هناك فرق بين أن يكون المبيح لك الشيء هو الشرع نفسه، وبين أن يصدر أمر الإباحة من العباد، فالشرع عندما يأذن لك باستهلاك شيء أو استعماله، يقتضي ذلك الإذن بإباحة ذلك الشيء لك وتملكه .
- أما لو أذن لك إنسان بفعل شيء، فإن ذلك الإذن اختلف فيه الفقهاء في كونه يؤدي إلى التمليك، ومن ثم يجوز لك أن تتصرف فيه كما تشاء، أو أنه إذن مقيد ويحتاج إلى الرجوع إليه إذا أردت التصرف فيه .
- ففي فقه الأحناف نقرأ في الدر المحتار ج3 ص355 أنه إذا تعلقت الإباحة بعين فإن الجمهور من الحنفية قالوا إن المال يظل مملوكاً لصاحبه إلى أن تناله يد المباح له فيمتلكه بأخذه أو بتناوله، فإذا استهلكه بعد ذلك فقد استهلك مالاً مملوكاً .
ثم ضرب مثالاً لذلك فقال: فلو ترك شخص ماله، وقال: من شاءه فليأخذه، أو نثر نقوداً ليأخذ كل من تناله يده، أو دعا صديقاً إلى تناول طعامه، فمثل هذا المال يصبح مملوكاً للمباح له بعد تناوله بيده، وإلا ظل ملكاً لصاحبه .
-لكن هناك من يرى من الحنفية كما في الدر المحتار ج4 ص373 أن من دعا قوماً إلى طعام وفرقهم على أخونة، فليس لأهل خوان مناولة أهل خوان آخر، ولا إعطاء سائل وخادم وهرة وكلب .
والعلة أنه أباح لهم خوانهم دون خوان غيرهم، فإن ناول أهل خوان غيرهم لا يحل لهم أن يأكلوه .
وفي كتاب المبسوط للسرخسي أن المباح له الطعام لا يملكه، وإنما يتناوله على ملك المبيح .
- وفي فقه الشافعية كما ورد في حاشية الباجوري على ابن القاسم ج2 ص139 أن الضيف يجوز له الأكل مما قدم له بلا لفظ من مضيفه، اكتفاء بالقرينة العرفية، كما في الشرب من السقايات في الطريق، لكن ليس له أن يتصرف فيه بغير الأكل، لأنه وحده المأذون فيه عرفاً، فلا يطعم منه سائلاً ولا هرة إلا بإذن صاحبه .
- وعند المالكية ما يفيد هذا الحكم بعينه، وقد ورد عن القرطبي المالكي في تفسيره ج12 ص420 عن قوله تعالى: ولا على أنفسكم أن تأكلوا في سورة النور: ورد في السلف أن الإباحة في هذه المسائل لا تعدو أن تكون إذناً بالانتفاع القاصر، وأنه لا يجوز للمباح له أن ينقل الطعام إلى الخارج ولو إلى نفسه، لأنه إباحة المنافع كإباحة الأعيان، ولا تقتضي تمليكاً لا يملك المأذون له الإنابة ولا المعارضة .
ويقول ابن قدامة الحنبلي في المغني ج7 ص13: إن النثار وإن كان مكروهاً، إلا أنه لو حصل في حجره على شيء من النثار فهو له غير مكروه، لأنه مباح حصل في حجره فملكه .
- والإمامية قالوا إن ملك المباحات متوقف على الحيازة والنية .
- وعند الإباضية كما في شرح النيل ج2 ص695: ولا تناول أحداً شيئاً على مائدة غيرك، وهذا حق على الضيف، فإن شاء صاحب الطعام أعطى سائلاً أو قطاً أو أذن للضيف في الإعطاء .
- إذاً نفهم من هذا أن ما يبيحه لك الشارع لا تنتهي مدته إلا بانتهاء فترة الوحي، أما ما يبيحه لك أحد من العباد فإن ذلك إذن ينتهي بانتهاء مدته أو بعدول الآذن عنه أو بوفاته مثلاً .
- لكنني أقول: إن العرف والعادة تختلف باختلاف الأزمان، وفي زماننا هذا توسع الناس في فهم مفهوم العرف، فوسعوا ما كان ضيقاً، وربما كان ذلك من قلة الورع، فالأوائل كانوا يتورعون عن أكل بعض الحلال خوفاً من أن يكون حراماً .