الشهداء ليسوا كغيرهم، لهم حال تخصهم يمتازون بها عن الناس جميعاً، وفضلهم معروف، وما أعده الله لهم من منزلة في الدنيا والآخرة تتحدث به آيات القرآن الكريم، وتخبرنا عنه أحاديث نبوية شريفة، مرتبتهم في الجنة في عليين، مع الأنبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقا، والناس يموتون ويقبرون وهم في موتهم حتى تقوم الساعة، أما الشهداء فمن ساعة استشهادهم وحتى تقوم الساعة أحياء، يرزقون، أرواحهم في الجنة، أما غيرهم فحالهم كما يبين من حديث البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة#171;، أما هم فأرواحهم في الجنة .
أرواح حية
وفي تفسير التحرير والتنويريقول الإمام ابن عاشور: أثبت القرآن للمجاهدين موتاً ظاهراً بقوله: قتلوا#171;، ونفى عنهم الموت الحقيقي بقوله: بل أحياء عند ربهم يرزقون#171;، فعلمنا أنهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلة، بل هي حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارة لأنفسهم، ومسرتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله عند ربهمدليلاً على أن حياتهم خاصة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنة .
وفي صحيح مسلمعن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون#171;، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا .
في ظل العرش
والحديث فيه دلالة على مكان أرواح الشهداء وأن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون، وفي الحديث الذي يرويه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن متقلبهم، قالوا: ياليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا جابر ما لي أراك منكسا مهتما؟#171;، قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالاً وعليه دين، فقال: ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك )؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحاً وما كلم أحد قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي تمن أعطك، قال يا رب فردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون .
من هو الشهيد؟
وفي تحديد من هو الشهيد أحاديث نبوية كثيرة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة#171;، وقال: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون، والمبطون، والغرق، والحرق، وصاحب ذات الجنب والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع، وقيل: هي التي تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه، وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة، سواء ألقت ولدها أو ماتت وهو في بطنها، وقيل: التي تموت بكراً لم يمسها الرجال، وقيل: التي تموت قبل أن تحيض وتطمث .
وقال: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد#171;، وقال: من مات غريباً مات شهيداً#171;، وقال: من مات مريضاً مات شهيداً#171;، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس إن استطعت أن تكون أبداً على وضوء فافعل، فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتبت له شهادة#171;، وقال: من صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر، كتب له أجر شهيد#171;، وقال: إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيداً#171;، وقال: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه .
كل بني آدم ينقطع رزقه بموته إلا الشهيد، فيبدأ رزقه من وقت قتله حتى كأن الحياة الدنيا دائمة له، وللشهيد عند الله سبع خصال كما جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه .