وأذّن في الناس بالحج، يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (الحج: 27)
إن اللّه لا يكلف نفساً إلا وسعها . ولا يحملها إلاّ ما تستطيع . وقد رخّص عز وجل للمسلم المسافر بالقصر في صلاته، تخفيفاً لعنائه ومشقته . يقول تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (النساء: 101) . ومن الثابت أن رسول اللّه، قصر في حجة الوداع في مكة ومنى ومزدلفة وعرفة . كذلك قصر عليه السلام، في أسفاره، لأن القصر استحباب من اللّه لعبده المؤمن المسافر . وما قصر في سفره إلاّ قصر معه أصحابه . وأخرج الإمام البخاري عن يحيى بن أبي اسحق: سمعت أنساً يقول: خرجت مع النبي من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة . فقلت: أقمتم بمكة شيئاً . قال: أقمنا بها عشراً .
ويجوز للمسافر أن يجمع بين صلاتين في وقت واحد . ولا يكون الجمع إلا بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء . ولا يجوز الجمع بين صلاتي الفجر والظهر . ولا بين صلاتي العصر والمغرب . والجمع بين صلاتين، يكون تقديماً وتأخيراً . مثل جمع صلاة العصر مع صلاة الظهر تقديماً، وجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر تأخيراً . وأخرج الإمام البخاري ما رواه أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه إذا ارتحل في سفره قبل أن تزيغ الشمس، أخرّ الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما . فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلّى الظهر ثم ركب . وعنه أيضاً عليه السلام، كما روى البخاري: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في السفر .
أذان المنفرد
والأذان، إذا كان الأعم، أن يؤذن لاجتماع الناس إلى الصلاة، فقد يؤذن أيضاً طلباً لفضيلة الأذان . وهذا بخلاف من سأل عن الأذان في السفر، فقال: لمن يؤذن؟ فتوهم أن الأذان لا يرفع إلاّ لاجتماع الناس إلى الصلاة . فالأذان في السفر سنّة للجماعة، وكذلك للمنفرد، وإن كان وحده، ليس معه جماعة وذلك لفضيلة الأذان . ويمكن لنا أن نستدل على رفع الأذان من المنفرد في الصحراء من حديث لأبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أخرجه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذّنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا مدر، إلاّ شهد له يوم القيامة .
وأتى مالك بن الحويرث، وابن عم له رسول اللّه، فأمرهما بالأذان والإقامة وإمامة أكبرهما أصغرهما . علماً أنه ليس معهما جماعة تجتمع لأذانهما وإقامتهما . ففي حديث ابن الحويرث وأخرجه مسلم قال: أتينا رسول اللّه أنا وابن عم لي . فقال صلى الله عليه وسلم: إذا سافرتما فأذّنا وأقيما وليؤمكما أكبركما . كذلك استحب الأذان والإقامة لراعي الغنم في البوادي، وذلك طلباً لفضيلة الأذان، لا لغاية الاجتماع . وفي حديث أبي داوود في سننه: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية، يؤذن بالصلاة ويصلّي، فيقول اللّه عز وجل انظروا عبدي هذا يؤذن للصلاة ويقيم للصلاة، يخاف مني . قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة .
للفضيلة . . لا للإعلام
ويجوز الأذان بالسفر والإتيان بالإقامة، كما يقول العلماء، ولكن كرهوا عكس ذلك . وقالوا: إذا صلّى المنفرد في سفره لإقامة فقط، صلّى معه ملكاه، أما إذا أذّن وأقام، صلّى وراءه جنود غفيرة من جنود اللّه .
فأذان المسافر سنّة للفضيلة، لا للإعلام . وقد لا يسقط عنه الأذان، لأنه لم يسمع أذان غيره للصلاة التي يؤديها . أما إذا أذّن بعض المسافرين، فيسقط الأذان عن الباقين، ممن سمعوا الأذان، فلا يكره تركه في هذه الحال . وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزواته، إذا سمع الأذان كفّ عن القتال، وإن لم يسمع أذاناً أغار على أعدائه . وفي حديث لأنس أخرجه البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً، لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإذا سمع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم . أما عن فضيلة الأذان في الحج، فيقول تعالى: وأذّن في الناس بالحج، يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق (الحج: 27) . فقد أمر اللّه تعالى، بأن يؤذن للناس في الحج، ليأتوا راجلين أو راكبين على كل دابة، ضامرة من التعب والجوع بسبب السفر، لأجل أداء الفريضة، وليذكروا اللّه، وينحروا ذبائحهم يوم النحر، لأن في ذلك ما أمرهم اللّه تعالى به أن يأتوه، وفضلاً عظيماً . وأذّن سيدنا إبراهيم في الحج فقال: يا ايها الناس كتب عليكم الحج .
والأذان بعرفة، هو بعد زوال الشمس، وبعد أن يخطب الإمام خطبة وجيزة ويقعد . ثم يخرج الإمام مع تمام إقامة الأذان . ثم يجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وقصر الصلاة . فإذا قضيت الصلاة، ذهب إلى عرفات للوقوف بها . أما الأذان بمزدلفة، فيكون بعد صلاة العشاء . وهي صلاة قصر، بأذان واحد وإقامتين، ليس بينهما نافلة . وفي حديث أخرجه مسلم: إنه صلى اللّه عليه وسلم، أتى مزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئاً أي لم يصل بينهما .