قال تعالى: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء * وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (إبراهيم: 42 44).
مما بيناه في المقالة السابقة إيضاح المقصود بالظلم في الآية الكريمة، وقلنا إن المراد بالظالمين جنس الظالمين ويندرج تحتهم كفار مكة.
وقد وصف الله تعالى حال الظالمين في ذلك اليوم العظيم فذكر لهم خمسة أحوال مهولة شديدة هي:
الحالة الأولى: مذكورة في قوله تعالى: ليوم تشخص فيه الأبصار ويعني أن العيون لا تطرف من شدة الأهوال التي تراها في ذلك اليوم، فإغماض العين قد يكون علامة للاطمئنان، أما يوم القيامة فلا سبيل لذلك، حيث تكون الأعين مفتوحة متسعة الأحداق بسبب ما تراه من أهوال. وهذا الوصف للأبصار يشمل أهل الموقف جميعاً فيدخل في زمرتهم الظالمون، وبناء عليه فإن أل في قوله الأبصار للعموم وليست للعهد، وإن كان هذا هو الظاهر والمناسب لما بعده، لأن اعتبارها للعموم أدخل في باب التهديد والله أعلم.
يقال: شخص البصر، أي أحد ولم يستقر مكانه، وهو مأخوذ من قولهم: شخص الرجل من بلده إذا خرج منه ولم يستقر فيه. والشخص: سواد الإنسان القائم المرئي من بعيد، وهذا يعني عدم التثبت والتحقق من هذا الإنسان المرئي من بعيد. وهكذا رأيت الارتباط بين الأصل اللغوي للكلمة وبين المراد بها أي وما استعملت فيه.
وشخوص البصر فيه دلالة على فرط الحيرة والدهشة.
هلع وذل
الحالة الثانية: مهطعين أي مسرعين في ذل وخوف وهلع كإسراع الخائف والأسير، مأخوذ من أهطع يهطع إهطاعاً إذا أسرع، ومنه قوله تعالى: مهطعين الى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (القمر: 8)، وقيل: المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع، والمعنى: ناظرين من غير أن يطرفوا، قال ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك: مهطعين أي مديمي النظر. وقيل: الاهطاع مد العنق، إن هؤلاء الظالمين المتكبرين الذين كانوا يسيرون في الأرض مرحاً، ويملأونها جوراً يسيرون في ذلك اليوم العظيم أذلاء مذعورين نحو ذلك البلاء مجيبين لأول داع من دون تلكؤ أو تردد لأنهم لا يملكون إلا الإجابة.
الحالة الثالثة: مقنعي رؤوسهم أي رافعيها ينظرون في ذل وصغار، وإقناع الرأس رفعه. وقيل: إن الكلمة مهطع من الأضداد فيكون بمعنى رفع رأسه وطأطأها ذلة وخضوعاً، والآية الكريمة تحتمل الوجهين.
والرؤوس جمع كثرة لرأس، وجمع القلة أرؤس، والرأس مؤنث.
الحالة الرابعة: لا يرتد إليهم طرفهم والطرف: الجفن، يقال: ما طبق طرفه، أي جفنه على الآخر، ويطلق أيضاً على العين، قال عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
والآية فيها تصريح بدوام شخوص أبصارهم حيث تبقى أعينهم دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما أصابها من الهول. فهؤلاء الظالمون لا يستطيعون تحريك جفونهم وهذا كناية عن بقاء العين مفتوحة على حالها لشدة هول ما يشاهدونه.
أو أن أبصارهم قد استغرقتها الأهوال التي تراها فهي فزعة هلعة، قد سمرت أعينهم فيما ترى من عذاب ذلك الهول الأعظم، فلا ترجع إليهم، ولا تعود تحت سيطرتهم، وهذا هو المراد بعدم ارتداد الطرف. ووحد الطرف، لأنهم يكونون في هيئة العين قريباً من السواء، فكل العيون تبدو شاخصة وعلى هيئة واحدة، ولذا كان من الملائم إيثار المفرد على الجمع.
وبنظرة أخرى في هذه الآية نلحظ أنه عبر عن دهشة وهلع الظالمين يوم القيامة من خلال تكاثف الأحوال التي تكشف عن هيئتهم يوم القيامة، فقوله: مهطعين مقنعي رؤوسهم. حالان من المضاف المحذوف، إذ التقدير: أصحاب الأبصار، أو تكون الأبصار دلت على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه كما قال أبو البقاء.
وجملة لا يرتد إليهم طرفهم في موضع الحال أيضاً من الضمير في مقنعي رؤوسهم ويجوز أن تكون مستأنفة.
وقد جاءت هذه الأحوال الثلاثة كنايات عن الذل وشدة الهلع والوله.
حرف الاختصاص
أرأيت الآن كيف عُبر عن أحوالهم تلك من خلال تلك الكلمات الواصفة؟
ثم تأمل معي سر تعدية الفعل نؤخر باللام دون الى في قوله تعالى: إنما نؤخرهم ليوم حيث كان الظاهر أن يقال: إنما نؤخرهم الى يوم.
فلماذا أوثر حرف الاختصاص اللام على حرف الانتهاء الى في هذه الآية الكريمة؟
ولم أجد في كتب التفسير إجابة عن هذا السؤال فضلاً عن إثارته أصلاً، وقد حاولت جهدي أن أصل الى غرض النظم الحكيم من خلال إيثار حرف اللام، فهداني الله الى أن الغرض هو بيان أن ما يقع لهم من أهوال، وما يعتريهم من أوصاف وأحوال إنما هو كائن في ذلك اليوم المهول ومختص به، وهذا المعنى يناسبه حرف الاختصاص اللام. ولو قيل: إلى يوم.. لأشعر بأن الغرض من الكلام هو بيان انتهاء الغاية والمقصد من تأخيرهم، ونهاية رحلة هذا التأخير، والمعنى الأول المدلول عليه باللام هو المراد، لأنه الملائم لمقام تهديد الظالمين ووعيدهم، والله أعلم بمراده وأعوذ به من الزلل.
ومن الملحوظ أيضاً في هذا الموضع تكرر تقدم الجار والمجرور على الفاعل، حيث جاء في قوله تعالى: ليوم تشخص فيه الأبصار، وقوله تعالى: لا يرتد إليهم طرفهم وتقديم الجار والمجرور على الفاعل في الموضع الأول لاعتبار أهمية المتقدم، فالغرض بيان الوقت أو الزمن الذي تشخص فيه أبصارهم، ولذا تقدم الجار والمجرور فيه للدلالة على هذا المقصد.
أما الغرض من تقديم الجار والمجرور على الفاعل في الموضع الثاني فهو بيان عدم سيطرتهم على عيونهم التي سمرت من هول ما تشاهده، وعدم تحكمهم فيها حيث ملكتها تلك المرائي المفزعة، ولم يعد لهم عليها من سلطان فيستطيعون تحويلها عما تراه أو إغماض جفونها، وهذا المعنى ناسبه تقديم الجار والمجرور إليهم على الفاعل طرفهم، ولو قيل: لا يرتد طرفهم إليهم لفقد الغرض المذكور، حيث سيصبح الغرض بيان شخوص أبصارهم أولاً، وعدم ارتدادها إليهم ثانية، ولكن المراد العكس، ولذا كان تقديم الجار والمجرور والله أعلى وأعلم.
غياب الوعي
الحالة الخامسة: وأفئدتهم هواء أي أن أفئدتهم قد فرغت من أسباب الاطمئنان والأمن، وامتلأت بأسباب الهموم والخوف، أو أن أفئدتهم لا تدرك شيئاً ولا تعيه من شدة الخوف والهلع، فهو كقوله تعالى: فأصبح فؤاد أم موسى فارغا (القصص: 10) أي أنه فرغ من الوعي والإدراك ولم يبق إلا موسى والخوف عليه. والفؤاد مفرد أفئدة، وهو العضو الذي من شأنه ان يُحمى بالغضب. وفي القاموس المحيط: التفؤد: التحرق والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب.
والهواء في اللغة: المجوف الخالي الذي لم تشغله الأجرام، ومنه قيل للجبان والأحمق: قلبه هواء، أي لا قوة ولا رأي فيه، والمعنى أن قلوبهم خالية من العقل والفهم لفرط حيرتهم وذهولهم وولههم وفزعهم. والجملة وأفئدتهم هواء إما حالية وإما استئنافية وأفرد هواء وهو خبر لجمع أفئدتهم، لأن معنى هواء هنا فارغة ولو لم يقصد ذلك لقيل، أهوية، ليطابق الخبر مبتدأه، فلما كان هواء بمعنى فارغة أفرد كما يجوز إفراد فارغة، لأن تاء التأنيث تدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم ومثله قولنا: أحوال صعبة، وأحوال فاسدة، حيث جاء الخبر مفرداً ومبتدأه جمعاً.
وقوله وأفئدتهم هواء تشبيه بليغ، ووجه الشبه إما فراغها من الرجاء والطمع والرحمة، وإما خلوها من الإدراك لشدة الهول.
وهكذا رأينا كيف تضافرت تلك الأحوال في تصوير ذل الظالمين وانكسارهم وفزعهم، وامتلاء قلوبهم بالخوف والرهبة، (فالسرعة المهرولة المدفوعة، في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة، مع القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي، ومن كل إدراك، كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار. هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك).
وأرجو ألا أشطط إن قلت إنني لمحت تلك الأحوال المذكورة لهؤلاء الظالمين بجانب ما ذكر في رسم الكلمات وهيئتها، نعم انك لو دققت النظر في معظم كلمات الآيتين الكريمتين تلحظ شيئاً عجيباً ألا وهو أن معظم تلك الكلمات لم تجئ حروفها قائمة وإنما هي ملقاة على السطر أو تحته، وكأنها تشي بجانب تكرار حروف اللين والسكون وتوالي الكسرات بحالة الذهول والسكون والهول والانكسار الذي اعترى هؤلاء الظالمين، وعد الآن وانظر ثانية الى هيئة تلك الكلمات يؤخرهم، تشخص، مهطعين، مقنعي، رؤوسهم، طرفهم، أفئدتهم، وتأمل شكلها ومدودها وسكناتها وكسراتها وما أشاعه كل ذلك من معنى الخمود والسكون والانهزام، وتأمل كيف تجاوب هذا كله مع مدلول صياغة الآيات الكريمة وبيانها، ثم تأمل كيف تجاوب المد بالألف الساكن في كلمة الأبصار في الدلالة على ارتفاع الأبصار يومئذ وشخوصها.
ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينذر الناس بهذا اليوم العظيم، فقال: وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا الى أجل قريب.. والمعنى: وأنذر يا محمد الناس جميعاً يوم يأتيهم العذاب فيقول الظالمون هلعاً وجزعاً: ربنا أرجعنا الى الدنيا وأعطنا مهلة قليلة نجب فيها دعوتك الى التوحيد، وإخلاص العبادة لك، ونطيع فيها الرسل. وفي المقالة القادمة إن شاء الله نتأمل بيان هذه الآية وغيرها. والله أعلم بمراده، والحمد لله رب العالمين.
أبصار شاخصة
قوله تعالى: ليوم تشخص فيه الأبصار يعني أن العيون لا تطرف من شدة الأهوال التي تراها في ذلك اليوم، فإغماض العين قد يكون علامة للاطمئنان، أما يوم القيامة فلا سبيل لذلك، حيث تكون الأعين مفتوحة متسعة الأحداق بسبب ما تراه من أهوال. وهذا الوصف للأبصار يشمل أهل الموقف جميعاً فيدخل في زمرتهم الظالمون، وبناء عليه فإن أل في قوله الأبصار للعموم وليست للعهد. يقال: شخص البصر، أي أحد ولم يستقر مكانه، وهو مأخوذ من قولهم: شخص الرجل من بلده إذا خرج منه ولم يستقر فيه. والشخص: سواد الإنسان القائم المرئي من بعيد، وهذا يعني عدم التثبت والتحقق من هذا الإنسان المرئي من بعيد.