قد يفهم بعض الناس من المرونة في الدين، بأنها التساهل في الأمور تخفيفاً على الناس .

- لكن لفظ المرونة في اللغة العربية، يفيد معنى آخر غير ذلك المفهوم، ففي قواميس اللغة العربية كلسان العرب والمعجم الوسيط، يرد الفعل: مرن الشيء يمرن مرانة ومرونة، أي لان في صلابة .

- فقوله لان في صلابة، يفيد أن شريعة الإسلام صلبة في ثوابتها وقواعدها، لكنها لينة في فروعها وجزئياتها، وهي بفضل هذه الخاصية، قادرة على البقاء في كل زمان وكل مكان، وهذه الخاصية ملازمة للدين الإسلامي الذي أراد الله تعالى منه أن يكون دين الناس كافة .

- وبما أن الاحتياجات كثيرة، وهي تتغير بتغير الزمان والمكان، فإن الحاجة إلى المرونة تزداد عاماً بعد عام، إذ لا يعقل أن يعيش الناس في القرن الخامس عشر الهجري، مثل ما عاش عليه الناس في القرن الأول من الهجرة .

- من أجل ذلك فإن نصوص الشرع، منها ما جاءت خاصة غير قابلة للتأويل، بل يجب العمل بمضمونها مباشرة .

ومنها ما جاءت عامة، فاعتبرت قواعد كلية، أو بعبارة أخرى ذات ألفاظ مطاطية قابلة لتكييفها مع الحوادث والنوازل في كل مكان وكل زمان .

- وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصيات والمعاني المستثارة منها، لما اتسع باب الاجتهاد، فالمنصوصيات ومعانيها المعزوة إليها، لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر، (انظر كتاب البرهان للإمام الجويني ج 2 ص 1116-1117) .

- إذن عوامل المرونة في الفقه الإسلامي كثيرة منها:

- رعاية الضرورات والأعذار والظروف الاستثنائية .

- تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف .

- اتساع منطقة العفو المتروكة قصداً .

- اهتمام النصوص بالأحكام الكلية في بعض جوانب الحياة، وترك التفصيل للمجتهدين .

- انقسام النصوص الشرعية إلى خاصة وقواعد كلية عامة .

- تنوع المصادر التبعية بحسب اجتهاد المجتهدين، وهذه المصادر من أهمها القياس والاستحسان وسد الذرائع والعرف والاستصلاح أو المصالح المرسلة (انظر كتاب المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي للدكتور محمد أحمد بركات ص 225-232) .

- ولكي ترى سعة منطقة العفو المتروكة من الشارع الإسلامي قصداً، اقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رخصة لكم ليس بنسيان فلا تبحثوا عنها (رواه البيهقي) .

- ما أعظم قوله عليه الصلاة والسلام: فلا تبحثوا عنها، وكان الخطاب موجهاً إلى الصحابة الذين كانوا يسألون عن أدق الأمور .

لماذا قال لهم: لا تبحثوا عنها؟

لأنهم لو سألوا فلربما زادت التكاليف، واتسع ما كان ضيقاً، وعندئذ لا يطيقون، وكانت سبب التشديد كثرة مسائلهم .

- ثم انظر إلى مجرد الاختلاف في قراءة أو لامستم النساء وأو لمستم النساء فلم تجدوا ماء، فلامستم بمعنى جامعتم، ولمستم بمعنى اللمس باليد، ولكل قراءة حكم يختلف أثره على صاحبه من حيث السعة والضيق .

- أما عن المصادر التبعية فحدث ولا حرج، وقد كفانا نحن منها اليوم الاستصلاح .