قال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون، قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكن أعمالكم ونحن له مخلصون، أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعلمون . (البقرة: 136-140) .

السؤال: لم عبر بالجمع في قوله تعالى: قولوا آمنا بالله . .؟ (البقرة 136) ولم عبر بالإفراد في قوله تعالى: قل آمنا بالله . . (آل عمران: 84)؟

- الجواب: عبر بالجمع في آية البقرة؟ لأن الخطاب لجماعة المؤمنين، وعبر بالإفراد في أية آل عمران، لأن المخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .

السؤال: لماذا قدم الإيمان في قوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط . . (البقرة: 136)؟

- الجواب: لأن الإيمان بالله تعالى أصل الإيمان بالشرائع، وشرط الإيمان بها، فمن لا يعرف الله تعالى استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً . والله أعلم .

السؤال: كيف جازت نسبة انزال القرآن إلى المؤمنين وقد أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك في قوله تعالى: وما أنزل إلينا . . (البقرة 136)؟

- الجواب: أن المؤمنين هم المخاطبون بتكاليفه من أوامر ونواه وإرشادات، ولذا صحت نسبة إنزل القرآن إليهم . والله أعلم .

أمانة السماء

السؤال: ما سر تعدية فعل الإنزال بحرف الانتهاء في قوله: وما أنزل إلينا (البقرة: 136) وتعديته بحرف الاستعلاء في قوله: وما أنزل علينا (آل عمران: 84)؟

- الجواب: في تعدية فعل الانزال بإلى في هذا الموضع وغيره إيماء إلى التشديد في التكليف على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث نزل منزلة أمته - وضرورة تقديم ما أنزل إليه من الكتاب إلى المبلغين، في صورة واضحة بينة لا لبس فيها ولا غموض، لأنه أمانة السماء فلابد أن تسلم إلى أهلها في الأرض، والأمانة فيها من التشديد في الأداء والتكليف ما فيها .

أما تعدية الإنزال بحرف الاستعلاء على فإن فيها اشعاراً بمعنى التشريف وعظمة المنزّل، وشرف المنزّل عليه - صلى الله عليه وسلم - وتحمله المشاق في سبيل الإنزال، كما يوحي هذا الحرف على بمدى الخضوع والاستسلام المطلق منه - صلى الله عليه وسلم - ولعل هذا وجه التشريف الذي يدل عليه حرف الاستعلاء . والله أعلم .

السؤال: لم تكررت لفظة أوتي في آية البقرة: وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم (136)؟

ولم تتكرر في آية آل عمران: . . وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم (84)؟

- الجواب: تكررت كلمة أوتي في آية البقرة، لأن آية البقرة وردت في سياق ذكر عدد من الأنبياء وأخبارهم مثل إبراهيم وإسماعيل ويعقوب وبنيه، فلما جرى ذكر الأنبياء السابقين ناسب ذلك تكرار الإيتاء لهم، وذلك بخلاف آية آل عمران فإنها ليست في مثل هذا السياق .

وكذلك لأن آية البقرة وردت بعد قوله تعالى: وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا . (البقرة: 135) فلما جرى ذكر هاتين الملتين ناسب ذلك تخصيص نبييهما بالإيتاء، فأفرد ذكر إيتاء موسى وعيسى ثم جاء بعدهما ذكر الإيتاء للأنبياء الآخرين .

كما أن الآية في آل عمران وردت بعد ذكر أخذ الميثاق من النبيين على الإيمان بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم أخذتم على ذلكم اصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (آل عمران: 81) كما وردت في سياق التأكيد على الإسلام والإيمان به، فقد جاء بعدها: أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون (آل عمران: 83) .

وجاء بعدها: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (آل عمران: 85) . فناسب ذلك عدم تكرار الإيتاء للأنبياء فيها، وذلك لأن السياق فيما أوتي سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لا فيما أوتي الأنبياء الآخرون . فأنت ترى أنه لما كان السياق في البقرة في ذكر الأنبياء ذكر الإيتاء لهم، ولما كان السياق في آل عمران في الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودينه وأخذ الميثاق له من الأنبياء على الإيمان به ناسب ذلك عدم تكرار الإيتاء للأنبياء . وأخيراً فقد وردت مشتقات مادة الإيتاء في البقرة أكثر مما في آل عمران، فقد وردت في البقرة في أربعة وثلاثين موضعاً، ووردت في آل عمران في تسعة عشر موضعاً مما اقتضى تكرار الإيتاء في البقرة دون آل عمران . والله أعلم .

تكرار الموصول

السؤال: لماذا كرر الموصول ما في قوله تعالى: وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم . . (البقرة: 136)؟

- الجواب: لأن المنزل إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الكريم - غير تلك الصحائف التي أنزلت على إبراهيم - عليه السلام - فلو حذف الموصول لدل على أن المنزل إلينا عين المنزل على إبراهيم - عليه السلام . والله أعلم .

السؤال: كيف جاز عطف إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط على إبراهيم بما يوحي أنه أنزل إليهم كتاب أو صحف والمشهور أنه لم ينزل عليهم شيء من ذلك؟

- الجواب: جاز عطف هؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - على إبراهيم - عليه السلام - في قوله تعالى: وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط . . . لأنهم كلفوا بالعمل به والدعاء إليه فأضيف الإنزال إليهم كما أضيف في قوله: وما أنزل إلينا . والله أعلم .

السؤال: لم أوثر التعبير بحرف الشرط (إن) المفيد للشك في قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا (البقرة: 137)؟

- الجواب: لأن إيمان أهل الكتاب وإقرارهم بإيمان المؤمنين من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم - أمر غير مأمول ولا متوقع ومشكوك فيه . والله أعلم .

السؤال: لم قيل: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به (البقرة: 137) ولم يقل: فإن آمنوا بما آمنتم به؟

- الجواب: للاستدراج وإرخاء العنان مع الخصم وللتبكيت، لأن الحق واحد وهو دين الإسلام، والمعنى: إن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ومساوياً له من الصحة والسداد فقد اهتدوا، ولما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد فقد استحال الاهتداء بغيره، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به وقد علمت أنه لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد استدراجه لتبكيته وتوقيفه على أن رأيك لا رأي وراءه في الصواب . والله أعلم .

السؤال: ما نوع الأسلوب في قوله تعالى: ونحن له عابدون؟ (البقرة: 138) .

- الجواب: أسلوب قصر من باب قصر الصفة (العبادة) على الموصوف (الله) دون غيره، والمعنى: عابدون له لا غيره . والله أعلم .

السؤال: ما الغرض من التعبير باسم الفاعل في قوله ونحن له عابدون، (البقرة: 138) .

- الجواب: للدلالة على رسوخ العبادة الخالصة لله تعالى ودوامها والله أعلم .

السؤال: ما نوع الاستفهام في قوله تعالى: قل أتحاجوننا في الله، (البقرة: 139) .

- الجواب: الاستفهام مجازي، غرضه الإنكار، وهو الإنكار الواقع، لأن أهل الكتاب كانوا يحاجون المسلمين فعلاً والله أعلم .

جدال بشع

السؤال: ما علة ذكر المفعول به نا في قوله تعالى:

أتحاجوننا في الله (البقرة: 139)؟

- الجواب: لإظهار بشاعة تلك المحاجة وفظاعتها، لأن أهل الكتاب يجادلون المسلمين، وهم أعرف الناس بجلال الله والإيمان برسله جميعاً وبما أنزل عليهم، ولو حذف المفعول به فقيل: أتحاجون لجاز أن يكون لجدالهم وجه محمود بأن يكون من يجادلونه جاهلاً بالله وكماله وجلاله، والله أعلم .

السؤال: ما نوع الاستفهام في قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون، (البقرة: 140)؟

- الجواب: الاستفهامات الثلاثة في الآية الكريمة مجازية، والغرض من الاستفهامين الأول والثاني الإنكار والتوبيخ، أما الاستفهام الثالث فغرضه النفي . والله أعلم .

السؤال: ما نوع أمْ في قوله تعالى: أم تقولون، (البقرة: 140) .

- الجواب: أمْ إما متصلة معادلة للهمزة في أتحاجوننا بمعنى: في أي الأمرين تأتون المحاجة؟ في حكمة الله؟ أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ وإما أن تكون منقطعة بمعنى بل والهمزة دالة على الإضراب والانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء والله أعلم .

السؤال: لمَ قدم هودا على نصارى في قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى (البقرة: 140) .

- الجواب: لتقدم اليهودية على النصرانية زمناً، والله أعلم .

السؤال: ما فائدة التعبير بالظرف (عنده) والجار والمجرور (من الله) في قوله تعالى: ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، (البقرة:140) حيث كان من الممكن أن يقال: ومن أظلم ممن كتم شهادة .

- الجواب: الغرض من التعبير بالظرف (عنده) والجار والمجرور (من الله) تشنيع شأن الكتم وتهويله وتفظيعه، وبيان ذلك أن الظرف (عنده) للدلالة على تعمد الكتم والإصرار عليه، بما تحقق له علمه عنده - أي عند كاتم الشهادة . وأما الجار والمجرور من الله فهو للإشارة إلا أن كتم الحق الصادر عن الله تعالى من أشنع الذنوب والله أعلم .

السؤال: ما الغرض من الخبر في قوله تعالى: وما الله بغافل عما تعملون .

- الجواب: التهديد والوعيد والله أعلم .