قال تعالى: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى الا تعولوا" (النساء : 3)
"وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً" (النساء : 4)
"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً" (النساء : 5)
السؤال: لِمَ أوثرت صيغة ( مَفْعَل وفُعال ) في قوله تعالى: "مثنى وثلاث ورباع" على العدد: اثنين وثلاث وأربع؟
الجواب: لأن صيغة (مَفْعَل وفُعَال) تدل على تكرير اسم العدد لقصد التوزيع، كقوله تعالى: "أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع" (فاطر : 1)، والمعنى أن لطائفة من الملائكة جناحين، ولطائفة ثلاثة ولطائفة أربعة .
والتوزيع أو التنويع في إباحة التعدد للمناكحين، يستند إلى اختلاف أحوالهم في السِّعَة والطَّوْل والصحة والقدرة على العدل بين الزوجات فمنهم بناء على ذلك من يستطيع أن يتزوج اثنتين فقط، ومنهم من يستطيع الجمع بين ثلاث أو أربع زوجات، وتجدر الإشارة إلى القاعدة الفقهية التي تقول إن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، ولذا فإن التعدد ليس مقصورا على طائفة معينة بل هو حكم عام .

أسباب وشروط

أباح الله عز وجل تعدد الزوجات لأسباب عامة وخاصة، والأسباب العامة هي:
1- معالجة حالة قلة الرجال، وكثرة النساء، صيانة للنساء من التبذل والانحراف .
2- تكثير النسل الذي تكثر به الأمة، ويكثر به من يعبد الله وحده، وتقوى به الأمة المسلمة .

أما أسباب التعدد الخاصة فهي:
1- زيادة القدرة الجنسية عند بعض الرجال، حيث لا تكفي الواحد من هؤلاء زوجة واحدة، إما لكبر سنها، أو لكراهيتها الجماع، أو لطول مدة حيضها .
2- عقم المرأة، أو مرضها، أو سوء طباعها، فقد تكون عقيمة لا تلد، أو مريضة لا تستطيع تلبية رغبات زوجها، أو سيئة الخلق لا تمكِّن نفسها من زوجها .
3- كراهية الرجل للمرأة، إما بسبب نزاع بينه وبينها، أو بينه وبين أهلها، فيشتد الأمر، ويتصلب الطرفان، وتستعصي الحلول .
مما سبق يتضح أن الله أباح التعدد رحمة بالعباد تحقيقاً لهذه المصالح العظمى التي تعود على الزوجين والأمة بكل خير ومصلحة .
وإباحة الله عز وجل للرجل أن يتزوج بأربع نساء فقط ترتبط بشروط هي: القدرة البدنية التي يتمكن بها من الجماع . . والقدرة المالية يتمكن بها من الإنفاق . . والقدرة على العدل بين الزوجات، فإن خاف ألا يعدل بين زوجاته، فليس له أن يتزوج إلا واحدة .
وقد نهى العليم الحكيم عن أن يكون تعدد الزوجات بين الأقارب الذين يجمعهم نسب قريب جداً كالجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما يجره ذلك من قطيعة الرحم، وإشعال نار العداوة بين الأقارب، فإن الغيرة بين الضرائر شديدة جداً .
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ المَرْأةِ وَخَالَتِهَا" . (متفق عليه)

إغلاق باب الانحراف

لا يجوز للرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، ففي هذا المباح غنى وكفاية، فهو يلبي حاجة الرجل للجماع ، ويسد الباب أمام الانحراف، أو ما قد يتخذه بعض الرجال من العشيقات والخدينات، ويحمي النساء من الجور عليهن بسبب العجز عن القيام بحقوقهن .
واعلم، يرحمك الله، أن التعدد هو الحل الناجع والأمثل لعلاج ظاهرة العنوسة التي استشرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وقد امتد ضررها واستطال شرها وعم خطرها على المجتمع وعلى الأخلاق .
قال الله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (النساء:3) .
والله أعلم
السؤال: ما نوع الفاء في قوله تعالى: (فإن خفتم أَلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)؟
الجواب: الفاء للسببية، والمعنى: فإن ظننتم ألا تعدلوا بين زوجتين اثنتين إن نكحتموهما، أو بين ثلاث أو أربع إن نكحتموهن في القسمة أو النفقة أو الكسوة أو المعاشرة فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم . وفي الآية دليل على منع التعدد أو الزيادة على زوجة واحدة لمن خاف عدم العدل . والله أعلم
السؤال: ما المقصود باسم الإشارة: (ذلك) في قوله تعالى: "ذلك أدنى ألا تعولوا"؟
الجواب: المقصود باسم الإشارة في الآية الكريمة الاقتصار على زوجة واحدة، أو ما ملكت أيمانكم من الحرائر . والمعنى: إن خفتم عدم العدل بين الزوجات ،فالاقتصار على زوجة واحدة أو ما ملكت أيمانكم أقرب إلى عدم الجور والظلم . والله أعلم .

فريضة لازمة

إضاءة: الآية الكريمة "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً" (النساء: 4) يخاطب الله تعالى فيها الأزواج ويأمرهم بإعطاء النساء مهورهن عطية واجبة، وفريضة لازمة كما قال ابن جرير الطبري - رحمه الله - .
السؤال: لم عبر عن إيتاء المهور بالنحلة - أي الفريضة - مع كونها واجبة على الأزواج؟
الجواب: لدلالة الإيتاء على طيب النفس، وكمال الرضا . والله أعلم .
السؤال: لماذا سمي المهر صداقاً وصدقة؟
الجواب : لأن مادة (صدق ) تدل على الكمال والصحة، فسمي المهر صداقاً وصدقة ، لأن عقد الزواج به يتم ويكمل . والله أعلم .
السؤال: ما نوع الأمر في قوله: "وآتوا النساء . . . . . ."؟
الجواب: الأمر حقيقي والمراد به الوجوب . والله أعلم .
السؤال: ما المقصود بالأكل في قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً)؟
الجواب: المقصود الانتفاع، وتخصيص الأكل بالذكر، لأنه أتم أنواع التمتع بالمال، ولأنه يشكل عظم وجوه التصرفات المالية . والله أعلم .
ومعنى الآية: فإن وهبت لكم أيها الأزواج نساؤكم شيئاً من الصداق طيبة بذلك أنفسهن، من دون اضطرار منهن أو إكراه منكم لهن فكلوه أي فانتفعوا به هنيئاً مريئاً . والله أعلم .
السؤال : ما الغرض من الأمر في قوله تعالى: (فكلوه هنيئا مريئاً) ؟
الجواب : الإباحة . والله أعلم

لا ضغط ولا إكراه

السؤال: ما دلالة تمييز النسبة المحول من الفاعل في قوله: "فإن طبن لكم منه نفساً فكلوه . ."؟
الجواب: أصل الكلام، "فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فاقبلوه وانتفعوا به" . وفي التمييز إشارة إلى قوة هذا الطيب، وليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من القسر والإكراه والضغط . والله أعلم .
السؤال: بم يوحي التعبير بالطيب في قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء)؟
الجواب : فيه إيحاء بأن المعتبر في تحليل أي إباحة الانتفاع بشيء من مهر الزوجة إنما هو طيب النفس، لا مجرد ما يصدق منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيب النفس، فإن ظهر ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحل للزوج ، وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما . والله أعلم .
السؤال : ما نوع (من) في قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً)؟
الجواب : قيل إنها تبعيضية وهذا يترتب عليه حكم فقهي هو عدم الجواز للزوجة أن تهب صداقها . وبه قال الليث .
وأرى - والله أعلم - أن (من ) بيانية ، فيحل للمرأة الرشيدة بعد الدخول بها أن تهب زوجها المهر كله أو بعضه عند جميع الأئمة إلا الليث . والله أعلم .

ندرة المتنازلات

السؤال: ما سر التعبير ب (إن) الشرطية في قوله تعالى: "فإن طبن لكم منه نفساً"؟
الجواب: للإشارة إلى قلة أو ندرة تنازل الزوجة عن مهرها أو جزء منه لزوجها، حيث إن العادة جرت بخلاف ذلك . وفيه إلماح إلى وجوب تعفف الأزواج نحو صداق زوجاتهن ، حيث إن صفاء نفوسهن وتنازلهن عن صداقهن أو شيء منه لأزواجهن يبدو شحيحاً . والله أعلم .
السؤال : لم قدم الجار والمجرور (لكم ) في قوله تعالى: "فإن طبن لكم منه نفساً"؟
الجواب : للاهتمام به . والله أعلم .
السؤال: ما علة العدول عن الجمع إلى الإفراد في "نفساً" حيث كان الظاهر أن يقال: "فإن طبن لكم منه أنفساً"؟
الجواب: للإشارة إلى قلة من تطيب من النساء نفوسهن بالتنازل عن مهورهن أو شيء منها لأزواجهن، وذلك لما عرف عن النساء من طبيعة الشح بأموالهن والحرص عليها . وقد كشف القرآن عن قلة من تجود بمهرها ، خاصة وأن للمهر في نفس المرأة منزلة ليست لسائر أموالها ، فكان التعبير بالمفرد (نفساً) إشارة إلى قلة من تتنازل عن مهرها، أو للإشارة إلى أنهن في ذلك بمثابة نفس واحدة جبلت على الضن بمهرها . والقرآن الكريم يستثير بذلك في الرجال دوافع العفة عن أموال النساء، ويبغض إليهم الجور على حقهن في المهور، ويغلق أبواب الاحتيال لهضم هذا الحق، معلقاً إباحة أخذ شيء من هذه المهور على طيب أنفسهن . والله أعلم .

د . عادل أحمد الرويني