واليوم نتوقف مع الأحداث والمواقف التي تعرض لها الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري وهو في النزع الأخير، وقبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى ليلقى الأحبة محمداً وحزبه. فقد جاء في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي، قال الضحاك بن عبد الرحمن : دعا أبو موسى الأشعري فتيانه حين حضرته الوفاة، فقال : اذهبوا فاحفروا، وأوسعوا وأعمقوا.

ولم يمض وقت طويل حتى جاؤوا فقالوا : قد حفرنا، وأوسعنا، وأعمقنا. فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين : إما ليوسعن على قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعا، ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة، فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي، وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة، ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى ونعوذ بالله منها ليضيقن عليّ قبرى حتى أكون في أضيق من القناة في الزج، ثم ليفتحن لي باباً من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي، وقرنائي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث.

اعتزال الفتنة

ويذكر أن أبا موسى -رضي الله عنه- اعتزل الفتنة (بين علي ومعاوية)، ولم يقاتل مع هذا ولا ذاك. فعن أبي بردة، عن أبي موسى: أن معاوية كتب إليه: أما بعد: فإن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله، لئن بايعتني على الذي بايعني، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة والآخر على البصرة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضي دونك حاجة وقد كتبت إليك بخطى، فأكتب إليّ بخط يدك. فكتب إليه: أما بعد فإنك كتبت إلى في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا أقدمت عليه؟ ليس لي فيما عرضت من حاجة والسلام عليك.

ومن الأشياء التي سبقت مرض أبي موسى الأشعري ما حدث في أثناء التحكيم، فيروي محمود المصري في كتابه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد أسندت إليه وإلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما قضية التحكيم بين (علي) و(معاوية) ولم يكن يدور بخلد أبي موسى أن عمرو بن العاص، سيلجأ إلى المناورة وعندما حدث ذلك، لم يحتمل أبو موسى -رضي الله عنه- وقع المفاجأة، فلفح عمراً بكلمات غاضبة ثائرة وعاد من جديد إلى عزلته، وأخذ خطاه إلى مكة، إلى جوار البيت الحرام، يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام.

وأخبر ابن عساكر، نقلا من السير للذهبي، عن موسى الطلحي قال: اجتهد الأشعري قبل موته اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ قال: إن الخيل إذ أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها.. والذي بقي من أجلي أقل من ذلك.

وبعد حياة طويلة مليئة بالنبل والعطاء والتضحية والجهاد نام أبو موسى رضي الله عنه على فراش الموت، وهو يتذكر نشيده الخالد الذي لقي به النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قدم عليه مع إخوانه، وهم يقولون جميعا على قلب رجل واحد: غداً نلقى الأحبة.. محمداً وحزبه. وفاضت روحه إلى بارئها جل جلاله .

اذكروا صاحب الرغيف

وعن أبي بردة رحمه الله قال: لما حضرت أبا موسى الوفاة، قال: يا بني.. اذكروا صاحب الرغيف. قال: كان رجل يتعبد في صومعته، أراه قال سبعين سنة، لا ينزل إلا في يوم واحد، قال: فشبه أو شبه الشيطان في عينه امرأة. قال: فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبا، فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد، فآواه الليل إلى دكان عليه اثنا عشر مسكينا فأدركه الإعياء فرمى بنفسه بين رجلين منهم، وكان ثم راهب يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة، فيعطي كل إنسان رغيفا. فجاء صاحب الرغيف فأعطى كل إنسان رغيفاً، فقال المتروك لصاحب الرغيف: مالك لم تعطني رغيفا؟ قال: أتراني أمسكه عنك؟ والله لا أعطيك الليلة شيئا. فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي ترك، فأصبح التائب ميتاً. قال: فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال فرجحت الليالي، فوزن الرغيف بالسبع ليال فرجح الرغيف. فقال أبو موسى: يا بني.. اذكروا صاحب الرغيف.

وقال أصحاب السير: توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين، وقيل: اثنتين وأربعين. وقيل: سنة أربع وأربعين ودفن بمكة، وقيل دفن بالثوية على ميلين من الكوفة.