للإيمان عمارة قلبية عظيمة في النفس الطاهرة لدى المسلم، تقوم أركانها على ست قواعد أساسية، تشكل أساس البنيان النفسي التوحيدي الإسلامي، وقمته التسليم بالرسالة النبوية الشريفة وبالداعي لها النبي العربي الأكرم وسنته الشريفة بما تضم من حديث شريف وأثر طاهر كريم . وهذه القواعد الست هي: 1- الإيمان بالله تعالى . 2- الإيمان بالملائكة . 3- الإيمان بالكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم . 4- الإيمان بالرسل وخاتمهم النبي محمد عليه السلام . 5- الإيمان بالحساب واليوم الآخر . 6- الإيمان بالقضاء والقدر .

فالإيمان بالله تعالى، يفرضه القرآن الكريم على المسلم في آيات عديدة طاهرة مبثوثة في سور عديدة، حيث يقول تعالى في سورة النساء (48): إن اللّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً، وكذلك في سورة الإخلاص (1): قل هو اللّه أحد، وفي سورة المؤمنون (84)، يسأل رب العالمين سؤال الداعي إلى الإيمان: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، (وفي سورة الحديد: 2)، له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وفي سورة النمل (59) دعوة إلى عبادة اللّه الواحد الأحد: قل الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى الله خيرٌ أمّا يشركون، وفي سورة الأنبياء (19): وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، وفي سورة الحديد (3): هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم .

ويبلغ الإيمان في عمقه، غايته القصوى، حين يكون هادياً للمسلم إلى معرفة الوجود الإنساني الشامل من خلال عمارة الأرض والأخذ بالأوامر والنواهي وإقامة الشعائر . وكذلك من خلال الاهتداء إلى الفطرة السليمة وسلامة النفس من التمزق، والتحرر من العبودية وضمان الحياة الطيبة وولاية اللّه على المؤمنين وطلب رضاه عز وجل في كل وقت .

الملائكة والكتب السماوية

والركن الثاني من الإيمان إنما هو الإيمان بالملائكة، مصداقاً لقوله تعالى في سورة البقرة (285): آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وقد وصف القرآن الكريم الملائكة أحسن وصف: فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً (مريم: 17) وقوله: اللّه يصطفي من الملائكة رسلاً، (الحج: 75) . ومنهم حملة العرش: الذين يحملون العرش، (غافر: 7) وهم رسل النصر: يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، (آل عمران: 125) ومنهم من يصلون على المؤمنين ويستغفرون للذين آمنوا، (غافر: 7)، ومنهم الحفظة: إن كل نفس لما عليها حافظ، (الطارق: 4) والكتبة: ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد، (ق: 18) ومنهم الموكلون بالوفاة: قل يتوفاكم ملك الموت، (السجدة: 11) . ومنهم الموكلون بأمر الجنة والنار: يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، (النحل: 32) وقوله: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، (المدثر: 31) . والإيمان بالكتب السماوية، هو الركن الثالث وهذه الكتب أخبرنا القرآن الكريم عنها: وهي القرآن الكريم والزبور والتوراة والإنجيل . فقد قال تعالى: الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ، (الأعراف: 157) وقال أيضاً: ولقد كتبنا في الزبور، (الأنبياء: 105) وقوله: وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين، (المائدة: 46) .

الرسل واليوم الآخر

والركن الرابع الإيمان بالرسل: إذ بعث اللّه الملائكة إلى أنبيائه وحملهم الكتب السماوية . قد شاءت إرادته أن يكون الرسل بشراً مصداقاً لقوله تعالى: قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم، (إبراهيم: 11) . وجميع الرسل كانت لهم دعوتهم إلى اللّه الواحد الأحد مصداقاً لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً، (الإسراء: 15) وقال: رسلاً مبشرين ومنذرين، (النساء: 165) وهم أصحاب دعوة: إن الدين عند اللّه الإسلام، (آل عمران: 19) .

والركن الخامس من الإيمان: هو أن على المسلم الإيمان بالحساب واليوم الآخر، كما يقول تعالى: وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، (البقرة: 259) وبأن اللّه سيوفي كل إنسان أجره: وإن كلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير، (هود: 111) إذ الإيمان بالحساب واليوم الآخر، يجعل لحياة المسلم هدفاً ولوجوده غاية، مصداقاً لقوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور، (الملك: 2) .

أما القضاء والقدر، فهو الركن السادس من الإيمان لدى المسلم، فهو يسلم بقوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر، (القمر: 49) . وقوله تعالى: إلى قدر معلوم، (المرسلات: 22) . وقوله تعالى: إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، (يونس: 49) . ومن ثمار الإيمان بالقضاء والقدر، الصبر والرضا وطمأنينة النفس ودعوة المسلم إلى العمل والسعي، والشجاعة والإقدام وثباته أمام الابتلاء بالخير والشر . كذلك فإن الإيمان بالقدر، يربي الإنسان على الكرامة وعزة النفس، فلا يرضى لنفسه الذل والهوان .