حوار: منورة عجيز
باحثة إماراتية قررت أن تطوف العالم طلباً للعلم، لم تكتف بتعليمها المدرسي، بل استجابت لطلب والدتها التي لم تلتحق بالتعليم، بأن تستكمل دراستها الجامعية في الخارج، إيماناً منها بأهمية العلم ودوره في نفع المجتمعات وإنارة العقول، وبدأت دراستها في مجال الكيمياء الحيوية في أمريكا، ثم انتقلت إلى بريطانيا لإجراء أبحاث علمية على المواد الصناعية المستخدمة في تصنيع الركب الصناعية واكتشفت أنها مسرطنة في بريطانيا، ثم انتقلت للعمل في المعمل الجنائي في شرطة دبي وهو المكان الوحيد الذي وجدته للعمل في مجال دراستها . إنها الدكتورة حبيبة الصفار، الأستاذ المساعد في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبوظبي والتي قررت بعد 7 سنوات من العمل في الدولة، أن تسافر إلى أستراليا لإجراء أبحاث علمية للكشف عن الجينات المسببة للأمراض المزمنة والوراثية، خاصة للكشف عن خارطة الجينات الوراثية لسكان المنطقة العربية، وتوصلت إلى العديد من الاكتشافات الطبية، فيما تأمل في الوصول إلى المزيد من الابتكارات العلمية لتخدم المجتمع والبشرية ككل، وتطمح إلى المشاركة في إنشاء مركز بحثي للأمراض الجينية والوراثية في الدولة والوطن العربي، وتالياً نص الحوار معها:
* ماذا تقولين عن مكان وتاريخ ولادتك وأسرتك وبداياتك الدراسية؟
- ولدت في إمارة دبي بتاريخ 16 أغسطس/ آب ،1977 ولدي 6 إخوة وأخوات أحد إخوتي أصبح مهندساً في قطاع البترول، وآخر أصبح مهندساً ميكانيكياً، وثالث أصبح مهندس طيران، ولدي أخت أصبحت محامية، وأختان أصبحتا ربتي منزل، وكانت الدراسة تتسم بالبساطة في الماضي والتقنيات المتوفرة لنا كانت قليلة، وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية قررت الالتحاق بالقسم العلمي، وكان السبب الرئيسي في تفوقي بالقسم العلمي معلماتي المتميزات، فيما كان يتوفر في المدرسة كلها مختبر واحد تستخدمه جميع الطالبات، ولأمي فضل كبير في اهتمامي بدراستي، حيث وفرت لنا سبل الراحة من أجل التركيز أثناء الدراسة، بينما تخصص أبي في عقاب من كان يهمل منا في دراسته .
* حدثينا عن هواياتك وطموحك في الصغر؟
- في صغري، كنت كثيراً ما أتفرغ بشكل كامل لقراءة القصص والروايات وخاصة القصص البوليسية وذات الخيال العلمي، وكنت أقرأ مجلات الأطفال و"النقيب خلفان" أسبوعياً . كما كنت أحب العلوم بشدة واستكشاف الأمراض وطرق علاجها، لذلك كنت أفضل قراءة الكتب والقصص والمنشورات ذات العلاقة بها، كما كنت أطمح منذ الصغر إلى العمل في مجال العلوم والطب للكشف عن مسببات الأمراض وخاصة المتعلقة بالخلل الجيني والحد من انتشارها، حيث ينتشر زواج الأقارب بشدة بين الأسر الإماراتية، وهو من أهم مسببات انتشار الأمراض الوراثية في الدولة، وفي صغري وحتى الآن أحب شراء الأحذية بكثرة، كما كنت ومازلت أحب السفر، ولكنني لم أكن أرغب في السفر وحدي في أي يوم، لذلك واجهتني صعوبة في بداية سفري إلى الخارج، وتعلمت منه الاعتماد والثقة بالنفس، والجرأة أيضاً، كما أتقنت اللغة الانجليزية نتيجة استخدامي لها بكثرة في دول العالم التي انتقلت للدراسة والبحث فيها .

أم وعم حكيمان

* كيف بدأت طريق دراساتك العليا؟
- بدأته بتشجيع وحض من عائلتي على الاهتمام بالعلم الذي ينير العقول ويرقى بالمجتمعات إلا أنهما فبالرغم من أن أبي وأمي لم يلتحقا بالتعليم في الصغر، كانا يحثانني وأخوتي على الاهتمام بالتعليم والدراسة باستمرار، كما كانت لأمي نظرة ثاقبة فهي من نصحتني بالسفر إلى الخارج، بينما كنت أود أن أستكمل دراستي هنا في الدولة، ولكن مع نصح عائلتي وتشجيع عمي لي على السفر واستكمال الدراسة في الخارج، استجبت لطلبهم وتمكنت من الحصول على بعثة دراسية إلى أمريكا، لدراسة تخصص الكيمياء الحيوية في جامعة سان دييجو ستيت، وتمكنت من التخرج في الجامعة بدرجة الامتياز .
* هل كان تفوقك في البكالوريوس سبباً في دفعك إلى إعداد رسالة الماجستير؟
- نعم، فنتيجة لتفوقي في البكالوريوس، صمم عمي على استكمال دراستي العليا، لذلك تقدمت بطلبي للالتحاق ببرنامج "إعداد" للمنح الدراسية والذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، ويسعى البرنامج إلى تطوير مستوى المهارات لدى الكفاءات الوطنية، ويشجعها على الالتحاق بالدراسة في الجامعات العالمية المتميزة، وقد التحقت بكلية الطب في جامعة ليفربول في بريطانيا لدراسة تخصص الهندسة الطبية، وكانت الدراسة فيها مكثفة، وأجريت خلال فترة إعداد رسالة الماجستير بحثاً علمياً حول الركب الصناعية التي تتسبب بالسرطان لمستخدميها، وتوصلت فيه إلى اكتشافات مهمة حول المواد المسرطنة المستخدمة في الركب الصناعية والغضاريف الصناعية، وأرسلنا تلك النتائج العلمية إلى الجهات المصنعة في العالم من أجل الاستفادة منها، ومنع تداول الأنواع المسرطنة .

البحث عن عمل

* هل وجدت عملاً بسهولة في مجال دراستك بعد استكمال رسالة الماجستير؟
- في الحقيقة لا، فبعد عودتي من الخارج إلى الدولة عام ،2003 بدأت البحث عن عمل في مجال دراستي الذي يهتم بدراسة الأمراض التي تصيب الأنسجة في الجسم البشري، إلا أن الوظائف المتخصصة فيه لم تكن متوافرة بعد في الدولة، بل كانت نادرة في الشرق الأوسط بشكل عام، حيث تعد الهندسة الطبية أحد التخصصات الطبية الحديثة . وفي بداية البحث عن وظائف شاغرة، ركزت بحثي على المستشفيات والهيئات الطبية وعلى أي مكان آخر مختص بإعداد أجهزة مبتكرة تسهّل على المرضى حركتهم، ولكنني لم أجد ما أبحث عنه، لذلك توجهت إلى شرطة دبي وعملت في المختبر الجنائي لمدة 7 سنوات تحت عدة مسميات وظيفية، حيث بدأت كمساعد خبير حتى وصلت إلى درجة خبير، وتمكنت خلالها من الكشف عن مواد كيميائية مسرطنة تؤثر في مستخدميها، وطورت تطبيقاً الكترونياً يدرج أسماء تلك المواد المسرطنة حتى يمكن للمفتشين في المطارات وفي الأماكن المتخصصة الأخرى كالمختبرات الطبية في الدولة، معرفة مدى خطورة المواد التي تدخل إلى الدولة، وخلال سبع سنوات من الجد والعمل البحثي مع شرطة دبي، اتخذت قراراً بإعداد رسالة الدكتوراه .

الأمراض الوراثية

* في أي مجال قررت إعداد رسالة الدكتوراه؟
- قررت أن أعد رسالة الدكتوراه حول الأمراض الوراثية الناتجة عن الخلل الجيني، ولأن الأبحاث والدراسات العلمية التي تجرى حولها في الشرق الأوسط قليلة، فقد ذهبت إلى أستراليا واندفعت لدراسة العلوم الوراثية والجنائية، ودارت فكرة رسالتي حول إعداد ودراسة قاعدة بيانات تضم السجل الإماراتي الوراثي، وذلك من خلال أخذ عينات بيولوجية لعدد من أفراد الأسر الإماراتية المصابة ببعض الأمراض المزمنة لدراستها وتحديد المسببات الجينية للأمراض الوراثية في السكان الأصليين، واستطعت أن أطور طريقة حديثة لفحص العينات البيولوجية بتقنيات حديثة ذات دقة عالية .
* ما أهم الاكتشافات التي توصلت إليها أثناء إعداد رسالة الدكتوراه؟
- خلال فترة إعداد رسالة الدكتوراه، توصلت إلى اكتشاف 5 جينات وراثية لدى أفراد الأسر ذات الجذور الإماراتية، تسبب مرض السكري من النوع الثاني، وتختلف عن الجينات المسببة للسكري في الشعوب الأخرى، ومنها الجين المسؤول عن إفراز هرمون الأنسولين من البنكرياس، كما تمكنت من تحديد نسبة الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بينهم، وحددت الجين المسؤول عن السمنة عند المصابين بالسكري من النوع الثاني منهم، فيما توصلت خلال العمل مع فريق عمل متخصص إلى تأسيس أول سجل خاص للعينات العربية والإماراتيين من فئة البدو، وتعرفت على بعض العلامات الوراثية للإماراتيين الأصليين .
* متى التحقت بالعمل في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبوظبي؟
- بدأت عملي في جامعة خليفة للعلومو التكنولوجيا في 23 أغسطس/آب 2011 بعد حصولي على درجة الدكتوراه، وأعتبر حالياً استاذ أستاذاً مساعداً في الهندسة الطبية الحيوية، وفي الوقت الحالي أعمل على إجراء عدد من البحوث الطبية بالتعاون مع الطلبة الدارسين في الجامعة، باستخدام أحدث الأجهزة العالمية التي توفرها الجامعة في مجال الهندسة الطبية الحيوية والأمراض الجينية، للوصول إلى نتائج قد تفيد في علاج العديد من الأمراض، وتدور بعض أبحاثي الحالية حول استكمال الخارطة الوراثية للأسر العربية في الوطن العربي، والكشف عن الجينات التي تسبب الإدمان بالتعاون مع مركز التأهيل الوطني للمدمنين، وأجري دراسة حول مدى قابلية المرضى للتعافي بعد استخدام بعض الأدوية العلاجية، وخاصة لمرضى السكري والقلب، والكوليسترول، كما أعد دراسة لإعداد خارطة وراثية للأصول عن طريق الأمهات، وللمهاجرين من المنطقة العربية إلى الخارج، وجميع الأبحاث بحاجة إلى نحو سنتين أو ثلاث سنوات ليتم إنجازها .

مشروع أتمناه

* ما طموحاتك المستقبلية؟
- أود أن أشارك في مشروع لإنشاء مركز بحثي متخصص في الأمراض الوراثية في الإمارات والوطن العربي أيضاً، حيث أن الأمراض الوراثية والتسلسل الجيني لسكان المنطقة العربية يختلفان عن الغربيين، فزواج الأقارب لا ينتشر بينهم كما يوجد لدينا . كما أن اكتشافاتهم العلمية وعلاجات الأمراض التي يتوصلون إليها قد يستفيدون منها وحدهم وليس بقية البشر، وذلك نتيجة لاختلاف الخارطة الجينية لدى سكان العالم، لذلك، فإن تطبيق المشروع بحاجة إلى تمويل ضخم، ودعم مادي كبير من الحكومة والمستثمرين في القطاعات المتعلقة بالمجال .
* ما سبل إنجاح مشروع إنشاء مركز بحثي، من وجهة نظرك؟
- لإنجاح المشروع، نحن بحاجة إلى مزيد من الكوادر الإماراتية المتخصصة في المجال وتطوع كبير من مواطني الإمارات وسكان الوطن العربي، للحصول على العينات التي يمكن استخدامها في إجراء البحوث، وسرعة الوصول إليهم، حيث إن بعض الحالات التي قد نحتاج إلى أخذ عينات منها قد تبتعد عنا مسافات طويلة جداً، ويشترط في إنجاح المشروع أيضاً، أن يتم عقد تعاون مع المراكز والهيئات الطبية للحصول على الملفات الطبية للمرضى والتي تبين سجلاتهم المرضية، وهو ما قد يرفضه بعض المرضى أو المستشفيات، ولذلك أطالب بتوحيد الإجراءات بين المستشفيات والمراكز الطبية، من أجل تسهيل حصول الباحثين على السجلات الطبية للمرضى، فالموافقة على التقارير الطبية وغيرها من السجلات من بعض المستشفيات، قد تصدر بعد فترة تصل إلى ثمانية أشهر أو أكثر وذلك بعد التأكد من الهدف الذي يرمي إليه الباحث من استخدامها، إضافة إلى موافقة جميع الأطراف ذات الشأن .

قدوة في الابتكار والتطوير

* من تتخذينهم قدوة لك في حياتك؟
- إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، (رعاه الله)، يمثل لي القدوة في العمل، فتصميمه وعزمه الكبير وحرصه الشديد على الابتكار والتطوير تدفعني إلى الإبداع في مجال عملي، كما تشجعني على عدم الخوف أو القلق من الفشل، ففي كل خطوة أسيرها درس جديد أتعلمه . لم أكن أعلم عنه شيئاً من قبل، كما تعلمت منه أن أكون كريمة في عطائي، فأنا أود أن أنقل العلم الذي تعلمته خلال سنوات دراستي خارج الدولة إلى طلابي من طلبة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في جامعة خليفة والجامعات الأخرى في الدولة .
ويعد عمي حمزة الصفار مثلاً وقدوة يحتذى بها، فهو من دفعني منذ الصغر إلى الاهتمام بالعلم وشجعني على العمل في مجال الأمراض الوراثية، ونزع من داخلي الخوف من الفشل والقلق من السفر إلى الخارج، وأكد لي دوماً أن الأشياء كلها بحاجه إلى قليل من الجهد والعمل والتركيز والإتقان .
* هل تعرضت لمواقف مفرحه خلال عملك؟
- بالتأكيد، فعملي في مجال الأمراض الوراثية، ساعدني وساعد كثيراً من طلابي على مساعدة ذويهم في اكتشاف الأمراض المزمنة والوراثية في عائلاتهم كالسكري والكوليسترول، وقد أسعدتني رؤية ولي أمر أحد الطلاب لديّ، عندما جاء ليخبرني أن ابنه اكتشف أن والده مصاب بارتفاع الكوليسترول عن طريق الصدفة عندما قرر أن يطبق ما تعلمه في الجامعة عليه، ما ساعد الأب على بدء العلاج الذي خفض نسبة الكوليسترول في الدم لديه وقلل نسبة إصابته بأمراض أخرى . ومن المواقف المفرحة الأخرى أنني كنت سبباً، عندما اكتشفت أنني سبب في جمع شمل إحدى الأسر، فعندما كنت اجري إحدى الدراسات طلبت أخذ عينة من أحد أفراد أسرة كانت منقطعة الأوصال لمدة 8 سنوات، حيث كان الإبن يعمل في دولة أجنبية أخرى غير التي تعيش فيها أسرته نتيجة خلاف بينهما، وعندما عاد من الخارج لإعطائي العينة التقى مع أسرته وتم إصلاح الخلاف بينهم .
* وما الموقف المحزن الذي تتذكرينه؟
- عندما كنت أجري إحدى الدراسات البحثية، طلبت أخذ عينة دم من إحدى الأسر المصابة بمرض السكري، وكانت واحدة من سيدات تلك الأسرة مصابة بالسكري من دون أن تعلم بذلك، وكان عمرها خمسين عاماً فقط، ولكنها بعد مدة قصيرة من أخذ العينة توفيت بسكتة قلبية، فسبب ذلك الحزن لي نتيجة عدم الكشف المبكر عن السيدة واكتشاف ما بها من إصابة مرضية .