في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1978 صدر قرار إشهار جمعية مسرح الشارقة الوطني من وزير العمل والشؤون الاجتماعية وتضمنت المادة الأولى من القرار المهام الموكلة الى الجمعية وأبرزها ممارسة النشاط الفني عن طريق التمثيل في مجالات الإذاعة والتلفزيون ونشر الثقافة المسرحية والتوعية بآداب وفنون المسرح، إنتاج المسرحيات الهادفة ذات النقد البناء وتوجيه الرأي العام عن طريق العروض المسرحية، اقامة الندوات والمحاضرات واستدعاء كبار الكتاب والفنانين لإلقاء هذه المحاضرات لإثراء معلومات الأعضاء والمهتمين في فن التمثيل وفنون المسرح، تنمية المواهب بين الشباب وإعداد جيل من الشباب الملم بآداب وثقافة المسرح والتعاون مع الهيئات الفنية داخل الدولة وخارجها.

أعمال لا تنسى

لا يمكن لتاريخ المسرح في الإمارات أن ينسى مسرحيات الفريج، والمضحك المبكي، وديايه طيروها، والرجل الذي صار كلباً، وهالشكل يا زعفران، ورأس المملوك جابر، والبيدرا، والميدور، ومقهى بوحمدة، وحمدوس وغيرها الكثير من الأعمال التي أثرت الحركة المسرحية في البلاد.

ولا يمكن للذاكرة ان تسقط المساهمات القوية لمسرح الشارقة الوطني في مهرجان أيام الشارقة المسرحية وقيامه بتنفيذ العديد من النصوص المسرحية لصاحب السمو حاكم الشارقة وليس بالإمكان سرد الأسماء المسرحية الإماراتية والعربية التي ساهمت في صناعة تاريخ مسرح الشارقة الوطني حتى تحول الى مؤسسة ثقافية لا تهتم بتقديم النص المسرحي فحسب، وإنما تعمل على نشر الثقافة المسرحية خاصة فضلاً عن الثقافة بمفهومها الواسع على وجه العموم.

مثل أية مؤسسة ثقافية فاعلة مر مسرح الشارقة الوطني بمراحل تأسيسية سبقت الإشهار الرسمي، فبحسب الدكتور محمد يوسف رئيس مجلس الادارة وأحد الأعضاء المؤسسين لمسرح الشارقة الوطني فقد تكون المسرح في نهاية عام 1973 تحت اسم جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح من مجموعة من محبي المسرح أبرزهم عبدالله المناعي وعلي خميس وعبدالرحمن الصالح واسماعيل حسين وغيرهم، ولم تكن نواة فرقة الجمعية هي الوحيدة التي تمارس فن المسرح في الشارقة، ولكن كانت هناك فرقة اخرى وهي فرقة مسرح الإمارات، وفي تلك الأعوام تعرضت فرقة مسرح الشارقة الوطني لحدثين مهمين، الأول تمثل في انفصال الفرقة عن جمعية الشارقة للفنون الشعبية وهو الأمر الذي انعكس بالسلب على الفرقة المسرحية اذ اضطر الاعضاء الى الاجتماع لبحث شؤون الفرقة وإجراء التدريبات في الشارع في المنطقة الواقعة امام قصر الثقافة في الشارقة، الحدث الآخر المهم تمثل في دمج فرقة مسرح الشارقة الوطني مع فرقة مسرح الإمارات بناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

يقول الدكتور محمد يوسف: لقد وقف صاحب السمو حاكم الشارقة كثيراً الى جوار فرقة مسرح الشارقة الوطني منذ البدايات الأولى ولا نستطيع ان نعدد فضائله على الفرقة أو تصور حجم الدعم الهائل الذي قدمه لها خلال تاريخها، لقد كنا أول فرقة تمتلك وسيلة للمواصلات تمثلت في باص كبير استخدمناه في تنقلاتنا المختلفة، وأتذكر أننا كنا نعمل بالتناوب في قيادة هذا الباص، ونقوم بتوصيل زميلاتنا الى بيوتهن بعد انتهاء التدريبات المسرحية ومن أبرزهن، مريم سلطان ومريم سيف وسميرة أحمد وغيرهن، لقد آمن الجيل المؤسس لمسرح الشارقة الوطني بهذا الفن كرسالة تستطيع خدمة الثقافة بوجه عام والدفع بالتطور الحضاري للإمارات إلى الأمام، ولذلك تحملنا العمل في ظروف متقلبة حيث انتقل مقر المسرح عدة مرات حتى استقر نهائياً في المنطقة التراثية في منطقة الشارقة القديمة.

وقبل قرار الإشهار عرضت الفرقة مسرحية شمس النهار في عام 1977 من تأليف توفيق الحكيم وإخراج صقر الرشود وبطولة عبدالعزيز الفضلي وعبدالله المناعي وعلي خميس وغيرهم، وقد حضر العرض الأول في قاعة إفريقيا في الشارقة صاحب السمو حاكم الشارقة وجمهور غفير قدر بحوالي 800 متفرج في العرضين الأول والثاني اللذين كانا مخصصين للرجال، أما العرض الثالث فقد امتلأت قاعة إفريقيا بالعديد من السيدات بلغ عددهن أكثر من 400 سيدة، وتم تسجيل العرض لتلفزيون أبوظبي كما عرضت المسرحية في أبوظبي على مسرح الاذاعة والتلفزيون.

وتبدأ مرحلة جديدة في مسيرة مسرح الشارقة الوطني وهو في بداياته الأولى عندما يدفع بالمخرج العراقي ابراهيم جلال للاشراف على إخراج مسرحية الفريج وهي أصلاً معدة عن نص للكاتب فرحان بلبل، أعدها لمسرح الشارقة الوطني عبداللطيف مفيز وأخرجها عبداللطيف القرقاوي وقام بأدوار البطولة فيها عبدالله المناعي ومحمد يوسف وسيف الغانم وقد عرضت يوم 7 يناير/كانون الثاني 1979 بحضور صاحب السمو حاكم الشارقة في قاعة إفريقيا في الشارقة، ثم عرضت المسرحية في دبي يومي 12 و13 يناير/كانون الثاني من نفس العام، وانتقلت الفرقة الى رأس الخيمة حيث عرضت المسرحية لمدة يومين ثم انتقلت الفرقة لعرض المسرحية على مسرح جمعية الفنون الشعبية في عجمان ثم في أبوظبي.

يقول عبدالإله عبدالقادر في كتابه التوثيقي مسرح الشارقة الوطني في عقدين من الزمن 1975 - 1995: بعد مسرحية الفريج يقحم ابراهيم جلال مسرح الإمارات في تجربة أقل ما يمكن ان يقال عنها إنها مجازفة وهي المشاركة في مهرجان دمشق المسرحي الثامن، وكان يدرك حينها خطورة وأهمية المشاركة ولم يكن يهمه تحقيق نجاح فني حيث كانت المشاركة جزءاً من ممارسة ضرورية لهواة لابد ان تصقل مواهبهم ما يثري تجربتهم وتعرفهم بفناني العالم العربي، وعليه بدأ ابراهيم جلال إخراج مسرحية الفخ من تأليف محفوظ عبدالرحمن وعرضت في دمشق في مايو/أيار 1979 وشارك في بطولتها مريم سلطان وعبدالله المناعي وسيف الغانم وعبدالصمد بن سلوم ومحمد يوسف وماجد السويدي وعلي خميس ومحمد عبدالله وغيرهم.

بعد ذلك دخل مسرح الشارقة الوطني في مرحلة التجريب والدفع بالعناصر المسرحية الشابة الى الأمام، ففي أغسطس/آب 1980 قام عبدالله المناعي بإخراج مسرحية مجلس العدل لتوفيق الحكيم تحت اسم ديايه طيروها وقد عرضت المسرحية في قاعة إفريقيا لمدة خمسة أيام متتالية ثم في خورفكان والفجيرة والعين وأبوظبي، وكانت فاتحة طريق لقيام عبدالله المناعي بإخراج عدد من المسرحيات لا لمسرح الشارقة الوطني فحسب بل ولمسارح أخرى في عموم الدولة. وتعود أهمية هذه المسرحية الى قيام أحد شباب مسرح الشارقة الوطني بإخراج عمل بهذا الحجم فضلاً عن نجاحها جماهيرياً ونقدياً، يقول محمد يوسف عن هذه التجربة اعتبرناها الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل، جعلتنا نستغرب انسجام الجمهور معها، رغم بساطة المعنى.

إن الملاحظة الأساسية التي يمكن الخروج بها من العرض السابق تتمثل في هاجس العمل على مأسسة مسرح الشارقة الوطني كهيئة متكاملة الأركان تتطلع الى تشكيل مسرح قوي لا يكتفي بالشارقة أو الإمارات فحسب، وإنما يأمل في الانفتاح على محيطه العربي ليسهم بشكل ايجابي في تاريخ المسرح العربي، ويستفيد من خبراته، ولذلك وجدنا الاعتماد على نصوص ومخرجين عرب ومشاركات مبكرة في مهرجانات عربية، ويظهر هاجس المأسسة أيضاً في تدريب الشباب والاستفادة من طموحاتهم والدفع بهم الى الأمام لتشكيل ركيزة قوية يمكن استثمارها في المستقبل.

يقول عبدالإله عبدالقادر في الكتاب السابق الإشارة إليه إن الفترة الواقعة ما بين عام 1974 وحتى عام 1982 هي فترة حاسمة في مسيرة مسرح الشارقة الوطني، لأنها سنوات التأسيس، وقد مرت بعدة منعطفات حادة مثلما شهدت ولادات عدة ورسمت أحلاماً للمستقبل ومرت بإرهاصات مختلفة، مثلما أتيحت الفرصة لظهور أصوات شابة لم يكن لها ماضٍ فني بقدر ما كانت تتمتع بشجاعة فنية، وطموحات غير محدودة، وأحياناً بمجازفات غير محسوبة النتائج تماماً، رغم ان النتائج جاءت لصالح هذا التأسيس.

وانطلاقاً من تلك التوجهات يصدر المسرح في يوليو/تموز 1979 العدد الأول من مجلة الرولة المعنية بنشر الثقافة المسرحية في الإمارات، وصدر العدد الأول والثاني بترويسة تشير الى ان الرولة نشرة شهرية يصدرها مسرح الشارقة الوطني، وتضمنت النشرة الأولى حواراً مع الفنان علي خميس ومسرحية مترجمة للكاتب السويدي فرنر سبنستروم، فضلاً عن باب مخصص لشرح المصطلحات المسرحية وباب آخر لاستعراض النشاط المسرحي داخل وخارج الإمارات، بينما اشتملت النشرة الثانية على مسرحية مترجمة للكاتب الأرجنتيني أزفالدو دراكون.

وتحولت مجلة الرولة بدءاً من العدد الثالث الصادر عام 1983 الى مجلة فصلية تصدرها اللجنة الثقافية في مسرح الشارقة الوطني واحتوى على نص مسرحية السلطان لناصر النعيمي وموضوع عن المسرح الكويتي وآخر عن المسرح الخليجي، وباب مخصص لمذاهب وشخصيات مسرحية ومتابعة مكثفة للدورة التدريبية المسرحية التي أقامتها وزارة الاعلام والثقافة خلال الفترة من مارس/آذار - مايو/أيار ،1982 ويلاحظ ان الأعداد التالية من المجلة شهدت تقدماً ملحوظاً على مستوى الشكل والمضمون فأصبحت تتضمن تقارير وملفات ودراسات، فضلاً عن نص مسرحي جديد ينشر في كل عدد، واستخدمت المجلة الورق الملون والصور العرضية الجذابة، وهناك نصوص مسرحية ترجمت لأول مرة خصيصاً لمجلة الرولة كنص قصة الغابات لوول سونيكا، بالإضافة الى كتاب مسرح نشروا نتاجهم الأول في المجلة كالكاتب السوري عبدالرحمن حمادي والذي نشر مسرحية سمنهرور وما لحق بها من شرور ولم يتوقف دور الرولة على نشر الثقافة المسرحية المكثفة بصورة نظرية بل قام المسؤولون عنها بإصدار نشرة الرولة والتي تتبعت مهرجان أيام الشارقة المسرحية خلال تلك الفترة، وفي عام 1986 توقفت الرولة لأسباب مالية.

ولا يقتصر أرشيف مسرح الشارقة الوطني على البومات الصور وشرائط الفيديو فحسب بل يتضمن مئات الملفات الصحافية التي تؤرخ يومياً للمسرح في الإمارات، فضلاً عن ملصقات العروض المسرحية الأولى التي تستوقف المشاهد ببساطتها وجمالياتها المستمدة من محاولة الفنان اللعب على المزج بين الأبيض والأسود، بالإضافة الى مكتبة ضخمة تشمل أمهات الكتب الاساسية والمسرحيات العالمية التي تعود الى مرحلة الستينات من القرن العشرين، إن هذا الأرشيف الثري يحتاج الى الرعاية والتنظيم العلمي وفق أحدث أساليب الأرشفة والتصنيف، وهي الخطوة التي يدرسها القائمون على مسرح الشارقة الوطني ولكنها تحتاج الى تكاتف جميع المعنيين بالثقافة في الإمارات.

تطلعات ثقافية

لم يقف هاجس التطلع الى تشكيل مؤسسة معنية بالثقافة عند هذا الحد بل شهد مسرح الشارقة الوطني العديد من فعاليات الثقافة الراقية، يقول محمد يوسف لقد قمنا باستضافة أمسيات شعرية وندوات ثقافية حيث مر علينا محمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة ويوسف ادريس وغيرهم، ولم نكتف بذلك بل قمنا بتسجيل معظم الأحداث الثقافية في الإمارات عبر كاميرا المسرح الخاصة ونحتفظ بهذا التاريخ عبر عشرات الألبومات من الصور وأيضاً سجلنا جميع عروضنا المسرحية على شرائط فيديو ويوجد لدينا مكتبة فيديو ضخمة تتعدى الألف شريط، لقد كنا مجموعة من الهواة نؤمن بالثقافة ونمتلك أحلاماً ضخمة، ولذلك سعينا للإسهام في التأريخ لثقافة بلادنا قبل نشأة العديد من المؤسسات المعنية بذلك كدوائر الثقافة والاعلام واتحاد الكتاب وغيرها.