ظهرت في الأفق تجارة جديدة تعتمد على عرض أجزاء من الكوكب الأحمر للبيع، ما يدر أموالاً طائلة على المشتغلين بهذه التجارة حيث تقدم في أغسطس /آب 2014 أكثر من 200 ألف شخص بطلبات للانضمام إلى مشروع مَد َّْفح الممول من شخصيتين هولنديتين مستقلتين هما باس لانزدورب وآرنو ويلدرز .
يهدف المشروع إلى إنشاء مستعمرة بشرية ذاتية دائمة على المريخ . والجدير بالذكر أن تكلفة تقديم طلب الانضمام في المتناول، ويدفع الراغبون بحسب بلدهم الأصل ومستواهم المادي . فالأمريكيون مثلاً يدفعون 38 دولاراً ويدفع المكسيكيون 15 دولاراً أمريكياً، وربما تتجاوز التكلفة هذين الرقمين بكثير .
وبحسب مجلة "نيوزويك"، من المتوقع أن تصل نفقات المشروع إلى 6 مليارات دولار، بناءً على تكلفة إحدى المهام المقرر إطلاقها في 2018 ليطأ روادها أرض المريخ في 2025 .
وسوف يكلف المشروع أول المشاركين بعدد من المهام على سطح الكوكب الأحمر منها سحب الماء من تربته، وزراعة محاصيلهم الخاصة اعتماداً على مهاراتهم الشخصية وبالاستعانة بالألواح الشمسية .
وبالفعل بدأ المشروع في محاكاة بيئة مماثلة للمريخ في مكان غير معلن، وسوف تكشف مهمة 2018 إمكانية عمل التكنولوجيا بكفاءة على سطح المريخ، كما سوف يجهز أفراد مهمة 2022 المكان المناسب والأدوات اللازمة لتجمع الرواد على الكوكب عندما يصلون إليه بعد ثلاث سنوات من انطلاقهم .
وينوي القائمون على المشروع تغطية التكاليف من خلال عرضه على شاشات التلفزيون، لجمع التبرعات الشخصية وجذب الرعاة وتحصيل حقوق الإعلان والنشر .
وتنوه المجلة إلى أن صاحب المشروع، لانزدورب، لن يتدخل في تحديد الشكل الذي سوف يظهر به العرض التلفزيوني، ويتوقع بثه يومياً لفترة قصيرة تحت اسم "أخبار من المريخ"، تليه تغطية مكثفة للأحداث الرئيسية مثل لحظات إطلاق مركبات الفضاء ومشاهد هبوط الرواد، وعرض مسابقات لمن يريد ابتياع تذاكر الرحلات المقبلة .
ولدى لانزدروب يقين أن العرض سوف يجذب أعداداً ضخمة من المشاهدين والرعاة، كما كانت الحال في أولمبياد ،2012 من وجهة نظره، وتجري الآن مفاوضات مع شركة استثمارية كبيرة في المملكة المتحدة .
وبحسب "ناسا"، فإن عدد مشاهدي نيل أرمسترونج وهو يهبط على سطح القمر في ،1969 بلغ 530 مليون مشاهد، ويعتقد لانزدرو بأن عدد مشاهدي برنامج المريخ سوف يتجاوز هذا الرقم، ويتوقع إنتاج مادة تلفزيونية أثناء التواجد على المريخ تتناول تطور مراحل البرنامج .
يقول لانزدروب "ينتج البرنامج مواد تلفزيونية بشكل دائم وننوي إنتاج المزيد عن مشاهد إقلاع وهبوط الرواد" .
وبحسب مجلة نيوزويك، لا يعتبر مشروع لانزدروب الوحيد من نوعه، وهناك من ينافسه فيما يخص التكاليف .
دينيس هوب من جاردنيرفيل في أريزونا، مؤسس شركة Lunar Embassy التي تبيع عقوداً للهبوط على المريخ والزهرة، والقمر، وسلعاً فضائية أخرى من هذا القبيل ب 99 .19 دولاراً إلى 49 .22 دولاراً للفدان، ويقول هوب إنه ربح أكثر من 11 مليون دولار أمريكي منذ تأسيس شركته في ،1980 بعدما أكد ملكيته لما يبيع عبر رسالة وجهها إلى مكتب مطالبات مستغلاً ثغرة في تشريعات الأمم المتحدة المتعلقة بالفضاء الخارجي، وأدرج ضمن مشروعه في أواخر التسعينات عقوداً للهبوط على المريخ، وعلى الرغم مما سببته الأزمة المالية العالمية في ،2008 انتعشت أعماله بشكل لافت منذ ذلك الحين .
يقول هوب: "ليست هناك آية شكوك حول حيازتي لما أبيع، بيد أن كثيراً من عملائي يتشككون في ملكيتهم لهذه الأشياء، وكثير منهم طالبونا بضمانات تؤكد ملكيتهم لها بما يمكنهم من توريثها إلى ذويهم فيما بعد" .
ويرى هوب أن زبائنه من كل الطبقات بدءاً بحراس العقارات وانتهاءً بنجوم هوليوود، ورؤساء سابقين مثل رونالد ريغان، وجيمي كارتر، وإن كان ابتياعهم لم يتم عن طريقهم مباشرة، إضافة إلى جورج بوش الذي انتقلت إليه ملكية أحد الأماكن من مشتر مجهول .
ويدير هوب تجارته عبر الإنترنت والهاتف، ويقول إن سلع المريخ الأكثر جذباً للمشترين، إذ يبيع ما بين 30 إلى 40 قطعة أرض يومياً، ليصل إجمالي ما تم بيعه إلى 325 مليون فدان، بربح تجاوز 4 ملايين دولار، ويشير إلى أن الشركة تعرضت لملاحقات قانونية لسنوات، ففي ،2004 اتهمت شريكته الكندية ليزا فولكرسون بالاحتيال على أحد البنوك المحلية وعلى عملائها من مشتري السلع القمرية، وانتهى بها الحال إلى السجن لعامين، وفي ،2005 أوقفت السلطات في بكين رخصة شريك آخر، لي جي، بتهم المضاربة والتربح، واضطر إلى بيع مكتب الفرع لسداد قرض بنكي .
ويصر هوب على أن عقوده ليست محلاً للتشكيك، على الرغم من تذييلها بعبارة "هذه هدية جديدة"، كما يزعم بأنه يمول من ماله الخاص تطوير صاروخ ينوي استخدامه في نقل عملائه إلى المريخ والقمر .
وهوب ليس الوحيد في هذا المجال، فهناك مؤسس فيرجن جروب، ريتشارد برانسون، الذي تعد شركته "فيرجن جالاكتيك" بإرسال أول سائحين إلى الفضاء الخارجي في القريب، بحسب تصريحاته في ،2012 منوهاً إلى عزمه لأن يكون واحداً من مؤسسي مستعمرات بشرية على المريخ .
وأعلن ايلون ماسك، المدير التنفيذي لشركة سبيس إكس في كاليفورنيا، التي تشارك ناسا في تمويلها، عن خطط لتصميم نظام قابل لإعادة الاستخدام لنقل مستعمري المريخ، يمكنه نقل 100 مسافر في الرحلة الواحدة، بتكلفة 500 ألف دولار لكل منهم، ويأمل ماسك في تفعيل النظام خلال عشر سنوات .
ويجني أصحاب مشروعات استعمار المريخ الكثير من الأموال سنوياً، وترصد ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية أموالاً حكومية بالمليارات للفضاء، بيد أن هناك عدداً قليلاً من القوانين التي تحكم الحد المالي لاستكشاف المريخ، أهم هذه القوانين يقول: "عقدت اتفاقية الفضاء الخارجي في ،1967 وأقرها مكتب الأمم المتحدة لشؤون لفضاء الخارجيUNOOSA ، وبموجبها لا يسمح لأية دولة أو حكومة الزعم بسيادتها على أي أجسام أو أماكن فضائية، منها القمر وجميع الكواكب، بهدف الربح أو نشر الأسلحة" .
وهو نفس القانون الذي زعم هوب قبلاً أنه يدعم امتلاكه المريخ، والقمر، والأماكن الفضائية الأخرى . ويصر على وجود ثغرة ما في المعاهدة بقوله: "إنها تنطبق فقط على الدول والحكومات وليس الأفراد أو الشركات، ولم يسبق أن واجهت اعتراضات من قبل الحكومة" . ويزعم أن سلسلة فندقي الهيلتون وماريوت ابتاعا منه بعضاً من بضاعته ما يؤكد، حسب قوله شرعية ملكيته لما يبيعه (ونفى متحدثو الفندقين مزاعمه) .
وتقول سيمونيتا دي بيبو مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون لفضاء الخارجي إن هوب وشركته Lunar Embassy مدينون بالفضل للقيود المفروضة على الولايات المتحدة، وتوضح بقولها لمجلة نيوزويك "فيما يتعلق بالأنشطة الخاصة، تعتبر الولايات المتحدة مسؤولة عن أنشطة الفضاء التي يقوم بها مواطنوها، وربما يقع تحت مسؤوليتها أية انتهاكات من قبل هوب وشركته" .
وحول شراء تذكرة الذهاب إلى المريخ يقول وليام غرستنماير، المدير المساعد لبرنامج الاستكشاف البشري والعمليات في وكالة ناسا إن التحمس لاستكشاف المريخ سابق لأوانه، وإن كانت له نقاطه الإيجابية .
وتهدف ناسا إلى إرسال روادها إلى سطح المريخ في منتصف ،2030 وتسير حالياً خمس مركبات فضائية إما على سطح أو في مدار المريخ وهي كيريوزتي، وأوديسي، وأوبورتيونيتي، ومرو، وإكسبريس، وتخطط لإرسال ثلاث مركبات أخرى وهي مافين، وإينسايت، وبيوند، وكان مقرراً للأولى الانطلاق في 2013 .
وتركز الدراسات حالياً على تطوير سطح المريخ بما يسمح للإنسان بالعيش عليه، ويشمل ذلك استخراج الأكسجين من التربة، وتدفئة الأجواء، كما أن رقة غلاف المريخ الجوي مشكلة أخرى تحاول ناسا التغلب عليها من خلال مراقبة الإشعاع بواسطة معدات طوافة وتطوير سفينة فضائية يمكنها التوقف والهبوط على السطح بأمان .
أجواء غير ملائمة
يشير غرستنماير المدير المساعد للاستكشاف والعمليات في ناسا إلى أن مشروع الوكالة يختلف عن Mars One، إذ تخطط ناسا لإعادة الطاقم إلى الأرض مرة أخرى بعد تمضية بعض الوقت على المريخ، ربما لن يتجاوز 45 يوماً .
ويتوقع مايكل شارا المسؤول عن قسم الفيزياء الفلكية في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي أن يكون للهيئات الحكومية السبق في الوصول إلى المريخ قبل الشركات الخاصة، منوهاً إلى أن فكرة البقاء على قيد الحياة على المريخ لفترة من الوقت ممكنة، فما من شيء في الفيزياء ولا الكيمياء ولا الفلك ولا الرياضيات يستبعدها، بيد أن أجواء المريخ الحالية غير ملائمة، كما أن السفر إلى هناك يتطلب أموالاً طائلة، واعتقد أن وكالة الفضاء الأوروبية وناسا فقط من يمتلكان القدرة الآن على تفعيله .
وبحسب نيوزويك، لا يعني ذلك توقف القطاع الخاص عن المحاولة . وأجرى مشروع Mars One أولى عمليات انتقاء العملاء ليصل عددهم الحالي إلى ،1،058 من بينهم ليلى ذوكر، طبيبة طوارئ في جامعة هوارد في واشنطون، والتي تقول: "يمكنني الاستغناء عن كل شيء حتى زوجي مقابل المشاركة في البرنامج وفي أولى رحلاته إلى المريخ" .