القاهرة: «الخليج»

يعتبر الشاعر أحمد طه أقل أبناء جيله إنتاجاً، قياساً على الكم، فمنجزه الشعري لا يتعدى أربعة دواوين، وقد أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب في مجلد واحد بعنوان: «ديوان أحمد طه». وعلى الرغم من هذا فإن الشاعر يظل أكثر أبناء جيله اجتراحاً لآفاق جديدة ومختلفة في القصيدة، إضافة إلى محاولاته الدائمة لاحتضان التجارب الجديدة المغايرة للأجيال الأحدث، وذلك من خلال تركيزه على إصدار مجلة «الجراد» التي نشرت أغلب نتاجات أبناء جيل التسعينيات في قصيدة النثر المصرية.

إذا ما طالبت أحمد طه بالحديث عن نفسه فإنه يقول: «أنا واحد من الذين نشأوا وتربوا فكرياً في الخمسينات والستينات. نشأت في أسرة فقيرة وسط أطفال عديدين، وقبل حرب 1973 كنت مجنداً في الجيش المصري، وخرجت منه عام 1975، وفي أوائل السبعينات بدأ نشاطي الأدبي مع المجموعة التي كانت تسكن بالمصادفة بجوار بعضها بعضاً؛ أي أن العلاقة التي كانت تجمعني بهؤلاء علاقة جوار، أكثر منها علاقة اتفاق أو اختلاف حول أمور ثقافية معينة».
بدأ أحمد طه في تأسيس ندوة أسبوعية، تعقد كل يوم خميس، واستمر انعقاد هذه الندوة لمدة 15 عاماً، وكان الروائي صنع الله إبراهيم، هو آخر من استضافتهم تلك الندوة، قبل أن تغلق أبوابها، لكن الأهم في هذه الندوات أن الشاعر أحمد طه تعرف خلالها إلى كثير من أبناء جيله (السبعينات)، وكلهم كانوا يعيشون على أطراف القاهرة الفقيرة في ذلك الوقت.
تعرف أحمد طه إلى عبد المنعم رمضان، ومحمد سليمان، وعبد المقصود عبد الكريم، وغيرهم، وقرروا تشكيل جماعة أدبية باسم «أصوات» كانت أشبه بالورشة الأدبية، ومن خلالها صدرت عدة كتب لأعضاء الجماعة. أما عن علاقته هو بالشعر فقد بدأت بتقليد الكبار الذين كان يقرأ لهم في كتب الدراسة.
يقول طه: «بعد أن كبرت قليلاً وعرفت الوزن، بدأت أكتب شعراً أقرب إلى الرومانتيكيين الذين كانت مدرستهم سائدة في مصر قبل الحرب العالمية الثانية، وكانت القصائد تنتمي إلى الشعر العمودي، لكنها كانت مجزوءات صغيرة، و أول قصيدة كتبتها بنظام التفعيلة كانت عام 1973. وأعتقد أن التأثير بين أبناء الجيل الواحد أكبر بكثير من التأثر بالماضي، أو بالجيل السابق؛ لأن الشعراء في الجيل الواحد أكثر قرباً من بعضهم بعضاً».
يفسر طه هذا التأثر موضحاً: «لأننا نجلس معاً أكثر مما نجلس مع الماضي، أو مع الذين سبقونا»، وفي ذلك الوقت فإن أحمد طه حاول أن يلعب لعبة اختراق البلاغة من داخلها، ومع ذلك لم يستطع أن يتخلص منها مع أنه كان يكرهها ويرفضها نظرياً، لكنه أثناء الممارسة العملية كان يقع دائماً تحت هيمنتها، ففي ديوانه «الطاولة 48» كان يحاول دائماً أن يخترق البلاغة القديمة من خلال قوانينها، فنحن نتعامل مع القانون البلاغي ونفس التقنية التفعيلية، لكننا نحاول تفتيت الصورة التي اصطلح على اعتبارها صورة أدبية.
يقول: «وبعد أن فكرت مع نفسي، وجدت أن هذا الطريق بالنسبة لي لا يؤدي إلى ما أطمح إليه. عقلي يرفض هذه البلاغة تماماً، لكن مشاعري وثقافتي مرتبطان بها، فتوقفت حوالي عامين لأفكر في شكل شعري، وكنت أكتب تجارب شعرية لنفسي وأمزّقها».
قبل أن يذهب أحمد طه إلى أمريكا عام 1988 بدأ يكتب الشكل الذي اختاره، وكان يشعر دائماً بأن قارئاً مهيمناً يكتب معه القصيدة، فعندما يكتب يفكر دائماً في المحيطين به وردة فعلهم. يكون هذا في اللاوعي، فقد كان يتوجس من هذه التجربة ولهذا ترك قصائده قبل أن يسافر إلى أمريكا.
يقول: «أمريكا تختلف عن أوروبا، وعندما تسافر إلى هناك ربما تشعر بأنك وقعت في حفرة، المجتمع هناك لا علاقة له بمجتمعنا على الإطلاق، ولا أحد تستطيع أن تتكلم معه كما تعودت، وإذا التقيت مصرياً أو عربياً فهم يتكلمون في أشياء لا تخصك على الإطلاق، وقد عشت في عزلة لحوالي عامين، كانت لديّ علاقة فقط بمكتبة شيكاجو، قسم الشرق الأوسط، وهو القسم العربي، وليس لي علاقة تقريباً بناس يتحدثون لغتي، لدرجة أنني أحياناً كنت أحرّك لساني، لمجرد أنني أشعر بأنه توقف».
وفي ذلك الوقت بدأ أحمد طه يكتب بجرأة شديدة ديوانه «إمبراطورية الحوائط»، وكان يرسل إلى الأصدقاء تلك القصائد، ويتساءل: لماذا كتبت تلك القصائد هناك في أمريكا؟ ويجيب: «ربما لو لم أسافر كنت ترددت قبل أن أكتب، هناك أحسست بشجاعة أكبر، ليس هناك أحد أقرأ عليه القصيدة وأتوجس من رأيه. هناك أحسست بأنني حر تماماً لدرجة الضياع، ليس هناك جمهور ضمني في عقلي أكتب له، هناك أكتب لنفسي فقط».
كان لقاء أحمد طه بأنور كامل، أحد مؤسسي جماعة الخبز والحرية في أربعينات القرن الماضي، محطة مهمة، فقد كان الرجل بالنسبة له يمثل عصراً لم يره، ومن أمريكا أرسل إليه قصائد، «31 ديسمبر» و«أرابيسك»، وقصائد أخرى عن شبرا وطفولته. لكن لماذا عادت شبرا إليه، فهي لم تكن هماً شعرياً على الإطلاق، ولم يكتب عنها أبداً، كأن شيئاً يملأ رأسه لا يستطيع إفراغه، هو يقول: «عندما تكون في مكان ما هناك (يقصد أمريكا) تجد أن الماضي الحميم يعيش معك طوال الوقت، وكأن شريكاً من حياتك قد انتهى وتسعى لاستعادته. كنت أعيش على سطح البيت في شبرا، وكنا نعقد ندواتنا فيه، وكان هذا هو عالمي لأنني أعيش بلا عالم (حين كان في أمريكا) ولهذا ظهر هذا العالم عندي لأول مرة في القصائد الخالية من البلاغة، التي حاولت أن تكون تلقائية، بحيث إنني كنت أكتب من اللغة العادية التي تقترب من لغة النثر، أو لغة الكلام».
ويشير طه إلى أنه: «عندما مات أنور كامل كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، وربما لو مات وأنا هنا (في مصر) لما كان هذا التأثير الذي شعرت به، وأنا شخصياً عاصرت الموت وشهدته كثيراً في حياتي، لكن موت أنور كامل لم يكن موتاً؛ بل فقداناً لعصر. أعتقد أن هذا الرجل كان يمثل ربطاً بيننا وبين هذا العصر، ولذلك كتبت قصائد كثيرة، ظللت أكتب لمدة ستة أشهر بشكل محموم، واخترت من هذا القصائد بعضها لينشر، ومنها «بورتريه نهائي لأنور كامل».