لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . ليس المراد بهذه المقولة الهجرة من الزمن الحاضر إلى الزمن الخالي، وإنما المراد الوعي بأسباب النهوض الأول، ومناهجه، لنسلكها سبلاً للنهوض الجديد المنشود .
لايزال الطريق طويلاً للوصول الى مرحلة النهوض و التحديث . حيث إن أمتنا لم تغادر بعد مرحلة ما بعد التخلف، حتى تقوم بالإقلاع والطيران الى رحاب التقدم وفضائه الواسع، وقد يجد البعض أن وصف التخلف وما بعد التخلف وصمة معيبة مع أن التخلف حالة واقعة لا تختلف في شيء عن المرض، والمريض الذي لا يدرك حالته المرضية لا يبحث عن الشفاء .
إن الأسرار الحقيقية لحضارة الإسلام تأصلت في قيم السلام والمحبة والإخاء والمساواة، واستطاعت هذه القيم أن تجد من يتمرس بها، ومن يحققها ويجسدها بصورة عيانية واقعية لا تقبل الشك والجدل، وإذا كانت العقيدة الإسلامية قد جاءت نموذجاً حضارياً تسعى إليه الشعوب طلباً للحرية وللمساواة والعدالة الاجتماعية، فإن الحضارة العربية الإسلامية، قد ازدهرت مقاماتها على أساس هذه الخلفية التاريخية للممارسة الإسلامية الصادقة . وعندما بدأت الممارسة الحقيقية للقيم الإسلامية بالانحسار بدأت مرحلة التراجع الحضاري وعندما خبا وهج الممارسة الحقيقية لقيم الإسلام ولمبادئ تشريعه العظيم سرعان ما بدأت مرحلة الانحسار التاريخي للوهج الحضاري الإسلامي .
المثال والواقع
يقول الدكتور محمد عمارة المفكر والداعية المعروف: (إذا كان من سنن الظواهر الدينية والثقافية والحضارية -دائماً وأبداً- وجود مسافات وفوارق بين المثال- النموذجي، وبين الواقع- الممكن، فإن غيبة الجيل الفريد -المؤسس- الذي تربى في مدرسة النبوة، والذي صنعه الرسول صلى الله عليه وسلم، قد أعقبها تراجع تدريجي في نوعية ومثالية التربية والصياغة . . وزاملت هذا التراجع زيادة حجم النوعية التي لم تترب تربية ذلك الجيل الفريد . . فأخذت شوائب البدع، وثقافات وتصورات الديانات والفلسفات التي أدخلتها الفتوحات إلى داخل الساحة الإسلامية تثمر تشققات فكرية، وصراعات مذهبية، ونزاعات سياسية، وعصبيات عرقية وإقليمية، أخذت تغالب بغلوها الشعوبي أو الباطني أو النصوصي الحرفي وسطية الإسلام وأمته . . ولقد بلغت هذه التناقضات أحياناً- درجة النزاعات المسلحة، وأثمرت -في بعض الأحيان- تمزقات في وحدة الدولة من قبل الشعوب الواقعة في الأطراف . . فانضم الانشقاق على الخلافة المركزية إلى الشقاق على الوسطية الإسلامية، الأمر الذي هدد روابط وحدة الكيان الإسلامي ونموذجه الفكري تهديداً جدياً) .
وقد صاحب تصاعد مخاطر تلك التهديدات خطران آخران انضما إليها: أولهما: انغماس كثير من العرب في الترف الذي وجدوا أسبابه في غنى الأقاليم التي فتحوها . . فتحولوا من قوة جهادية خشنة وضاربة إلى مواطنين شغلتهم شواغل الدنيا عن حياة الجهاد . وثانيهما: استمرار وتصاعد التحديات الخارجية .
اقتصاد المجتمع المسلم
يقول الدكتور محمد عزالدين الصندوق العالم والداعية (إن التنمية تستدعي اتخاذ العودة إلى مصاديق النظرة القرآنية إلى اقتصاد المجتمع المسلم، بالإضافة إلى تحقيق قفزة نوعية في وضع قوانين فعّالة وحيّة في إطار التصنيع والاستزراع ، فيوم نستطيع إلقاء القوانين المقيّدة للإبداع والحركة والتي من طبيعتها خدمة أعدائنا، إذا استطعنا ذلك سنجد أنفسنا قد رجعنا إلى حقيقة الدين، أمّا أن نتجمّد على القوانين التي لا تشجّع الصناعة والزراعة والعمل والطموح الصادق، فإننا بذلك لن نتقدم خطوة واحدة . . ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم نجده يصرح بأن من مهام نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، إلغاء القوانين الجاهلية التي تقيد حرية الناس وتعبث بعزتهم وكرامتهم . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالذِينَ آمنوا بِهِ وَعَزرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتبَعُوا النورَ الذِي اُنْزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعراف 157) .
ثم يتابع ماذا علينا لو جعلنا ديننا الإسلامي إطاراً عاماً لمسيرتنا التنموية . .؟ فنأخذ منه بشكل عقلاني ما يحفزنا على العمل الجاد والإخلاص والصدق في المعاملات، وتحري إتقان ما نقوم به وبذل الجهد الفردي والجماعي في تحقيق غايات المجتمع، وتطوير أساليب عمله بالعلم والعمل . بالمقابل نحارب الغش والكذب والرشوة في سلوكنا حتى تتساوى الفرص أمام الجميع للعمل . وهذا ما نتعلمه من أداء الشعائر الدينية كالصلاة التي تعلمنا الاستمرار والدوام والمثابرة على أدائها بإخلاص: بهذه الأساليب العلمية العقلانية يمكننا أن نجعل من الدين أداة للتنمية المستديمة) .
عندما يتم تشخيص حال الأمة، فنقول: إنها تعيش محنة كبرى . . ثم يطلب من علمائها تقديم رؤية، لمنهجية متسمة بالواقعية للخروج بالأمة من هذا المأزق الحاد والمزمن . . وذلك لإيقاظ الإنسان العربي والمسلم الغارق في نوم اليقظة فإن هذا يعني صياغة دليل عملي للنهضة العربية الإسلامية المنشودة، يرشد الذين انخرطوا في ساحة العمل إلى هذا المقصد النبيل، ويجتذب من في خارجها إلى هذه الساحة .
لقد بدأ الإسلام بتحديد منهاجه في التغيير الكفيل بإخراج الناس من الظلمات إلى النور . . والذي يبدأ بتغيير النفس الإنسانية، وإعادة صياغة الإنسان بالإسلام (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم فالتغيير - سواء في اتجاه التقدم والنهوض، أو في اتجاه التخلف والجمود - إنما يبدأ بالصياغة الإيجابية أو السلبية للإنسان .
لكن . . لأن النموذج الإسلامي - في الدين والدولة والحضارة - قد قام في مواجهة تحديات شرسة، مثلتها - بعد الشرك العربي - قوى الهيمنة الكبرى: الفرس والروم . . فقد كانت الفتوحات الإسلامية لإزاحة الهيمنة الكسروية والقيصرية عن المحيط الإسلامي، ضرورة حياة لهذا النموذج الإسلامي الوليد . . وبسبب من عقيدة وروح الجهاد الإسلامي، كانت السرعة القياسية التي تمت بها هذه الفتوحات، التي حررت الشرق من الفرس والروم . . ففي ثمانين عاماً فتح المسلمون أوسع مما فتح الرومان في ثمانية قرون!
الأزمة التعليمية
حاضر العالم الإسلامي يعيش أزمة تعليمية بلغت مبلغاً قصيا، بحيث أصبحت داء متمكناً مستعصياً، من الصعوبة علاجه، نظراً لحدّته واستفحاله في المجتمعات الإسلامية . ناهيك عن أنّ الأزمة التعليمية تفوق في حدّتها أيّ لون آخر من ألوان الأزمات، بوصفها الأزمة الأم في العالم الإسلامي، وإنْ كان عدم الاهتمام بها يُشعر كأنها أقلّ خطراً وأخفّ ضرراً من الأزمات الأخرى، ولا سيما الأزمة الاقتصادية . والسبب في ذلك راجع إلى أنّ التنمية في العالم الإسلامي تكاد تكون محصورة في الجانب الاقتصادي دون غيره من الجوانب الأخرى، وهذا هو سبب فشلها . ومن ثَم، فليس غريباً أنْ تعدّ الأزمة التعليمية السبب الرئيس في التراجع الحضاري للأمة الإسلاميّة، وأن تنمية التعليم سبيل الخلاص من هذا التراجع الحضاري .
نقطة الانطلاق في التنمية الإسلاميّة والنهوض الحضاري إنما تبدأ من التعليم، ومهما حاولنا أو توهمنا أنّ النهوض والتغيير والإصلاح يمكن أنْ يتم خارج مواضع التعليم، فإنّ التاريخ والواقع والتجربة الذاتية والعالمية تؤكد أنّ التربية والتعليم هما السبيل الأوحد إلى درجة يمكن أنْ نقول معها من دون أدنى تحفظ: إنّ التربية هي تنمية بكلّ أبعادها، وأي مفهوم للتنمية بعيداً عن هذا فهو مفهوم جزئي وعاجز عن تحقيق الهدف .
وزيادة على ذلك، فإنّ مما يزيد التعليم أولوية من حيث التقديم والاعتناء به قبل غيره أنه يعدّ التنمية الأم لبقية المجالات التنموية، إذ إنّ تعليم الإنسان المسلم وتربيته، يجعله مهيأ للقيام بالعملية التنموية في أيّ المجال، بمعنى أنّ الفرد المتعلم أينما توجهه لا يأتي إلا بخير، فإذا توجه إلى مجال الاقتصاد وأسهم في تنميته وتطويره، وكذلك إذا توجه إلى المجالات الاجتماعية أو المجالات العلمية والتقنية أو غيرها . ومعنى ذلك أنّ التنمية التعليمية تؤدي حتماً إلى تنمية المجالات الأخرى وتسهم مساهمة فعّالة في تطويرها، والعكس ليس بصحيح، لأنّ الواقع التاريخي قديماً وحديثاً يدل على هذا الأمر .
لقد بدأت أمتنا طورها الحضاري العربي الإسلامي بنهوض وازدهار، تعلمت منه الدنيا، ولا نزال نباهي به حتى الآن . . فلماذا حدث استبدال التخلف بالتقدم؟ . . والجمود بالتجديد؟ . . والأزمة بالانطلاق؟ . . والقيود بالانعتاق؟
الجيل الفريد
عندما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم أولى الصناعات الإسلامية الثقيلة: صناعة الجيل الفريد، المؤسس للدين، نهض هذا الجيل بتغيير الواقع، وبناء الدولة، وتطبيق الشريعة . . ثم توالى التراكم المعرفي في علوم الدين والدنيا -الشرعية والمدنية- تلك التي كونت الحضارة العربية الإسلامية، التي غيرت وجه الدنيا ومجرى التاريخ .
وكان طبيعياً أن تأتي دولة الخلافة الشورية الكاملة والراشدة، على النحو الذي جاءت عليه، لأنها كانت صورة للجماعة التي أعيدت صياغتها بالإسلام .
وإذا كان الإحياء هو أكثر المصطلحات تعبيراً عن فعل الإسلام في الإنسان الذي يتدين التدين الصحيح والصحي فإن نقطة البداية لهذا الإحياء إنما محلها نفس هذا الإنسان وقلبه وعقله ووجدانه . . فكل مناهج التغيير ومشاريع التقدم التي تقفز على تغيير النفس، وتربية الضمير، وإعادة صياغة الإنسان بالإسلام، هي حرث في البحر، لا يتجاوز أثرها النخبة التي تبشر بها، لانتفاء القبول لها عند الإنسان، الذي هو المقصد الأول والأعظم لهذا التغيير .
التوسعة في الرزق
وفي رحاب الآية الكريمة رَبنَآ آتِنَا فِي الدنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النارِ (البقرة/201) قال المفسرون: الحسنة في الدنيا هي التوسعة في الرزق وحسن الخلق، والحسنة في الآخرة هي رضوان الله والجنّة . فإذا طبق الإنسان المسلم قواعد الأخلاق الطيبة والاعتدال في السلوك، فإنه سيضمن التقدم والتنمية إلى حد لم يكن ليخطر له ببال .
وليس ثمة شك في أننا إذا رجعنا إلى القرآن الحكيم في بصائره ومناهجه . لاستطعنا أن نسبق العالم وأن نكون سادة أنفسنا إن لم نصبح سادة العالم أيضاً .
وإذا كان اليأس لا يمكن أن يقترن مع الإيمان، لأنه (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) . فإن هذه المحنة الحضارية التي تأخذ بخناق أمتنا - على مرارتها - يجب ألا تبعث اليأس من التجدد والنهوض والإصلاح، فحضارتنا الإسلامية -كلغتنا العربية - تمرض . . وتتراجع . . لكنها لا تموت، لأنها ضرورة من ضرورات الدين الخالد والشريعة الخاتمة، اصطبغ فيها النسبي بالخالد، أي الحضارة البشرية بالاعجاز الإلهي المتمثل بالقرآن على النحو الذي ميزها عن غيرها من الحضارات . . فهي تعرف دورات الازدهار والتراجع ثم الازدهار مرة أخرى .