في المقال السابق تحدثنا عن التصرفات الحسية الفعلية، وقسمناها الى مباح ومرخص بها وحرام، وفي هذا المقال نتحدث عن التصرفات الشرعية وهي ما تسمى بالتصرفات القولية الإنشائية أو الاقرارية، كالطلاق والنكاح واليمين وغيرها التي أوصلها العلماء الى خمسة عشر تصرفاً عند غير الحنفية .
- وهذه التصرفات القولية، منها ما يحتمل الفسخ، كالبيع والهبة والاجارة، ورأي الجمهور فيها أن الذي يكره على قولها، يعتبر تصرفه تصرفاً نافذاً، لكنه فاسد، لأن الرضا شرط في اتمام العقد .
- ومن التصرفات القولية ما لا تحتمل الفسخ، كالطلاق والنذر والظهار والنكاح والرجعة والعفو عن القصاص وغيرها، فإن الجمهور يرون أن الذي يكره عليها يعتبر تصرفه فاسداً، ومن ثم فإن طلاقه لا يقع، وهكذا بالنسبة للأمور الأخرى، لأن الله تعالى قال: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولو قيل: إن المكره على القتل عندهم، اعتبر تصرفه محرماً، فكيف تعتبر سائر التصرفات فاسدة؟ قلنا: ذلك نظراً لحرمة الدم عند الله .
- وإذا قيل: إن الحديث يقول: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة، فإنه من أدلة الحنفية لا الجمهور، وهو حديث يقول عنه الزحيلي إنه ضعيف على الأرجح .
- هذا والاقرار مثل الإنشاء عند الجمهور، في كونه إذا أكره عليه، لا يترتب عليه أثر، فالذي يقر نفسه بشيء كالذي ينشئه ابتداء، لأن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب كما يقول الحنفية، أو يشتمل على الشبهة كما هي عند المالكية الذين قالوا إنه المكره على الزنا لا يحد، لأن الإكراه شبهته، والحدود تدرأ بالشبهات .
- ويرد على ما تقدم اختلاف الفقهاء في التصرفات القولية التي يكره عليها الإنسان، لكن يخير فيها بين أمرين، كأن يقول له: طلق احدى زوجتيك، فالجمهور قالوا: لا يشترط تعيين إحدى الزوجتين عند الاكراه، فمتى أكره على فعله دخل في باب ما ينفذ من التصرفات أو فيما لا ينفذ، بحكم أنه مكره لا بحكم أنه مخير، أما الشافعية فقالوا: لا بد من تعيين الشيء المكره عليه، إذ لا اكراه مع التخيير .
- خلاصة القول: إن الإكراه يختلف أثره عند الأحناف باختلاف القول أو الفعل، فإن أكره على شيء مما يدخل ضمن الاقرارات، ابطل الإكراه أثر ذلك الإقرار، فالذي يكره على الاعتراف بمال أو زواج أو طلاق مثلاً، فإن اعترافه يعد باطلاً شرعاً .
وإذا أكره على العقود مثل البيع والاجارة وما شابههما، فإن الإكراه يفسد ذلك البيع كما يقول الحنفية .
- والمالكية فرقوا بين إكراه بالنظر الى أثر الإكراه، فالذي يهدد بالقتل غير الذي يهدد بالضرب مثلا .
- والشافعية فرقوا بين الإكراه على القول وبين الإكراه على الفعل، فلا أثر يترتب على القول عندهم إلا في الصلاة حيث تبطل الصلاة بقول ما ليس من الصلاة .
وفي الإكراه على الفعل فرقوا بين القتل وبين الزنا والرضاع وذبح الحيوان مثلاً، حيث قالوا بقتل المكره والمكره، وسقوط حد الزنى عند الإكراه، وجواز أكل ذبيحة الكتابي المكره حتى لو كان المكره مجوسياً .
-أما الحنابلة ففرقوا في أثر الإكراه بالنظر الى المكره عليه، لذلك قالوا إن التصرفات القولية باطلة عند الإكراه إلا في النكاح، حيث قاسوا المكره على الهازل، فقالوا بصحة النكاح من المكره، قياساً على عدم وقوع الطلاق مع الإكراه، لأن الإكراه من الإغلاق .
- وهكذا نجد أن اجتهادات الفقهاء رحمهم الله، تدور حول الحلال والحرام، وليس لأحد منهم مصلحة دنيوية، وحاشاً أن يقول أحدهم قولاً يخالف فيه قول الله أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو اجماع الصحابة .