يمكنني أن أتجرأ واحذف نصف عدد الأسماء التي تختزنها ذاكرة هاتفي، لكنني لا أجرؤ على مسح أرقام شخصيات لم يعد لها وجود في هذا العالم، لكنها لم تزل تسكن هاتفي منذ زمن، كيف يمكنني أن أحذف رقم صاحب مثل حمد خليفة بوشهاب أو محمد بن حاضر، أو أقارب لي مثل عمي أو هاتف منزل جدي أو قريبي، أولئك الذين رحلوا تباعاً وتركوا غصة تسكن القلب سببها صدمة غيابهم المفاجئ؟

تحذف نصف الأسماء التي تحتفظ بها، لأن أولئك عابرون مروا في حياتك، زملاء التقيتهم في الدراسة أو مواقع العمل، أو معارف صادفتهم وحمّلوك أرقامهم، أو شخصيات تعرفت إليها في مناسبات وبلدان مختلفة خلال سنوات عمرك . لم تتواصل معها كثيراً، فلا يهم إذا سقطت أرقامها من شريحة ذاكرة هاتفك .

لكن كيف تنسى من كان يحادثك نهاراً وليلاً في مثل هذه الأيام الرمضانية وعلى مدار سنوات طويلة، كيف يمكن أن تمسح رقم محمد بن حاضر، أو شخصاً كان يزورك عندما تتجاوز العاشرة صباح كل يوم، سنّة حميدة رسمها في حياتك وحياة كثير من الزملاء الأصدقاء، كان إذا تأخر أو غاب، هو الذي يقلق على من يزورهم فيرسل هاتفه محملاً بالاعتذار لهم، ذلك كان حمد خليفة بوشهاب .

أتعرف لماذا لا تجرؤ على حذف أرقامهم؟ لأنك لا تريد أن تمسح الأشياء الجميلة من ذاكرتك . صدى تلك الأيام وتلك الوجوه هي نافذة الصبر تعالج بها مرارة الأيام التي لا تجود دائماً بمثل هذه المعادن البشرية، أولئك أناس رحلوا وتركوا بعدهم الفراغ .

حكى لي صديق، أنه يخصص يوماً في العام على الأقل يحاول أن يتخفف فيه من مشاغل الحياة يلتقي أصدقاء انتقاهم كحبات القهوة من كثرة الذين عرفهم وتقربوا منه في السنين الماضية . أحدهم يقول، غاب عنا منذ زمن، حرصت على أن أهاتفه وانتظرته أن ينضم إلينا في ذلك اللقاء، وقد فعل . كان ذلك حمد بن حاقول، أتذكره؟ ذلك المصور التلفزيوني المميز الذي ساهم في بدايات تأسيس تلفزيون الشارقة . وقد فعل، انضم إلينا أخيراً وعدنا نستذكر جميعاً أياماً لنا ومواقف مرت علينا، سعدنا جميعاً لأننا اجتمعنا بعد غياب، وتواعدنا على أن نلتقي قريباً .

يكمل الصديق بعدها سافرت إلى لندن، وذات مساء ضبابي بارد، وصلني مسج من هاتف ابن حاقول، يقول: إن صاحب هذا الرقم انتقل إلى رحمة الله . أهملت الرسالة، لأنني توقعتها كالعادة مزحة خفيفة من أحد الأصحاب، أراد أن يوقع ابن حاقول في مقلب مضحك، لا أحد يقول للناس من خلال هاتفه: أبلغكم أنني توفيت .

صديقي يقول: إنني تلقيت مكالمة في اليوم التالي تقول لي: أحسن الله عزاك، لقد توفي فلان . إذن لم تكن الرسالة مزحة، كانت حقيقة . عدت إليها مسحتها على الفور، لكنني لم أستطع أن احذف رقم ابن حاقول، ولا أستطيع كذلك حذف أرقام الذين أعزّهم وغابوا عن حياتي .

وأنت، يا عزيزي، أين هي أرقام من تحبهم وغابوا عنك، كيف تعاملت معها، هل هان عليك أن تمسحها، أم أنك أبقيت رسمها تمر عليه كلما حركت مؤشر الهاتف، تتوقف عندها لحظة، تتذكر أيامك معها، تدعو لها بالغفران والرحمة، وتأمل أن يجود الزمن يوماً بأمثالهم؟

[email protected]