أسهم السقاف بشكل كبير في نشر الثقافة والمعرفة ليس في الكويت فحسب، وإنما في الأقطار العربية قبل استقلال الكويت وبعده الفيلسوف الفرنسي جان جيتون

حظي الوطن العربي بالكثيرين من رجالات الثقافة والمعرفة، في الفترات الأكثر حرجاً في تاريخه، سواء أكان ذلك في مرحلة ما قبل استقلال الأقطار العربية، أم بعدها، وكان لهؤلاء الأعلام الأكثر وفاء، دور كبير في نهضة بلدانهم، من خلال حرصهم على أوطانهم، وأمتهم، وفهمهم العميق لمفهوم المثقف، وما ينبغي أن يقوم به في تلك المرحلة، مادامت الحاجة قائمة إليهم، كمثقفين، بل إن ما يقومون به من عمل، لهو مهمة إنسانية، وقومية، ووطنية في جوهرها، ولا مناص منها البتة .

ومن هنا، فلقد تحرك هؤلاء المثقفون الكبار في اتجاهات كثيرة، همهم الكبير التنمية الثقافية لبلدانهم، من خلال وضع حجر الأساس المعرفي الذي لا بد منه، ولاسيما أن هؤلاء أدركوا أن الجهل، والتخلف من دعامات التراجع والتقهقر اللذين أرادهما الاستعمار، كي يتخلّف العالم العربي عن ركب الحضارة، ويغدو حقل تجربة لتنفيذ مخططاته . وإذا كان في كل بلد عربي أعلام يعدون من صناع النهضة، فإن السقاف ليعدّ أحد صناع النهضة في الكويت، انطلاقاً من الدور الذي يلقى على المثقف في تلك العملية الشاقة، والمعقدة، في بيئة انتشرت فيها معوقات التقدم، إلى حد كبير .

وأحمد السقاف (1919-2010) الشاعر، والأديب، ورجل العلم والدين والحقوقي والمفكر، وأحد رواد البناء والنهضة في الكويت، ولد في ضاحية السادة في عدن، ونشأ في أسرة ينتهي نسبها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمكن من استظهار القرآن الكريم في العاشرة من عمره، ليتلقى علوم الدين والفقه، ويقرن بعدها الدراسة الدينية بالدراسة العلمية، في بغداد، ويحصل على الإجازة في اللغة العربية، كما جاء ذلك في السيرة التي خطها بقلمه، وليستظهر المعلقات وقديم الشعر، وحديثه، وتبدأ خطوته الأولى في رحاب التنوير من خلال العمل الميداني في مجال التعليم في العام ،1944 في أكبر مدارس الكويت، كي يتدرج ويغدو مديراً لهذه المدرسة، لما عرف به من اهتمام كبير في مجال التعليم، وما يملكه من إمكانات كبيرة . فقد أشار الناقد فهد الهندال إلى الأثر الكبير لنصوص الشاعر في نفوس أجيال متعاقبة من النشء في الكويت، واستنهاضها، وشحذها الهمم، وغرس حب القومية العربية في نفوسها، وأن إخلاصه في عمله، ووفاءه له، وتفانيه فيه، إضافة إلى ما كان عليه من نبوغ جلي، سرعان ما يتم اكتشاف كل ذلك لمن حوله، ما أدى إلى أن تزداد الثقة به أكثر فأكثر، ليعيّن وكيلاً لوزارة الإعلام في العام،1962 وقد كان السقاف مؤسساً وعضواً في رابطة الأدباء في الكويت، وأميناً عاماً لها في ما بين (1973-1984)، وعضواً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من العام (1972-1976) وليعين عضواً منتدباً للهيئة العامة للجنوب والخليج العربي في وزارة الخارجية، إلى أن يتقاعد في العام ،1995 للتفرغ لأعماله الأدبية .

لقد تعدت دائرة عمل السقاف بلده الكويت، فقد سافر إلى بلدان عربية كثيرة، للإشراف على بناء المدارس فيها كاليمن والإمارات وغيرها من الأقطار الخليجية، مترجماً عمله النهضوي، بكل ما يتطلب ذلك من تعب مضن، وجهود هائلة، لم يكترث لها، فضلاً عن مساهمته في المصالحة بين شطري اليمن عندما اندلعت بينهما النزاعات .

وإذا كان السقاف قد درس اللغة العربية، وتميز بلغته الصافية بشهادة النقاد والأدباء والقراء، وألف كتاباً في العربية بعنوان المقتضب في معرفة لغة العرب، فإن اهتمامه هذا استمر طوال عقود حياته المديدة . وتروي ليلى العثمان في شهادة لها عنه، أن غيرته على العربية دفعته ليقول لسيدة قرأت عليه قصيدة أخطأت في عروضها: إني أشفق على العربية منك .

طبيعي أنه في فترة ما بعد استقلال الكويت، برزت الحاجة إلى الطباعة، ما دفع بالسقاف لأن يسافر على رأس وفد، ومن بينهم خبير الطباعة بيبوس إلى ألمانيا، للاطلاع على فنون الطباعة في معرض دوسلدروف، ويعين السقاف مسؤولاً عن النشر، ليشرف على طباعة أولى الكتب اللازمة للتعليم، بل وأجزاء كتاب تاج العروس مع كتب تراثية أخرى مهمة .

وجد الشاعر السقاف أن هناك حاجة قصوى إلى نشر الثقافة في مجتمعه، ما دفعه إلى عقد لقاءات ثقافية دورية في منزله، ومن ثم منازل بعض أصحابه الفضلاء، لتداول قضايا ثقافية وأدبية، وليكون مثل هذا اللقاء نواة النادي الثقافي القومي الذي أسهم في تأسيسه في العام 1952 .

كما أصدر السقاف أول مجلة ثقافية في الكويت وهي كاظمة في العام ،1948 إلا أنها لم تستمر لأكثر من تسعة أشهر، كي يتولى في العام 1952 رئاسة تحرير مجلة الإيمان .

إذا كانت مجلة العربي الكويتية، لا تزال حتى الآن في عداد المجلات العربية الأكثر عراقة، وحضوراً وانتشاراً، فإن الشاعر السقاف قد أسهم في وضع المداميك الأولى لها، من خلال رؤيته الثاقبة، وسعة أفقه، وحكمته .

لقد طلب إليه الأمير صباح جابر الأحمد الصباح، تأسيس مجلة ثقافية، فما كان منه إلا أن سافر على رأس وفد خاص في العام1957 إلى عدد من عواصم الثقافة العربية منها: بغداد ودمشق والقاهرة، ليختار أسرة تحرير لهذه المجلة، ليقع اختياره على أحمد زكي وآخرين، قدموا إلى الكويت لتنطلق مجلة العربي في العام ،1958 وتسجل كل هذا الحضور الثقافي العربي، وتدخل كل بيت، وتظل نقطة مضيئة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة .

وكان كثيرون قد راهنوا على إخفاق هذه المجلة، ومن بين هؤلاء سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة الحوادث اللبنانية الذي قال: كيف يمكن إنشاء مجلة ثقافية في بلد لا توجد فيه حركة ثقافية؟ إلا أن هذه المجلة أسست، وانطلقت، وها هي تحافظ على موقعها التنويري، كما رسم لها على يدي هذا المثقف النهضوي الكبير، ومن كان معه، ممن ذللوا المصاعب لتكون العربي من كبريات المجلات العربية .

عرف السقاف إلى جانب انخراطه في السياسة شاعراً رقيقاً، كتب قصائد غنائية عذبة تم غناؤها من قبل فنانين عرب كبار، ومنهم: محمد راشد ناجي ونجاة الصغيرة، وجاء في قصيدته المغناة اللقاء العظيم:

لك الله من قلب يمزقه الألم ويا قلب صبراً إن ألمّ به السقم

إلا أن السقاف إضافة إلى هذا النمط من الشعر، فقد كتب في استقلال الكثير من الدول العربية، بل كانت له قصائد جد مهمة عن القضية الفلسطينية، وثورة الجزائر، وسوريا، ولبنان، والمغرب، واليمن، ويوليو المصرية التي يعول في إحدى قصائده على قائدها جمال عبد الناصر الكثير:

جمال فلسطين ترنو إليك

لتقطع من وحشها دابره

لقد طال فيها مقام الطريد

وراحت مكائده الدابره

وكان السقاف داعية إلى اجتماع العرب على كلمة سواء، حتى تقوى شوكتهم، ويستطيعوا مجابهة أعدائهم، وتحرير أرضهم المغتصبة وعلى رأسها فلسطين، داعياً إلى المقاومة:

بين فتك الظبا وخوض الملاحم

ظهر المجد وهو جذلان باسم

بارك الله في الجهاد ولا عاشت

نفوس تعيش عيش البهائم

أي معنى للسلم إن سخروا للحرو

ب وماقيمة الجبان المسالم

وكان يدرك أهمية الشعر، ودوره في مواجهة العدو لإعادة أرض فلسطين العربية:

يموت الشعر يا أبناء قومي

إذا لم يلقَ مستمعاً مجيبا

فصونوا بالتلاحم والتآخي

ذماماً يغلب الزمن العصيبا

فتلك القدس والأقصى أسير

يفجر في ضمائرنا النحيبا

كما أنه كتب في مجالات كثيرة، ومن بينها الرثاء، حيث رثى الكثير من الأدباء والأصدقاء ومنهم أحمد البشير الرومي يقول:

أحمد البشير جاء يرثيك أحمد بفؤاد من الفجيعة مجهد

ولقد هزت نكبة الكويت في العام 1990 وجدان الشاعر، وكتب قصائد كثيرة فيها جمعها بين دفتي ديوان بعنوان نكبة الكويت يعد وثيقة فنية عن انعكاس آثار الغزو في وجدان الشاعر، ومواجهته له بالكلمة:

وما علموا بأن البغي

مهزوم ومقتلع

وأن كويتنا سيف

فلا والله تبتلع

وإضافة إلى كتاباته عن القضايا الوطنية والقومية، فقد كتب عن قضايا الشعوب فها هو يقول في قصيدة له القضية الكردية:

قوم لهم في قلوب العرب منزلة

وفي الصحائف تاريخ وأمجاد

إن فاخروا فصلاح الدين فخرهم

أكرم بليث به تعتز آساد

ويقول عنهم في كتابه أمن العروبة والقومية العربية إن العنصرية لا تمت بصلة إلى القومية العربية، والعنصريون لا يمتون بصلة إلى القومية العربية، ويخصص قصيدة عن نلسون مانديلا الذي أمضى زهرة عمره في السجون، ليصبح رمزاً لشعبه، يقول فيها:

يا من قضيت العمر في حجرة

مظلمة يختال فيها السقم

ورأسك الشامخ أسطورة

وخصمك الفاشي تحت القدم

ومن الملاحظ أن السقاف لم يكتب في مجال قصيدة العمود وحدها، فحسب، بل إنه كتب قصيدة التفعيلة، بروح تكاد تكون مختلفة .

وإذا كان السقاف قد جمع شعره في ديوان كامل، فإن كتبه النثرية التي كتبها في مجالات عديدة منها الفكر والسياسة والأدب، قد كتبت بلغة عالية، عدّها كثير من الأدباء اللاحقين مدرسةً حقيقية للأجيال المتعاقبة، ومن كتبه: المقتضب في معرفة لغة العرب وأنا عائد من جنوب الجزيرة العربية، والأوراق في شعراء الديارات النصرانية وحكايات من الوطن العربي الكبير وتطور الوعي القومي في الكويت والعنصرية الصهيونية في التوراة، وقطوف دانية: عشرون شاعراً أموياً ومخضرماً والطرف في الملح والنوادر والأخبار والأشعار وأحاديث في العروبة والقومية وأغلى القطوف: عشرون شاعراً عباسياً .

ويشيرد . محمد حسن عبد الله إلى أن السقاف كتب المقال بلغة صافية، وقد أخذ من القدماء ما لايمكن التفريط به من استقامة الجملة، وترابطها، وسلاستها، وعذوبتها، كما أخذ من المحدثين أطيب ما عندهم مبتعداً عن التعقيد اللفظي ملتزماً وحدة الموضوع، يمضي مع فكرته حتى يجلوها من شتى جوانبها، ويكشف عن موقف أصيل، مخاطباً قارئه من مستوى العقل والعاطفة معاً، من خلال موقف المتحدث الملاصق لا المستعلي .

شهادات

كثرت الشهادات في شخص وإبداع السقاف في حياته وبعد رحيله، من داخل الكويت ومن خارجها، لما كان يقوم به من دور كبير في خدمة بلده الكويت الذي أحبه، وأخلص له، أيما إخلاص، ويرى د . سليمان الشطي أن شعره كرس لهدف جليل هو إذكاء النزعة القومية، فديوانه سجلّ فني لحركة الشعور القومي كما رآه د . خليفة الوقيان في مقدمة مؤلفاته التي طبعها له، بأنه احتل موقعاً مهماً كمرب، وكمثقف، وكسياسي، وكخطيب، وكنحوي، فضلاً عن نضاله القومي، وأنه قوي الشخصية، شجاع في الحق، ومتعدد المواهب، وشاعر وباحث في مجال الأدب والتاريخ، ومن رواد العمل الصحفي، إضافة إلى براعته في الإدارة والتعليم .

ويرى الروائي إسماعيل فهد إسماعيل أنه أحد الرجال الذين خدموا الثقافة والفكر القومي لعقود، فضلاً عن نشاطه الأدبي والصحفي، وسيبقى من المثقفين الأفذاذ القلائل .

وترى الروائية ليلى العثمان أن الكويت خسرت برحيله الكثير، وأنه كان صديقاً ودوداً، ورأت د . ليلى السبعان: أنه رمز من رموز الثقافة العربية .

وتمنى سليمان الحزامي رئيس تحرير مجلة البيان أن يتم إطلاق اسمه على مكتبة، أو مدرسة، أو شارع، تخليداً لذكراه، وعرفاناً بدوره الريادي والنهضوي الكبير، على اعتباره علامة فارقة في الثقافة الكويتية .