أهدي قصتي هذه لوالدتي الحبيبة بمناسبة عيد الأم
عندما ولدت ذبح والدي ناقته المفضلة من فرحته بي، خاصة بعد أن مرت أعوام طويلة عاش فيها مع والدتي التي يحبها جداً من دون أن ينجبا، وبالرغم من طلب جدتي المتكرر عليه بأن يتزوج بأخرى، فإنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فهو كان ولايزال يحبها بجنون، وعندما أتيت أنا ملأت حياتهما فرحة وبهجة، كنت شغلهما الشاغل خاصة بعد أن كادا يفقدان الأمل . عشت طفولة رائعة بين أبوين يعشقان التراب الذي أدوسه، وعائلتنا الكبيرة التي تحيط بنا، فنحن كالجميع هنا نعيش في منزل جدنا الذي هدم المنزل القديم الذي كان أيضاً منذ أيام أجداده وشيد مكانه فيلا رائعة، حيث كان يعيش مع أولاده وبناته، ولما تزوجت البنات في سن مبكرة، بقي الشباب فبنى لكل واحد منهم فيلا صغيرة، لكنها متصلة بالفيلا الكبيرة، كنا نجتمع كلنا في الحوش الكبير نلعب وتملأ أصواتنا المكان، أما أنا فكنت المدلل والمحبوب من الجميع، لأنني أصغرهم وكنت كاللعبة بين يديهم خاصة أولاد عمي الكبير فهم كانوا يدللونني بشكل كبير، ووالدتهم كانت تحبني بجنون، وقد أرضعتني وأنا طفل، لسنة ونصف السنة تقريباً لذلك تعدني مكان ولدها الذي توفي عند ولادته ثم عندما كبرت قليلاً، وأصبحت أتكلم وأفهم، كنت أذهب إليها فكانوا يسرعون ويأتون بي من عندها، ثم أنذرتني والدتي بألا أذهب إلى بيتها بعد اليوم، ولا أكلمها فقلت لماذا يا أمي أنا أحبها كثيراً، فكانت تقول ليست هي السبب بل عمك، عمي الذي كنت أخاف منه جداً، لم أكن أحبه لأنه لم يكن يأخذني بين ذراعيه ويدللني ويأتي لي بالحلاوة كالجميع، أو لأنني كنت أسمع صوته عندما يصرخ على زوجته الطيبة المسكينة ويبرّحها ضرباً، كان أولاده يسرعون إلى منزلنا ليختبئوا كالفئران المذعورة، لم يكن أحد يستطيع أن يوقفه عن ضربها إلا جدي، رحمه الله، كبرنا جميعنا وتبدلنا إن كان بأشكالنا أو بطباعنا إلا عمي، لايزال كما عهدته يشتم ويلعن عند أقل هفوة تفعلها تلك المسكينة فتنال نصيبها من الضرب حتى تغيب أحياناً عن وعيها، لم يكن يشبه أحداً في عائلتنا، كانوا جميعهم طيبين محبين لعائلاتهم وهادئين، يعاملون نساءهم بالحسنى، خاصة والدي فقد كنت أكاد لا أسمع صوته، وكنت أتعجب من أمر أبنائه وأقول لوالدتي لو كنت أنت مكانها، لا سمح الله، لكسرت له يده حتى لو كان والدي، فكيف يسمحون له وهم قد أصبحوا كباراً، يجب أن يوقفوه عند حده، قالت اصمت يا بني لا تتكلم شيئاً عن هذا الموضوع فهو لا يعنينا، قلت لها إنها مسكينة أنا أحبها جداً خاصة عندما أسمع أنينها بعد أن يضربها، وعندما أراها تدمي قلبي، فجسدها ممتلئ بالألوان الحمراء والزرقاء والخدوش في يديها وعلى رقبتها، كم من مرة كسر يديها وقدميها وهو يرميها عن السلم أو يدوسها بقدميه، هذا حرام يا أمي، يجب أن يكلمه والدي أو عمي، لا أعرف يجب أن تفعلوا شيئاً، قبل أن يقتلها، إنه ليس إنساناً، وأنا لا أحبه وعندما أكبر سأعرف كيف أوقفه عند حده، أنا أتذكر جيداً هذا الحوار الذي دار بيني وبين والدتي، كنت في الخامسة عشرة من عمري، كنت أسمعها عندما تأتي بالسر إلينا لتطلب من والدي بضعة دراهم لأنه لم يكن يعطيها أي شيء، مع أنه كان ميسوراً جداً، ليس كوالدي، لكنه يملك الكثير من المال، كان يرسل السائق ليبتاع لها الأشياء التي تريدها من أجل الطعام، لكن أن يعطيها درهماً أبداً، كانت بناتها هن من يذهبن إلى السوق ويبتعن لها الملابس التي لا ترتديها لأنها وببساطة لا تذهب إلى أي مكان، هي حبيسة داخل المنزل فهو لا يسمح لها بالخروج أبداً وإن خرجت لأداء واجب عزاء أو لزيارة مريض كان يفرض عليها أن ترتدي النقاب والقفازات لم تكن غيرة منه عليها بل خوفه من أن يفضحوا أمره إذا رأوا آثار الضرب على وجهها ويديها، كان يمنعها من مجالسة الجارات أو الأقارب، فتذهب وتنزوي في غرفتها خوفاً منه، لم تكن ترى سوى أهلها عندما يأتون إليها من إمارة بعيدة جداً، لكنهم كانوا يأتون تقريباً كل أسبوع مرة، كانوا رائعين ومرحين أحبهم جداً ويحبونني أكثر، كنت أنادي والدها جدي ووالدتها جدتي وشقيقاتها خالتي وخالي لشقيقها، هم طلبوا مني ذلك قالوا لي تنادينا مثل أولاد عمك أولست مثل شقيقهم؟ وفي يوم تجرأت وقلت لوالديها لماذا لا تأخذانها من هنا أو تشتكون عليه عند الشرطة أو في المؤسسات التي تعنى بالعنف ضد المرأة، ضحك والدها وأمسكني بكتفي قائلاً لقد أصبحت رجلاً يا حبيبي، هذا ما كان يجب أن أفعل منذ فترة طويلة، لكنها لا تقبل وتحلفنا بأغلظ الإيمان ألا نحرك ساكناً، لماذا يا جدي؟ تنهد طويلاً قبل أن يقول لي: لا أعلم يا حبيبي .
مرت الأعوام وأردت الالتحاق بمؤسسة الجيش لأصبح طياراً فيها، وكانت درجاتي تسمح لي بذلك إذ كنت متفوقاً في المدرسة، فطلبوا مني أوراقي الثبوتية وسجل عدلي وأشياء أخرى وعندما أخذت الورقة وذهبت إلى المنزل لأجهز ما هو مذكور بها قلت لوالدي أريد هويتي فنظر إلى والدتي ونظرت هي بدورها إليه ثم قال والدي ما لك وللجيش أنت وحيدنا افترض لا سمح الله حصل شيء لك ماذا سنفعل؟ سنموت من القهر، الخير يا ولدي كثير والحمد لله وها إنني أملك ست شركات من سيتسلّمها من بعدي؟ فأنا بعد سنوات عدة لن أستطيع أن أعمل مثل الآن، فأنا مريض كما تعلم وبحاجة إليك كي تكون بقربي، وسأعلمك كل شيء تحتاج إليه، قلت له وحلمي يا أبي أنت تعلم أنني أحلم بهذا الشيء منذ صغري، أجابني نعم، لكنني كنت دوماً أرفض وأقول لك ما أريده منك، لكن أنت لم تسمع لي، رجوته وطلبت من والدتي أن تقنعه، لكن هي الأخرى كانت معه ووقفت في وجهي أيضاً، خرجت من المنزل غاضباً ثائراً، أكلم نفسي، حينها التقيت ابن عمي، فقال ما بي أراك حزيناً يا سلمان؟ أخبرته بالذي جرى فقال حسناً قل لهم إنك موافق، لكنك تريد أوراقك من أجل الالتحاق بالجامعة، قلت له ولماذا أفعل ذلك، أنا لا أريد، قال لي جرب فهم أساساً لن يعطوك أية أوراق ثبوتية وسوف ترى، سآتي معك هيا، فعلت ما طلبه مني وإذ بوالدي يجيب لماذا الدراسة فأنا صاحب العمل، ولن أطلب منك شهادة أنا سأعلمك كل شيء، كما فعل معي والدي . . الله، ما القصة؟ عندها أصررت على موقفي وقلت لهما الآن أريد أن أعرف ما سبب عدم موافقتكما على إعطائي أوراقي، ثم تعالا ألم تعداني بأنكما ستبتاعان لي سيارة، قالا طبعاً ولا نزال عند وعدنا، قلت: حسنا أعطوني أوراقي لأقدم على دفتر للقيادة، هنا أيضاً صمتا ونظرا إلى بعضهما بعضاً، كأنهما نسيا هذا الموضوع، كررت سؤالي وقلت هيا، أجيبا، لماذا أنتما صامتان هكذا؟ توتر الوضع وبدأت والدتي تبكي فجأة بكاء مراً، أما والدي فوقف وأمسك كتفها يشد عليها، حِرْت فعلاً من هذا الموقف الدرامي ما سببه وماذا فعلت؟ عندها أمسكني ابن عمي من ذراعي قائلاً هيا قم معي أنت لم تفعل شيئاً، لا تلم نفسك، هما من فعلا، فليحصدا ما زرعا . قام والدي يحاول إسكات ابن عمي إلا أنه وقف في وجهه قائلاً: لن أصمت بعد اليوم يا عمي أنا آسف سأخبره الحقيقة، يجب أن يعلم، بل هذا حقه، هنا أنا فعلا أحسست بأنني في دوامة لا أفهم ما يجري، ولا أعرف لماذا وصلنا إلى هنا وعن أية حقيقة سيكشف عنها، صرخت بهم كفى! أرجوكم كفى، التفتت نحو ابن عمي وقلت أخبرني الحقيقة من فضلك، أراد والدي الكلام فطلبت منه بحدة أن يصمت، إنها المرة الأولى التي أتصرف بها بتلك الطريقة معه، لكن الكيل كان قد طفح، أخذت ابن عمي إلى غرفتي، جلست مقابلاً له وقلت، كلني آذان صاغية، تفضل، بدأ يقول عندما تزوج والدي من والدتي وأتى بها إلى هنا اكتشفت قسوته وطبعه الشرس، لكنها كانت قد حملت وأنجبت شقيقتي، تبعتها أنا وهي تقول إنه مع الأيام سيتبدل إلى أن جاء في أحد الأيام وضربها بوحشية وكسر لها يدها، ما اضطرهم إلى إدخالها المستشفى وهي بين الحياة والموت، كان جداي، رحمهما الله، يهددانه ويؤنبانه حتى إنهما طرداه من المنزل، إلا أنه لا يلبث أن يعود بشراسة أكبر عندها قررت والدتي أن تهرب وتذهب إلى منزل والديها فأخذتنا شقيقتي وأنا وفرت بنا إلى هناك . أخبرتهم كل شيء ورأوا الندوب في وجهها وجسمها كله من جراء الضرب المبرح، قال والدها والله لو تجرأ وأتى إلى هنا سأطرده وسوف يطلقك غصباً عنه، ارتحنا عندما أصبحنا بعيدين عنه وعدنا نرى بسمة والدتي على وجهها إلى أن أتى بعد مشاورات وتدخلات فقط ليرانا . فقال له جدي سأسمح لك برؤيتهم، لكنك يجب أن تطلق ابنتي، طلب منه أن يسامحه ويعطيه فرصة فرفض جدي رفضاً قاطعاً قائلاً لو علمت من البداية بمعاملتك الوحشية لها لما تركتها عندك يوماً واحداً، لكنها لم تكن تخبرنا، وافق والدي معه وقال حسناً سأفعل ما تريد، لكن دعني أرى أولادي، جلس معنا نحو نصف الساعة يقبلنا ويدللنا، وهذا شيء لم يفعله من قبل، ثم قال لقد ابتعت لكما الكثير من الألعاب، أين هي قلنا؟ أجاب في السيارة تعالا معي لنأتي بها ونفاجئ الجميع وفعلاً فاجأهم، إذ وضعنا في السيارة وانطلق بها مسرعاً ونحن نصرخ ونبكي، فقدت والدتي صوابها، كانت متعلقة جداً بنا، كانت تصرخ وتقول أريد أولادي، اشتكى جدي عليه في المحكمة ورفع قضية طلاق وكانوا بانتظار الجلسة الأولى حين فاجأتهم والدتي بعودتها إليه، قلت عذراً على المقاطعة، ولكن ما دخل قصة والديك بقصتي؟ قال انتظر قليلاً ألا تريد معرفة التفاصيل؟ قلت بلى، أنا آسف أكمل، قال عادت إليه مكسورة، ضعيفة أكثر من الأول، لكن ماذا تفعل فهي لم تستطع الابتعاد عنا وخافت أن نضيع بينها وبينه فقررت التضحية بنفسها من أجلنا، عادت تعيش نفس المأساة ثم حملت وأنجبت ولداً ثم بنتا ثم . . . أنت! قلت كمن لم يستوعب أو لم يسمع جيداً، حسناً، قال ألم تسمع ما قلته لك، أنت ولدها أنت شقيقي . أفقدتني الصدمة القدرة على النطق لدقائق، زاغ نظري، وتراكمت الأفكار والصور في رأسي بسرعة هائلة، ثم قلت كيف ذلك أنا لا أفهم شيئاً، لقد انقلب كياني، قال اهدأ يا حبيبي سأخبرك، كان عمي وزوجته لا يستطيعان الإنجاب فقرر والدي المحب أن يهبهما ولده ليقوما بتربيته، لكن شرطه الوحيد كان هو ألا يعلم أحد بالموضوع حتى أنت، وبالطبع لم تعرف والدتي المسكينة بالأمر إلا عندما حصل فقد حملك والدي بالدم الذي عليك والخلاص وسلمك إلى عمي، جنت أمي المسكينة وأخذت تولول وتلطم، لكنه قام بضربها ودمائها مازالت على السرير . كانت تصرخ ولدي هاتوا لي ولدي حرام عليكم، حرام، ومن يومها وهي مريضة، فهي تعاني من ترقق بالعظام وفقر بالدم وعندها مرض بالقلب، والأعصاب، ماذا أخبرك عن والدتك وما عانت طوال تلك السنوات فقط لتبقى قربنا وخاصة أنت، كانت تموت في اليوم مئة مرة عندما تنادي أمك ماما وهي والدتك لا تسمعها منك لا تستطيع أن تقبلك، أو تحضنك، منذ أن وعيت وأصبحت تدرك الأشياء . وأهلها كيف وافقوا على هذا الوضع؟ لم يعلموا بشيء فقد كان يأخذنا إليهم كل شهر تقريباً وعندما أصبحت في بداية شهرها السابع توقف عن زيارتهم بحجة أنه سيسافر لفترة وعندما مر شهران ولم نذهب إليهم شعرت جدتي بالقلق على ابنتها وطلبت من جدي أن يأخذها إليها، وعندما وصلوا رأوا بطنها أمامها وستلد بين ليلة وأخرى، صرخت جدتي ولد آخر؟ ولماذا لم تخبرينا بالأمر وكيف استطعت أن تخفي هذا الشيء عنا؟ فقالت لها إنه هددها بالويل إن هي أخبرتهم بذلك، لم تفهم وقتها لماذا؟ كما أنها لا تجرؤ على مخالفة رأيه، الآن فهمت لماذا كانوا يطلبون مني أن أناديهم بجدي وجدتي وخالي وخالتي، الآن فهمت لماذا أحبهم إلى هذه الدرجة . صمت سلمان قليلاً وانسابت دموعه على خديه، ثم قام يحضن شقيقه ويقبله، كأنه لم يره منذ أعوام، قال أخي، الله ما أجمل هذه الكلمة التي حرمت منها طوال حياتي كنت أتمنى عندما أراكم لو كان عندي أخ ليكون سندي وكاتم أسراري وأخت لأشعر بحنانها وتهتم بي، بكى شقيقه معه، وقال لا بأس يا حبيبي ألم أكن دائماً ألعب دور الأخ الكبير معك وأهتم بك أنا وشقيقي؟ ألم تشعر بنظرات الحسرة في عيون شقيقتيك، أما والدتك، هذه المسكينة التي عانت وضحت بكل غال ورخيص من أجلنا يكفي انتشالك من بين يديها لحظة خروجك من أحشائها، لقد سلبوها فلذة كبدها، وهي لا تتجرأ أن تحرك ساكناً، قلت له يكفي أرجوك قم لنذهب إليها، بسرعة نزلت من غرفتي لم أكلم والدي المنتظرين وهما واقفان ينظران إليّ، توجهت إلى منزلي الأصلي حيث ولدت، رأيت والدتي تجر قدميها وظهرها مقوّس، فقلت لها لماذا صمت كل تلك الأعوام؟ كيف سمحت له بأن يفعل ما فعل؟ صمتت وهي تنظر إليّ غير مصدقة، عقدت يديها ببعضهما بعضاً لتوقف ارتجافهما وأخذت الدموع تتساقط بغزارة من عينيها الغائرتين، أسرع أخي يمسكها بيديها ويجرها إلى أقرب كنبة إذ شعر بأنها ستقع أرضاً فهي كانت تحلم بهذا اليوم، رأيت الحزن والأسف بعينيها رأيت الشوق والفرحة من خلال دموعها ولم أشعر إلا وأنا ارتمي بين أحضانها، أخذت منها دقائق قبل أن تصدق ما يجري ثم غمرتني بذراعيها النحيفتين وأخذت تقبلني وتقول ابني حبيبي، ولدي الغالي يا عمري، كانت تتنشق رائحة عنقي ورأسي، أخيراً استطعت أن أحضنك أن أقبلك أن أناديك ابني، يا حياتي، يا مهجة قلبي، كنت قريباً مني ولم أستطع أن أحضنك، كنت أراك تكبر أمامي دون أن أسمع كلمة أمي منك، كنت أرد أحياناً عليك من دون انتباه، عندما تناديها أمي، الحمد والشكر لك يا رب الآن استطيع أن أموت براحة، فقد حضنتك وقبلتك وناديتني أمي لا أريد شيئاً بعد، قلت لها لا يا أمي سوف تقوين نفسك من أجلي لقد حرمت منك ثمانية عشر عاماً والآن يجب أن نعوض ما فاتنا .
لا أزال أعيش مع والدي اللذين ربياني بكل حب، صحيح أنني لمتهما، لكنني لم أتحمل بكاءهما طويلاً، فأنا أحبهما كثيراً، لكنني الآن أنادي أمي التي ولدتني أمي والتي ربتني أمي، لكن والدي الظالم، المستبد فأنا لم أكلمه إلا مرة واحدة، حيث قلت له اسمعني جيداً يا عمي، إن علمت أنك حاولت أن تمد يدك على أمي فسأكون لك بالمرصاد طوال حياتي، وأنا أكرهك لما تفعله بها، كنت لا أستطيع أن أفعل شيئاً، لكن الآن صدقني سأفعل المستحيل من أجلها، حاول مرة أن تلمس شعرة واحدة منها وسوف ترى ماذا سأفعل، سأسجنك صدقني . . لقد أصبحت الآن طياراً في الجيش، حققت حلمي، أحاول تعويض والدتي عن كل الألم والعذاب الذي تحملته من أجلنا مع هذا الوحش البشري الذي للأسف لا يستحق أن يكون والداً، أعيش مع شقيقيّ وشقيقتيّ بفرح لم أشعر به من قبل، لقد تحسن وضع أمي قليلاً، أصبحت أنشط من قبل، حتى إنها عادت تبتسم، خاصة عندما تكون معي في السيارة أصحبها إلى السوق وأبتاع لها كل ما تريد، ويوم عيد الأمهات سأصحب والدتي الاثنتين إلى العشاء خارجاً مع شقيقيّ وشقيقتيّ، لنفرح هذا العام بالعيد الذي أصبح له معنى أكثر في قلبي، أعاده الله على جميع أمهات العالم بالخير والصحة، خاصة أمي المسكينة التي لاتزال غير مصدقة أنني معها إلى غاية اليوم.