أمره خاتم المرسلين على جيش المسلمين، وفيه كبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين، وكان في ذلك الوقت دون العشرين. حِب رسول الله، وابن حِبه، ومن أقرب الناس إلى قلبه، اعتنى به ورعاه، وطببه وداواه، وأطعمه وسقاه، وأدبه ورباه، وعلمه أن الشفاعة لا تكون في حد من حدود لله، ولا يقاتل رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أسامة بن زيد لأحب الناس إليّ، أو من أحب الناس إليّ، فإنه من خياركم فاستوصوا به خيراً. وكان يأمر عائشة أن ترعاه وتعتني به وتداوي جراحه وهو طفل صغير، ويقول لها: أحبيه فأنا أحبه. روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعدما سمعت رسول الله يقول: من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة. لم يفارق أسامة النبي في سفر أو إقامة.

يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ورديفه أسامة بن زيد فأناخ في ظل الكعبة.

قال عبدالله: فسبقت الناس، فدخل النبي وبلال وأسامة الكعبة.

فقلت لبلال وهو وراء الباب: أين صلى رسول الله؟

قال: بحيالك بين الساريتين.

كان أسامة يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع.

قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: إن الأعمال تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس.

قضى أسامة حياته في جهاد وعبادة وصيام وقيام، وعرف عنه التقوى والعفاف والإخلاص والوفاء.

فاطمة المخزومية

علم الناس مكانة أسامة بن زيد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه أن يشفع لفاطمة المخزومية وهي من أشراف العرب، فلا يقيم عليها الحد. قال له النبي:

أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.

قتل أسامة رجلا نطق بالشهادتين أثناء القتال بعد أن ظن أنه قالها خوفا من الموت، وكان قد خرج ضمن سرية غالب بن عبدالله الليثي لقتال جماعة من المشركين ووقع ما وقع.

ولما علم النبي بالأمر غضب منه، وقال هل شققت عن قلبه، لتعرف أهو صادق أم كاذب.

قال أسامة: والله لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا الله. عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بقي أسامة بن زيد وأمه في مكة.

قالت عائشة رضي الله عنها: لما هاجر رسول الله إلى المدينة خلفنا وخلف بناته، فلما قدم المدينة بعث إلينا زيد بن حارثة، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، أخذها رسول الله من أبي بكر يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهر، وبعث أبو بكر معهما عبدالله بن أريقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى عبدالله بن أبي بكر يأمره أن يحمل أهله (أمي أم رومان، وأنا وأختي أسماء امرأة الزبير) فخرجوا مصطحبين فلما انتهوا إلى قدير اشترى زيد بن حارثة بتلك الخمسمائة ثلاثة أبعرة، ثم رحلوا من مكة جميعا، وصادفوا طلحة بن عبيدالله يريد الهجرة بآل أبي بكر، فخرجنا جميعا وخرج زيد بن حارثة، وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة، وحمل زيد أم أيمن وابنه أسامة.

جمار النخلة

استشار أسامة والده في أمر زواجه، فأشار عليه بزينب بنت قسامة، فعاشا معا لفترة قليلة ثم افترقا بإحسان وتزوج من بعدها من فاطمة بنت قيس.

أهداه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبا ولما رآه سأله: مالك لا تلبس القبطية؟ قال: كسوتها امرأتي. قال النبي: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها. كان أسامة بن زيد باراً بأمه، وكان أكثر براً بها بعد استشهاد أبيه. ارتفع ثمن النخلة حتى وصل إلى ألف درهم، وكانت مصدرا أساسياً للدخل والطعام، قطع نخلة يملكها وأطعم أمه جمارها، ولما سئل لماذا فعلت ذلك: قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني عن شيء أقدر عليه إلا أعطيتها إياه.

وأم أسامة هي بركة (أم أيمن) حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم فكان يناديها: يا أماه، وكلما نظر إليها قال: هذه بقية أهل بيتي. المهاجرة، الصابرة، غادرت مكة إلى المدينة وهي صائمة، يكاد العطش أن يقتلها، فنزل عليها دلو به ماء من السماء يتدلى من حبل أبيض، فشربت منه حتى ارتوت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش. وكانت على مدار حياتها تصوم في اليوم الحار فلا تشعر أبدا بالظمأ.

أسامة والحسن

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن. فتزوجها زيد بن حارثة، فأنجبت له أسامة.

نشأ أسامة في بيت النبي، يرعاه رعايته للحسن والحسين. تعثرت قدماه على بابه، فجرحت جبهته، فأسرع إليه يداوي جراحه.

يقول أسامة: كان نبي الله يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن بن علي على فخذه الأخرى، ثم يضمنا. ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما.

روى أحمد وابن سعد عن أسامة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: يا زيد: أنت مولاي ومني وإليّ وأحب الناس إليّ.

وعندما بلغ النبي خبر استشهاده قال: اللهم اغفر لزيد وكررها ثلاثا.

قالت عائشة رضي الله عنها: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليها، ولو بقي لاستخلفه.

وعن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة. فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة.

كانت أمه في زيارة لأهلها فأغار عليها قاطعو طريق وخطفوا طفلها وانتهى به المطاف عبدا لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها فأهدته إلى محمد فأعتقه وتبناه، وأكرمه ورعاه، وكان أول من أسلم من الموالي، وهو الوحيد في الصحابة الذي ورد ذكره تصريحاً في القرآن الكريم.

جاء أبوه وعمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبان عودته إليهما، فخيّره بين أن يرحل معهما أو يبقى معه. فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً أنت مني مكان الأب والعم. قالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟

قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحد أبداً. حمل زيد بن حارثة اللواء في غزوة مؤتة، وكان من المجاهدين الشجعان. واستشهد فيها.

يوم الخميس

في غزوة حنين أدرك النبي عبقرية أسامة في القيادة والقتال، فكلفه بقيادة جيش المسلمين لقتال الروم في الشام. أمره بتجهيز الجيش وقال له: سر إلى موقع مقتل أبيك وأمره أن يعد العدة ويرسل الطلائع ويستعين بالعيون، ويتحرك مبكرا، وفي يوم الخميس سلمه اللواء. وقال له: اغز باسم الله، في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله.

في يوم حنين أظهر أسامة بطولة لا تبارى، وشجاعة لا تجارى، وكان طوال الوقت خلف النبي يدافع عنه ويصد الضربات.

نادى النبي: يا أنصار الله، وأنصار رسول الله: أنا عبد الله ورسوله، وقال لأسامة أعطني بضع حصيات ألقاها في وجه المشركين وهو يقول: شاهت الوجوه، وظل يهتف ويقول: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبدالمطلب.

غضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم باعتراض البعض على قيادته للجيش وفيه كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر، وهو غلام صغير، صعد المنبر، وحمد الله وكبر وقال:

أما بعد، أيها الناس. فما مقالة بلغتني في تأمير أسامة، لئن طعنتم في إمارتي أسامة، فقد طعنتم في إماراتي لأبيه من قبله، وأيم الله أنه كان للإمارة خليقا، وأن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وأنه كان من أحب الناس إليّ، وأنهما لمخيلان لكل خير، واستوصوا به خيراً فإنه من خياركم. قال النبي وهو في مرض الموت: أنفذوا جيش أسامة.

قائد آخر

عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان جيش أسامة يعسكر على بعد ثلاثة أميال من المدينة يتهيأ للمسير حتى جاء النبأ الأليم. تولى أبو بكر الصديق الخلافة، وارتد عدد كبير عن الإسلام في مناطق الجزيرة العربية.

اقترح بعض المسلمين تأجيل الزحف واقترح عمر بن الخطاب وبعض الصحابة إبدال أسامة بقائد أكبر سنا، وأكثر خبرة، وأعمق تجربة. قال أبو بكر: أيوليه الرسول وتأمرني بعزله؟ وقال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنفذن جيش أسامة. أعطى عمر أسامة بن زيد أكثر مما أعطى ولده عبدالله.

قال له أناس: فضل عليك أمير المؤمنين من ليس بأقدم منك سنا، ولا أفضل منك هجرة، ولا شهد من المشاهد ما لم تشهد، ولما عرض عبدالله الأمر على والده قال له: فعلت ذلك لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول الله من عمر، وأسامة بن زيد كان أحب إلى رسول الله من عبدالله.

الدرس الأخير

أسامة بن زيد بن حارثة (7 ق.ه 54ه) (615-674م). من كنانة عوف. يكنى بأبي محمد، وأبي زيد، والحب بن الحب. ولد بمكة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم. عامله كأحفاده، وتعهده بالرعاية صغيرا، وكان يقبله ويحنو عليه.

والده زيد بن حارثة خادم النبي، وأول من أسلم من الموالي، وأمه أم أيمن حاضنة الرسول، ولد وعاش في الإسلام، توفي النبي وكان عمر أسامة 20 عاما تقريبا، هاجر مع النبي إلى المدينة، وأمره النبي على جيش كبير لقتال الروم في الشام وهو دون العشرين وعاد منتصراً مظفراً، وكان مضرب الأمثال في الشجاعة والبراعة في القتال. روى عن النبي 168 حديثا، نقلها عنه كبار الصحابة ومنهم أبو هريرة وابن عباس.

عاش أسامة بعد ذلك في وادي القرى، ثم دمشق في خلافة معاوية، ثم عاد إلى المدينة المنورة، وأقام في الجرف حتى توفي عن 61 سنة.

دخل أسامة على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده يبكي على موت ولده إبراهيم، فصرخ وارتفع صوته بالبكاء، فنهاه عن ذلك وقال: البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان. لولا أنه أجل معدود، ووقت معلوم لجزعنا عليك أشد مما جزعنا، إن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إن شاء الله إلا ما يرضي الله وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

وعند دفنه، نزل معه القبر الفضل بن العباس وأسامة بن زيد. وفي هذا اليوم الصعب، علمه النبي الدرس الأكبر: قال له: إن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه.