الشارقة: نهلة الفقي

كطائر حالم يضرب بجناحيه بحثاً عن موطن خصب يحتضن أحلامه، كانت رحلتها من عمان إلى الشارقة، متخذة من مقولة «حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب»، فلسفة ونهجاً لتصقل موهبتها.. نهج استطاعت عن طريقه أن تطأ مجالاً ظل لفترة طويلة حكراً على الرجال، مقتحمة عالم صناعة الكيك، واضعة بصمة لها فيه، ففُتحت لها أبواب شاشات الفضائيات، إنها أروى ياسين، صانعة قوالب البهجة، التي روت تجربتها من خلال السطور التالية:
ظل حلمها حبيس مهجتها، إلا أن أطلقت له العنان، ليرى النور في الإمارة الباسمة، بإرادة لا يعرف اليأس والإحباط لها طريقاً.. إرادة استنهضتها تجارب سيدات الإمارات الواعدة بمشروعاتهن الصغيرة، فأطل حلمها من قمقم الخيال، إلى عالم الواقع، وتشكل أمام ناظريها.

حدثتنا أروى ياسين عن تفاصيل تجربتها قائلة: «بعد محاولاتي، حينما كنت ابنة ال 12 عاماً، في إحدى مدارس عمان، استهواني صنع قوالب الكيك، فعكفت منذ ذاك العمر على متابعة كل ما هو جديد في عالم صناعة الكيك ومتابعة البرامج المتخصصة، حيث طرح أحدهم فكرة، ظلت قابعة في ذهني منذ ذاك الحين، وهي تزيين الكيك بالشكولاته، عوضاً عن الكريمة، أو عجينة السكر، التي نالت مذاقها المختلف استحسان الشيف، وبعد أن تزوجت وصرت أماً لأبناء على أعتاب التخرج في الجامعة، وجدت أنه حان وقت لإطلاق حلمي القديم «مشروعي الصغير».

إتقان

وبالفعل صنعت أول قالب كيك نال استحسان عائلتي، فحفزني ذلك على البدء في مشروعي، على مستوى العائلة، إلى أن شجعتني إحدى الصديقات على إطلاقه كمشروع تجاري من المنزل، فراقت لي الفكرة كثيراً، وشعرت بأنها تجربة حقيقة بعيدة عن مجاملات الأهل والأصدقاء، وبعد استشارة زوجي، الذي دعمني كثيراً للبدء في تلك الخطوة، مما أشعل جذوة حماسي، فالتحقت بإحدى دورات تزيين الكيك، لتعلم كيفية تطبيق الكيك بطوابقه المتعددة، حتى أتقن الصنعة بحرفية، ولكن لم ترق لي الطرق التقليدية التي يتم فيها استخدام الكريمة، التي يفسد مذاقها بالنسبة لي، فبحثت عن طعم مختلف، لأضع به بصمتي الخاصة على تلك الصناعة، فاستحضر ذهني تلك الجملة من ذاك الشيف في اللقاء الذي حضرته في السابق، على إحدى القنوات المتخصصة، واستحسانه لإضافة الشكولاته لتحسين الطعم، فظللت أبحث عن تلك الطريقة المختلفة المطعمة بالشكولاتة، لتزيين الكيك، وإضفاء مزيد من الجمالية والمذاق الفريد الأخاذ، فكما يعلم الجميع بأن للشكولاتة عشاقا كثر، يهوون جميع أصناف الحلوى المطعمة به، إلى أن وجدت فكرة عجينة الشكولاته، ولا أستطيع وصف سعادتي حينها، ولا أبالغ، حينما أقول إنني شعرت كما لو كنت نيوتن، واكتشف قانون الجاذبية، فبتلك العجينة أستطيع تغليف قالب الكيك عوضاً عن الكريمة، أو عن عجينة السكر، ومنحها ذلك مذاقاً خاصاً.

شكولاتة بيضاء

وهنا تتوقف قليلاً، مستحضرة مكونات تلك العجينة، التي تغلف بها وصفتها قائلة: تتكون طبقة تزيين الكيك أو تلك العجينة من الشوكولاته البيضاء، التي يتم تسخينها وتلوينها بألوان الطعام الصحية المخلوطة «بالكورن سيروب»، لعمل عجينة يسهل تطويعها، وفقاً للشكل الذي يقوم باختياره عملائي مع بعض الإضافات الأخرى، التي أعتبرها سر صنعتي، وتحت حرارة معينة لتكون مطاطة، وبعد إنهاء تزيينها، توضع في جو بارد، وهناك أنواع معينة من الشيكولاتة التي يتم استعمالها لتطويعها في أي شكل، يخطر على البال، فالله حباني بموهبة الرسم التي قمت باستغلالها في السابق من خلال الرسم على القماش وفن السيراميك، فمنحني القدرة على تقليد أي شكل فني، بل وإضافة طابع جديد عليه، ومع الممارسة تعظم الموهبة، حتى صار لدى القدرة على إخراج أي شكل فني يطرأ على مخيلتي، أو أي تصور يألفه العميل، فقد طلبت مني إحدى السيدات تصميم غير تقليدي، وأثناء تبادل الحوار معها، لأتلمس خيوط أفكارها، حيث ذكرت أن زوجها يجلس ساعات طويلة أمام شاشات الكمبيوتر المحمول، فقمت بتصميم قالب كيك يحمل الفكرة نفسها، من خلال تطويع عجينة الشوكولاته لشخص قابع أمام الكمبيوتر المحمول، وأعجبت لاحقاً بالفكرة أيما إعجاب.

خبرة

ومن خلال تجربتها المهنية اكتسبت أروى خبرة في الاستجابة لأذواق زبائنها، حيث ذكرت أن المجتمع الإماراتي يتمتع بذوق عال، ولم يعد يرضيه الأشكال العادية، التي تفتقر إلى الإبهار والجودة في آن واحد، والتي أستشفها من ردود أفعالهم تجاه ما يعرض عليهم من أشكال متداولة، فتطلعهم لما هو غريب وفريد يحفزني دائماً للإطلاع على أحدث التصميمات الخاصة بتزيين الكيك، التي يحتاج بعضها أحياناً الاستعانة بصناعات أخرى، لإضفاء جمالية في طرق العرض مثل الفلين والخشب، لعمل ديكورات معلقة، ولتعزيز هذا الشغف أحرص دائماً من خلال جولاتي لأمريكا وأوروبا، على البحث عن أحدث الأدوات التي يستخدمها صانعو الحلويات في تزيين الكيك.

بركة

وعن مقومات نجاحها، تحدثت قائلة: هناك مقولة أعجبني، فحواها، تنظيم حياتنا مع مواقيت الصلاة، فهي سر النجاح، فمن بعد صلاة الفجر أبدأ يومي بقراءة الأوراد اليومية، فأجد بركة في حياتي أتعجب كيف قمت بكل تلك الأشياء خلال ساعات، فتنظيم الوقت هو سر نجاح أي عمل مع الإصرار والمثابرة، وعدم اليأس، فأنا من الناس الذين لا ييأسون أبدا، مهما فشلوا في محاولاتهم، وأظل أحاول مراراً وتكراراً، إلى أن أنجح فيما أصنع، فأنا أحاول، ومن الله التوفيق، ويكمن جل سعادتي حينما ألمح في عيون الأطفال لمعة فرح بما شكلته من قوالب كيك تخترق عالمهم الصغير بشخصياتها الكرتونية المفضلة، وقد أتعاظم بصنع البهجة في قلوب الصغار من خلال مشاركتهم احتفالية ميلاد أحدهم، وإشراكهم في مراحل إعداد قالبهم المفضل، فأنا أعتبر إسعاد الأطفال سرا من أسرار نجاحي، ولا أنكر جهود من ساعدوني، فأبنائي أحيانا يشاركونني العمل، عندما يكون هناك ضغط في الطلبات، كما أستعين بإحدى شركات العمالة لإرسال من يساعدني في تنفيذ الطلبات الكبيرة، لحين الانتقال لمحل في القريب، ولن أكتفي فيه بصناعة الكيك، بل سأقوم بالتدريب أيضاً.

وبما أن الطموح لا يرتوي إلا في أجواء التنافسية الشريفة، فقد ارتأت أروى، أن تحدثنا عن مشاركتها في بعض المسابقات الدولية قائلة: لا أتوانى عن حضور المسابقة الخاصة بفنون تزيين الكيك، فقمت بالمشاركة في مسابقتين بأمريكا، أجريتا تحت أجواء رائعة، وفي جو تنافسي شريف، واستمتعت جدا بوجودي ضمن الحضور، وهناك مسابقة أخرى ستقام في برمنجهام في لندن، أنوي المشاركة فيها كمتسابقة، للانخراط مع المحترفين، وسيكون ذلك بمثابة باب تحد جديد بالنسبة لي.