كان الشاعر المبدع أحمد رامي (1892 - 1981) عائداً لتوه من باريس عام 1925 حيث كان في بعثة لدراسة تقنيات علوم المكتبات، عندما اتيح له ان يجلس في الصف الامامي في حفل كانت الفنانة الكبيرة أم كلثوم تقيمه على خشبة أحد المسارح في شارع عماد الدين بالقاهرة وهو شارع الفن المشهود في النصف الاول من القرن العشرين.

من يومها اندلعت قصة حب وجدانية عميقة غريبة من نوعها في نفس هذا الشاب الصاعد تجاه هذه الفنانة الكبيرة التي كانت ترتقي سلم المجد والشهرة رويداً رويداً، مبشرة ببزوغ عصر فني رائع، كانت نجمته الاولى وما برحت، والقاهرة تعيش حتى اليوم على أمجاده الغابرة.

من يومها لم يغادر الشاعر رامي المقعد الامامي في حفلات مطربة العرب الاولى، ومنذ ذلك اليوم اقترن اسم رامي باسم هذه المطربة، وصار شاعرها الاول، ورفيق دربها وعاشقها الذي يطوي خافقه على قصة غرام تعد إحدى أجمل وأرقى قصص الحب في القرن المنصرم، هو حب من طرف واحد، لكنه اثرى الفن والشعر والادب بكنز من القصائد رددتها تلك المطربة المعجزة، ليرددها معها وبعدها مئات ملايين العرب خلال أكثر من قرن.

في ذلك اليوم المشهود كانت أم كلثوم تغني بصوتها الساحر إحدى قصائد رامي وكان اللحن للموسيقار الشيخ أبو العلا محمد استاذ أم كلثوم ومعلمها الاكبر الذي لم تنس فضله يوماً لأنه كان أحد أبرز الذين أخذوا بيدها وأطلقوها نحو الأعالي.

كانت أم كلثوم تغني لشاعرنا قصيدة يقول فيها:

الحب تفضحه عيونه

وتنم عن وجد شؤونه

إنا تكتمنا الهوى

والداء اقتله دفينه

منذ هاتيك الساعة المباركة انفتحت الآفاق امام قصة حب..وفتحاً مبيناً في عالم الفن، اذ انصرف رامي الى التعبد في محراب هوى ثومه كما كان يسميها تحبباً وتودداً، ولينذر شاعريته وفيض خاطره وأجود ما فاضت به قريحته لهذه النجمة الغازية للتو سماء القاهرة.

يقول الكاتب والناقد المصري المعروف رجاء نقاش في كتابه أجمل قصص الحب من الشرق والغرب: هذه القصة (قصة حب رامي لأم كلثوم) هي صاحبة الفضل الاكبر في الاغاني الرائعة التي كتبها رامي لأم كلثوم، والتي بلغ عددها 137 أغنية من بين 283 اغنية غنتها في حياتها الفنية الخصبة الطويلة، ان رامي وحده كتب لها ما يقرب من نصف أغنياتها التي تغنت بها خلال ما يزيد على خمسين عاماً من الغناء الجميل.

واللافت أن كل الأغاني والقصائد التي كتبها رامي لأم كلثوم تدور أغلبيتها حول الحب والوجد وما ينطوي عليه من عواطف متنوعة تمتزج فيها اللهفة واللقاء والفرحة بالوصال، وفيها ايضاً خليط من مشاعر الحزن والقلق والشك وفيها الأمل والإقبال احياناً وفيها الصد واليأس احياناً اخرى.

لم يكن هذا النتاج الضخم والكنز الادبي الرفيع، وما كانت هذه الحرارة والنضارة في القصائد المغناة لتكون بالاصل لولا انها صادرة من قلب شاعر نذر شاعريته من اجل حبيبته وملهمته أم كلثوم، وكتبها قبل كل شيء تعبيراً عن حبه لها وتعلقه بها، وصدرت عن فؤاد أضناه اشتعال العشق فيه.

وعبر الناقد الادبي الكبير الدكتور محمد مندور عن هذا الواقع خير تعبير عندما كتب: ان قصة رامي وأم كلثوم، وما قاله فيها من شعر فريد في تاريخ الادب هي قصة تحسبها اقرب الى الاساطير منها الى تجارب الحياة.

ويعقب الكاتب النقاش على قول زميله مندور فيقول: نعم ان قصة رامي وأم كلثوم اشبه بالاساطير ولكنها مع ذلك قصة واقعية حية، وهي مثال نادر للحب العذري الطاهر العفيف، فقد احب رامي مصدر الهامه أم كلثوم وملأ عليه هذا الحب قلبه وكل حياته.

وحسب اكثر من رواية فإن رامي عاش بعد أم كلثوم 6 أعوام (توفيت هي عام 1975) ورغم انه كان في الثالثة والثمانين من عمره إلا انه اصيب بحالة اكتئاب شديدة، ورفض ان يحمل القلم ليكتب أي شيء بعدها.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح وامام قصة العشق الفريدة هذه التي يكنها انسان مرهف الاحاسيس ورفيع الشاعرية كأحمد رامي لفنانة عظيمة القدر والسيرة كأم كلثوم، هو: هل كانت هي تبادله هذا النوع من الحب او شيئاً منه؟

في المسلسل التلفزيوني الشهير الذي عرض في رمضان عام 1999 وذاع صيته في الآفاق بعدما نجح نجاحاً منقطع النظير، بدا واضحاً ان أم كلثوم كانت تطوي في صدرها مشاعر خاصة لرامي ولكنها مشاعر اقرب ما تكون الى الشفقة منها الى الحب الذي ملأ قلب رامي حتى الثمالة، وملأ عليه كل حياته.

فالمسلسل المذكور يصور رامي شاباً بالغ الهدوء والرقة، لا يترك مناسبة الا ويشكو فيها لمعارفه الملحنين وخصوصاً للملحن المشهور محمد القصبجي صدود المحبوبة وظلم الزمن. ويصوره رافضاً الاستجابة لإلحاح شقيقتيه عليه بالزواج.

وحسب اغلب المراجع فإن رامي انتظر لأعوام عدة، ان تقبل أم كلثوم الزواج منه، لكن انتظاره طال.

وثمة اختلاف وتباين في الأمر، فبعض مؤرخي سيرة هذا الشاعر، زعموا ان أم كلثوم اعطته اكثر من مؤشر ورسالة مضمرة على انها لا ترفض من حيث المبدأ ربط حياتها بحياته، كما ارتبط مجدها الفني بمجده الشعري، لكنها تراجعت ونكصت عندما جد الجد، فهي كانت تهوى ان تجمع حولها وفي حضرتها المعجبين والمحبين، وتخشى تفرقهم من حولها اذا ما واجهتهم بالحقيقة الصعبة.

ويقول الكاتب النقاش عن هذا الامر: كان رامي عندها (أم كلثوم) عزيزاً جداً. ولم تكن تستطيع ان تستغني عنه ابداً، فهو الذي يقدم اليها اجمل واعذب ما تغنيه وتسحر به الناس، ولكن أم كلثوم، فيما يبدو، لم تكن تحمل لرامي الحب نفسه الذي يملأ قلبه، وعندما سئلت يوماً لماذا لا تتزوج من رامي ما دامت العلاقة بينهما كانت قوية الى هذا الحد؟ اجابت: ان رامي لا يصلح زوجاً لي، فما يربطني به هو نفس ما يربطني بأخي خالد من احاسيس ومشاعر وانا لا استطيع ان اتزوج اخي.

وعندما تناهى هذا الكلام القاطع الى مسامع رامي ايقن ان آماله تحطمت وتهاوى من شاهق حلم حياته بالارتباط الكامل بأم كلثوم لجأ الى تسوية غريبة مع نفسه المألومة، والى حل عجيب مع ذاته النازفة فتزوج زواجاً تقليدياً من احدى قريباته، لكنه حرص كل الحرص على ابقاء جذوة حبه العذري لأم كلثوم متقدة، متوهجة في فؤاده، فوفر بذلك شبكة امان لحياته اذ استقر عائلياً، لكنه واصل رحلة عطائه الشعري ورحلة إبداعه من خلال الاغاني الرائعة التي كتبها.

وقد لاحظ النقاد ان معظم القصائد التي كتبها بعد ذلك لأم كلثوم كانت تنضح بالأسى وتعبر عن انكساره العاطفي، ومن ذلك ما كتبه في هذه الابيات:

اصون كرامتي من قبل حبي

فإن النفس عندي فوق قلبي

رضيت هواها فيما تقاسي

وما اذلالها في الحب دأبي

وما هانت لغيرك في هواها

ولا ذلت لغيرك في التصبي

واذا كان البعض يرى ان أم كلثوم كانت ظالمة بحق عاشق لها بهذا المستوى، فإن هناك من اطلع على خبايا حياة هذه الانسانة الكبرى، يقول ان القدر ظلمها هي قبلاً، فهي حرمت الاقتران برجال احبتهم حقيقة من قلبها، وتزوجت ثلاث مرات، اثنتان منهما علانية وثالثة بقيت موضع شك وكتمان حتى اليوم. وفي كل الاحوال رحل الكبيران رامي وأم كلثوم ولكنهما تركا لنا ولصفحات التاريخ اجمل قصة حب واجمل كنز فني من القصائد العابقة بالوجد والمغناة على نار الوجد.

100 أغنية لأم كلثوم

بعض القصائد التي كتبها أحمد رامي وغنتها أم كلثوم والتي يصل عددها إلى أكثر من مائة أغنية منها:

إفرح يا قلبي، سهران لوحدي، النوم يداعب، أول ما شفتك حبيتك، غنى الربيع، فاكر لما كنت جنبي، يا ليلة العيد، هجرتك، انت الحب، ح أقابله بكره، الغيرة، غلبت اصالح، هلت ليالي القمر، كيف مرت على هواك القلوب، على بلد المحبوب وديني، يا ظالمني، يا مسهرني، رباعيات الخيام، حيرت قلبي معاك، عودت عيني على رؤياك.

كما أسهم في ثلاثين فيلماً سينمائيا إما بالتأليف أو بالأغاني أو بالحوار، من أهمها نشيد الأمل، الوردة البيضاء، دموع الحب، يحيا الحب، عايدة، دنانير، وداد.