الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
تؤهل المدن الساحلية أبناءها لأن يكونوا بحارة، وهكذا كانت خورفكان تلك المدينة النائمة على البحر تضع شاطئها وبحرها تحت تصرف أبنائها، ليذهبوا بعيدا في رحلة الصيد والمغامرة، ويعودوا بالرزق والحكايات الجميلة، ذلك هو حال المرحوم أحمد صالح الهمش، ابن خورفكان الذي انخرط في مغامرة البحر منذ كان فتى يافعا مفعما بالحماس للعمل، وكانت تجربته في البحر من أخص التجارب حيث وصف في جانب منها الظروف القاسية التي كان يكابدها البحارة، فرغم أن مهنة الغواص كانت رائجة، وكانت تدر على أصحابها من الرزق ما يقيمون به حياة أهلهم، وهي وسيلة الرزق الرئيسية لدى أبناء الساحل، إلا أن البحارة كانوا في قبضة النواخذة الذين يستبدون ويتغطرسون عليهم في بعض الأحيان، فالبحار يظل طول عمره مدينا بمال للنوخذة، وهو لذلك لا يستطيع ترك العمل له .
وصف الهمش كيف كان النواخذة يفرضون على البحار العمل في أصعب الظروف، وربما أرغموه على ذلك وهو مريض، كما وصف حوادث الموت، وكيف كانوا يضطرون لأن يتخلصوا من أمواتهم بأن يكفنوهم ويصلوا عليهم، ثم يرموهم في البحر، فيكونون لقمة سائغة للحوت، وذلك حين يكون الصيادون في أعالي البحار بعيدين بأيام عن اليابسة، فيكون الاحتفاظ بالجثة مستحيلاً لأنها ستتحلل وتعفن أجواء السفينة .
وتطرق المرحوم في مروياته إلى لصوص البحر، وكيف كانوا يتربصون بالسفن والبحارة ليجدوا منهم غفلة فينهبوا ما لديهم، وذكر أنهم في إحدى المرات كانوا قريبين من إحدى الجزر عندما توفي أحد البحارة، فلجأوا إلى الجزيرة ليدفنوه فيها، وعندما تركوا المكان جاء لصوص تلك الجزيرة فنبشوا القبر وهم يظنون أن ذلك المدفون هو كنز ثمين أراد البحارة إخفاءه، حتى يرجعوا إليه في طريق عودتهم، ووصف الهمش أيضاً كان يستبد بالبحارة من حنين وشوق إلى أسرهم وأبنائهم، وقلق عليهم وقد خلفوهم وراءهم عرضة للمرض والجوع، وكانت تلك الهواجس تقض مضاجع الكثيرين منهم، وتؤلم أرواحهم، ولا تبرح إلا حين تلوح لهم بيوتات الحي من بعيد في نهاية رحلة العودة الطويلة .
في حكايات أحمد صالح الهمش تصوير أمين لحياة البحارة بكل جوانبها الإيجابية والسلبية، وتظهر كيف كان أولئك الرجال مسلحين بالإصرار والعزيمة على تكبد المشاق والمخاطر من أجل لقمة العيش الحلال، ولكي يعيلوا أسرهم ويربوا أبناءهم، ولم يمنعهم من مواصلة عملهم جور الربابنة ولا قسوة البحر، وحوادث الموت والإصابات البالغة التي قد تصيب أحدهم فتختطفه من بين زملائه، أو تقعده في "الفريج" عاجزاً أسيفاً، بتلك العزيمة شقوا طريقهم، وصنعوا حياتهم، وحافظوا على تماسك مجتمعهم، ليتركوا لنا عبرة بأن الحياة هي جهاد مستمر، وعطاء متواصل، لا ينبغي أن يتوقف مهما كانت العوائق، ومهما وقفت في وجه الإنسان العقبات .
استفاد الهمش من عمله المبكر في البحر خبرة بالأمراض التي تصيب البحارة والغواصين أثناء موسم الغوص ومعرفة بأسبابها وطرق علاجها، وقد كان البحارة يلجأون إليه ليداويهم ويصف لهم طرق العلاج، وكان لديه لكل من تلك الأمراض دواء .
لم يقض الهمش حياته المهنية بحارا، لكنه تحول إلى مهنة مرتبطة بالبحر وهي صناعة السفن، فتخصص فيها وأجاد فنونها، وقد ترك في مروياته وصفاً دقيقاً لتلك المهنة، وعادات صناعها، وأنواع السفن التي كانت تصنع في ذلك الزمن، والمواد الخام التي تصنع منها ما يُشكّل تراثاً مروياً مفيداً للباحثين الذين يتناولون تاريخ المجتمع والمهن السائدة فيه، ومن أنواع السفن التي تحدث عنها سفينة (الجالبوت) وهي من سفن الغوص مقدمتها زاويه قائمة ومؤخرتها شبه مربع، و(الشوعي) وأحجامها كثيرة، فمنها ما هو بحجم القارب الصغير، ويستخدم لصيد السمك قرب السواحل، ومنها ما يكون كبيراً يصلح للصيد البعيد، وسفينة (البتيل)، وهي من أقدم سفن الغوص، و(البوم) وهي نوع من السفن الشراعيه حاد المقدمة والمؤخرة ويستخدم الصغير منها في الغوص، والكبير في رحلات التجارة، وهناك أنواع أخرى كثيرة .