يفشي‮ ‬سره فيهم،‮ ‬وكسرت بموت زعيمهم إلى حد كبير شوكتهم،‮ ‬ولم نجد لهم حضورا‮ ‬يذكر في‮ ‬العام العاشر من الهجرة.

محمد حماد