اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بمنظومة القيم والأخلاق لكي تسود علاقات الناس كل المعاني الإنسانية الرفيعة وتنتظم العلاقات بينهم على أسس ومبادئ تيسر لهم سبل الحياة وتسهم في تحقيق أهدافهم في حياة يسودها الأمن والاستقرار والإخاء الإنساني. من هنا فإن قيم الإسلام وأخلاقياته تجسد كل صور التسامح في العلاقات الإنسانية بين الناس بصرف النظر عما بينهم من فوارق واختلافات دينية واجتماعية واقتصادية، فالعلاقة بين الإنسان والإنسان في ظل منظومة الإسلام الأخلاقية ينبغي أن يسودها الاحترام المتبادل.
يقول د. أسامة العبد الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر ورئيس لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان المصري: إذا كان رقي الأمم يقاس بما بين أفرادها من علاقات إنسانية يسودها الاحترام المتبادل، وتسامحهم مع المخالفين لهم في الدين أو العرق أو اللون، فإن الإسلام يكون قد أقام أرقى وأعظم أمة في التاريخ بمنظومة القيم الرفيعة التي أرساها ومنها احترام الآخر، والتعامل معه بإنسانية سواء أكان ضيفاً أو من أبناء الوطن، وقيمة الاحترام تعني التعامل معه بلياقة وأدب، والإنصات إليه عندما يتحدث والرد على تساؤلاته عندما يسأل، ومساعدته عندما يطلب المساعدة، وعدم محاسبته على هفواته الشخصية غير المقصودة، والتفاني في خدمته وتقديم كل عون له. وإذا كان هذا الأسلوب المتحضر في التعامل قد اختفى من حياة بعض المسلمين، فهذا يرجع إلى إهمال هذا البعض لقيم وأخلاقيات دينهم، وأسلوب التربية الخاطئ الذي نشأوا عليه في بيوتهم.

فضيلة الإيثار

ومن القيم الإسلامية الرفيعة التي يدعمها الإسلام قيمة «الإيثار» فلا يكفي أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه.. بل هو مطالب إسلامياً بأن يرتقي بأخلاقه ويسمو بسلوكه إلى أن يؤثر أخاه على نفسه، وعندئذ ترتقي شخصيته الإيمانية، ويستشعر عظمة الإسلام في كل كيانه، وهذا السلوك الراقي، والشعور النبيل، من شأنه أن يمد صاحبه - كما يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- بقوة روحية عالية، ويجلب له رضا الله عز وجل، ورضا وقبول واستحسان الناس.. لذلك يحارب الإسلام رذيلة «الأنانية» ويحذر من سيطرتها على نفوس وسلوك الناس لأنها تعد كارثة اجتماعية تفسد علاقات الناس بعضهم ببعض.
ويؤكد د. هاشم أن التربية الإسلامية للأبناء منذ الصغر تشكل تصرفاتهم، وترسم العلاقة بينهم وبين الآخرين، وتلعب القدوة الطيبة هنا دوراً كبيراً في ضبط سلوك الصغار، فلو كان الآباء والأمهات والإخوة الكبار يلتزمون بالسلوكيات والأخلاق الإسلامية، ويحرصون على تقديم المساعدة للآخرين فسوف ينشأ الصغار على ذلك.
ويقول: واجبنا أن نعلم أبناءنا أن الإسلام دين تعاون وتعاطف وتواصل يدعو أتباعه إلى معاونة بعضهم بعضاً، وأن إنصاف كل واحد لأخيه، واستجابته لندائه، وإغاثته للهفته، وتفريجه لكربته، واجب عليه.. فالإسلام يربط بين المسلمين جميعاً برباط وثيق، وأخوة الإسلام تفرض على كل إنسان أن يقدم المساعدة لكل من يطلبها.
ويذكرنا د. هاشم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». والتوجيه النبوي الكريم يؤكد لنا أن الأنانية لن توفر للإنسان الحياة الآمنة التي يتطلع إليها، وأن الحرص على المصالح، والتمسك بالحقوق فقط دون الوفاء بالواجبات يقطع الصلة بالآخرين، فالإنسان لن يستطيع أن يحقق لنفسه السعادة والاستقرار بما لديه من أموال أو ممتلكات، بل السعادة الحقيقية تكون بحب الناس ومساعدتهم، والتواصل معهم، وقضاء حوائجهم ما دام ذلك في مقدور الإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية فضائل الإسلام والتي تعلم الكبار والصغار كيف يحبون الخير لإخوانهم، وكيف يسعون بإخلاص في قضاء حوائجهم حتى يتكفل بهم خالقهم ويكون في حاجتهم، إذا دعوه أجابهم، وإذا استغاثوا به أغاثهم، وإذا احتاجوا إلى عون أو مساعدة كان الله في عونهم.
الإسلام يعلمنا أن مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان واجب عليه وليست منحة يقدمها له أو يتفضل عليه بها.

الثناء الجميل

ويعود د. العبد ليحدثنا عن قيمة إسلامية رفيعة يحرص الإسلام على أن يتخلق بها المسلم وفاء لحق الله عز وجل، واعترافاً بفضل أصحاب الفضل من الناس. وهي قيمة (الشكر)، حيث تلعب هذه القيمة العظيمة دوراً كبيراً في توثيق العلاقة بين الناس، فالشكر هو المجازاة على المعروف، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، وهو يعني الاعتراف بالفضل لأهل الفضل، والثناء على المحسن بذكر إحسانه.. ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يربط بين شكر الناس وشكر الله فيقول في الحديث الشريف: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، فهذا الحديث يوضح لنا أن قيمة الشكر لها منزلة كبيرة وأهمية بالغة لدرجة أنها إذا لم تتحقق في علاقات الناس بعضهم مع بعض فإنها بالتالي لا تتحقق في علاقة الإنسان بالله.
وينتهي الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر إلى تأكيد أن قيمة الشكر تكتسب بالتربية السليمة، فالطفل يجب أن يكتسب هذه القيمة الإنسانية الرفيعة على أيدي والديه، فإذا ما ساعده أحد أو قدم له هدية أو معروفاً علمه والداه كيف يقدم له الشكر وكيف يرد له الجميل وكيف يكون حضارياً في التعامل معه وهذا ما حثنا عليه الإسلام في التربية بشكل عام، فالتربية على الفضائل تحمي الصغار من كثير من الرذائل فإذا ما قدم الإنسان معروفاً لأحد وسمع كلمة طيبة رداً على ما قدمه، فإنه يشعر بالراحة والسعادة، ويقبل على تكرار ما فعل مع الإنسان نفسه ومع الآخرين.

عدل ومساواة

والعدل من القيم والأخلاق الإسلامية الرفيعة التي يحث عليها الإسلام ويلزم المسلم بها في كل معاملاته مع الآخرين وفي كل شؤون حياته العامة والخاصة، وهو يحمل كل معاني الحق والصدق والاستقامة وغيرها من المعاني الإنسانية التي ينبغي ألا تفارق الإنسان في كل شؤون ومجالات الحياة، فبالعدل والإنصاف والمساواة بين الناس في كل ما تجب فيه المساواة تنتظم حياتهم، ويسعد الجميع بتبادل المنافع التي أحلها الله فيما بينهم، وتتوثق علاقاتهم.
يقول د. هاشم: في غياب العدل تضيع حقوق الناس، ويشيع الظلم بينهم، والظلم هو السبب الأول في فساد العلاقات على مستوى الأسرة والعلاقات الاجتماعية بين الناس، وهو سبب معظم المشاحنات بينهم.. كما أنه سبب لتوتر العلاقات بين الدول ونشوب حروب ومواجهات دامية تزهق فيها أرواح الأبرياء.
لذلك يحرص الإسلام حرصاً شديداً على أن يسود العدل العلاقات على مستوى الدول والأفراد.. فالعدل نقيض الظلم، وهو من أرفع القيم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في كل معاملاته وسلوكه، فالإسلام يأمرنا بأن نقف بكل شجاعة وصلابة في وجه الظلم، وأن نمد أيادينا لنصرة المظلوم، والحديث الشريف يقول: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، وعندما سأل الصحابة رسول الله كيف ننصر الظالم؟ قال: «أن ترده عن ظلمه فذلك نصره».

قيمة لا تتجزأ

والشيء الرائع الذي أكد عليه القرآن في ترسيخه لقيمة العدل ونبذ الظلم أنه- كما يؤكد المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- لم يتهاون في تطبيق هذه القيمة العظيمة في تعاملات المسلم مع من يكرههم أو يعاديهم.. فالله سبحانه وتعالى يقول: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هذا أقرب للتقوى».. والإسلام يعلن بذلك أنه لا يقبل أنصاف الحلول في تطبيق العدل، فالعدل ينبغي أن يسود في كل الأحوال حتى ينعم الناس بالسكينة والاستقرار، ويتفرغوا للبناء والتعمير وفعل الخير.
والعدل قيمة لا تتجزأ ولا تعرف الانتقاء في تطبيقها.