انتشرت في الآونة الأخيرة نشاط جديد في كل الدول العربية تحت مسمى مراكز الاستشارات الزوجية والأسرية ولم يكتف القائمون على هذا النوع من المكاتب بوجوده على أرض الواقع، بل امتد ليشمل القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت، وحتى المنتديات النسائية . ورغم توافر هذه الخدمة في محاكم الأسرة، فإن المكاتب الخاصة في ازدياد، ما يطرح أسئلة عدة عن سبب ذلك ومدى الرقابة عليها وتقبل المتعاملين معها لفكرة البوح بخصوصياتهم لها .

تؤكد فوزية طارش، مديرة إدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الاجتماعية أن عدد مكاتب الاستشارات الأسرية التابعة للوزارة وصل حتى الآن إلى 10 مكاتب على مستوى الدولة، وأنها تولي اهتماماً كبيراً بالرقابة المستمرة على الأنشطة التي تقوم بها هذه المكاتب، لمنع أي ممارسات سلبية، مشيرة إلى الدور المهم الذي تقوم به المكاتب في الحفاظ على الاستقرار الأسري .

وتضيف طارش أن الوزارة تشترط لإصدار ترخيص مركز الاستشارات الأسرية أن يكون المبنى المخصص للنشاط مستقلاً ومناسباً للغرض، وأن يكون مستوفياً للشروط الصحية، ومواصفات الأمن والسلامة، إضافة إلى ضرورة التزام من يقوم بأي عمل من الأعمال التخصصية بالمكتب أن يكون حاصلاً على المؤهل العلمي المناسب لشغل الوظيفة، والالتزام بكل القوانين واللوائح التنظيمية التي تصدرها الوزارة بشأن هذا النوع من التراخيص .

وأكدت أن قسم التمكين الأسري في الوزارة له العديد من البرامج التي تهتم بالأسرة، وأنه في بداية العام الجديد سيقدم خدمة الاستشارات الهاتفية في إمارتي دبي، رأس الخيمة، عبر خط ساخن للرد على أسئلة الجمهور من خلال مجموعة من الخبراء المختصين في هذا المجال .

وتضيف فوزية طارش أن الوزارة تقدم العديد من المبادرات التي تهتم بالمرأة كأم، وزوجة، وسيدة مجتمع، كما تقدم برامج تعمل على توثيق علاقة المسن بأسرته، وقريباً ستطلق مبادرة سند لتفعيل دور الأب في الأسرة، وتوثيق علاقته بزوجته، ومبادرة تجورى وهدفها توعية الأبناء بصفة خاصة والأسرة بصفة عامة بأهمية الادخار والتنظيم المالي .

وتؤكد أن تنظيم مثل هذه الأمور سيسهم في التقليل من الخلافات الزوجية، وطالبت المستفيدين بتوخي الحذر والحيطة في التعامل مع هذه المكاتب، واختيار المرخصة، خاصة أنها تقدم خدمات خاصة تمس الأسرة، مشيرة إلى أن الإدارة تتلقى الشكاوى الخاصة بهذه المكاتب، تتخذ الإجراء المناسب، وفقاً للوائح الموضوع والمنظمة لعملها .

وأوضحت ناعمة خلفان الشامسي، رئيسة قسم التمكين الأسري في الوزارة، أن هناك العديد من المعايير الخاصة بتنظيم عمل هذه المكاتب، تتضمن وجود شروط لتسجيل واستقبال الحالات، وتوثيق بيانات العملاء، ونوع المشكلة وخطط العلاج المقترحة، وعدد الجلسات الإرشادية، إضافة إلى اشتراط معايير توظيف مؤهلين وأكاديميين من الحاصلين على درجات علمية متخصصة في مجال الاستشارات الأسرية، مع وجود توصيف وظيفي للجهازين الفني والإداري، وأن يكونا مناسبين لإعداد الحالات التي تراجع المكتب .

د . خليفة محمد المحرزي، رئيس المجلس الاستشاري الأسري، قال: تؤدي هذه المكاتب دوراً مكملاً للمصلحين في دوائر الإصلاح الأسري بمحاكم الدولة، لأنه في أحيان كثيرة يحتاج الأزواج لتدخل خارجي لتشخيص الخلل في علاقتهما الزوجية، وتحديد نقاط الاختلاف ووضع المسارات الإيجابية التي تساعد على تقوية العلاقة وإرجاعها إلى وضع الاستقرار، فيكون دور هذه المكاتب التفاوض بين الأطراف المتنازعة، وغالباً تنجح هذه التدخلات في وضع حد للمشكلات الزوجية والقضاء على أسبابها .

ويضيف المحرزي أن هذه المكاتب قائمة منذ زمن بعيد في المجتمع الغربي، إذ يعود أول مكتب في بريطانيا إلى عام ،1921 ويعتبر وجودها هناك من الثقافات السائدة والخدمات الاجتماعية الضرورية ومن النادر الطلاق بين الزوجين إلا عن طريق تلك المكاتب، وتشهد دراسات وإحصاءات كثيرة، حسب المحرزي على جدوى هذه المكاتب في تحقيق التوازن الاجتماعي والأسري في عالم تزداد مشكلاته يوماً بعد يوم .

ويرى أنه تأكيداً على أهمية هذا الدور كانت الإمارات من الدول السباقة في إنشاء مثل هذه المكاتب بجميع محاكم الدولة، تحال إليها المعاملات الخاصة بشؤون الأسرة، ومعالجة القضايا التي تصل إلى حد الطلاق لوضع الحلول المناسبة للأزواج الذين يفكرون بإنهاء حياتهم الأسرية بسبب أمور بسيطة كبرت بسبب العناد .

وتضيف: تجتهد وزارة الشؤون الاجتماعية لمواجهة الأرقام المتزايدة في حالات الطلاق لكبح جماحها، من خلال خدمة الإرشاد، وتنفيذ البرامج والفعاليات التوعوية الخاصة بنشر ثقافة التعامل مع الزوج والزوجة، كما بادرت بالترخيص لإنشاء مكاتب متخصصة للإصلاح بين الأزواج وحل الخلافات قبل تفاقهما ووضع الحلول المرضية للطرفين، وأدت هذه الخدمة من وجهة نظري إلى انخفاض معدلات الطلاق رغم حداثة وجودها .

ويحذر المحرزي الأزواج من التعامل مع المكاتب غير المرخصة رسمياً، والتي يقوم عليها أشخاص غير مؤهلين علمياً ولا شرعياً، ولا تتوافر لديهم الخبرة المطلوبة في التعاطي مع القضايا الأسرية، كما أن بعضها لا يحرص على الالتزام بالحفاظ على الأسرار ويستخدمها في مجال الاستثمار التجاري .

وتؤكد د . أسماء أحمد سالم، أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، أن وجود مثل هذه المكاتب له فوائد كثيرة وسلبيات أيضاً كطلب شيء، لذلك لابد التأكد من أن المكتب الذي سنلجأ له يحمل ترخيصاً من الوزارة، وأن من يعملون به لديهم خبرات كبيرة في مجالات الطب النفسي والتربية والشريعة، وأن يتمتعوا بالأمانة والثقة عند الجمهور المستفيد من هذه الخدمات . وتقول، إذا كانت هذه المكاتب لا تتمتع بهذه المعايير، فلابد أن نبتعد عنها لأننا نلجأ لها لحل مشكلات شخصية لابد أن نراعي فيها السرية .

وتضيف: في أحيان كثيرة يكون اللجوء إلى الأهل سبباً في زيادة حجم المشكلة، لذلك فاللجوء لمثل هذه المكاتب المرخصة من وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا تهدف إلى تحقيق أي ربح مادي، يكون هو الحل، وتؤكد أن هذه المكاتب مهمة جداً للمغتربين الذين لا يوجد لديهم أهل يلجؤون لهم لحل مشكلاتهم .

د . أحمد فلاح العموش، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشارقة، يرى في وجود مثل هذه المكاتب شيئاً إيجابياً، لكن لابد أن تخضع لعدد من الشروط والقواعد التي تؤهلها لتقديم دورها بشكل جيد ومنظم . ويقول: لابد أن تخضع هذه المكاتب مثلاً لرقابة سنوية من وزارة الشؤون الاجتماعية ولا تكتفي بتراخيص عمل مثلها مثل أي محل تجاري، والرقابة هنا تشمل معايير اختيار من يقدم الخدمة، ومدى دراسته وإعداده لمزاولة هذه المهنة الحساسة جداً .

ويؤكد العموش أن اختصاصي الاستشارات الأسرية لابد أن يكون حاملاً لدرجات علمية ورخص مهنية في الإرشاد الزوجي والمهني تؤهله لتقديم النصائح الزوجية بشكل صحيح، كما يحدث في كل دول العالم، مشيراً إلى أننا في المجتمعات العربية نفتقر إلى الجهات العلمية التي تمنح هذه الرخص .

وتتباين آراء الزوجات حول أهمية هذه المكاتب، وقالت منال حمدي 30 سنة: العلم ليس عيباً أو حراماً و(لا خاب من استشار) ولا أرى في وجود هذه المراكز غير الربحية التابعة للوزارة أي عيوب، فقد منحنا الله عقلاً نفكر به لنعرف الصحيح من الخطأ، ونأخذ ما يتناسب مع ثقافتنا والعكس . واستشاري المشكلات الأسرية مثله مثل الطبيب الذي نذهب له لعلاج مشكلة بدنية، لذلك علينا التأكد من دراسة الاستشاري وخبرته والأهم الثقة التي يجب أن تتبادل بين المستفيد من الخدمة ومقدمتها، فالمشكلات الأسرية ليست مادة متاجرة، لذلك على كل زوجة مراعاة الدقة عند اختيارها لمن تلجأ لهم .

واعترضت أمينة إبراهيم 21سنة، موظفة في طيران الاتحاد، على هذا الرأي قائلة: مجتمعنا الإماراتي لا يسمح بهذا، فأنا لا أستطيع أن أتكلم مع أمي في مشكلاتي الأسرية، فكيف أذهب لرجل غريب لا أعرفه ولا يعرفني أتناقش معه في أسرار بيتي، وعلاقتي بزوجي؟ ورغم أنني أرى العديد من الإعلانات، وتأتيني الكثير من الدعوات على بريدي الإلكتروني، للمشاركة في مواقع خاصة بتقديم الاستشارات الزوجية في سرية تامة، إلا أنني أرفض مثل هذه الدعوات، كما أن زوجي إذا علم أنني ذهبت لمثل هذه الأماكن سيغضب .

حليمة محمد 24 سنة قالت: لم أذهب يوماً لهذه المكاتب رغم انتشارها في كل مكان، لكن هناك العديد من البرامج التلفزيونية لتقديم المشورة والمساعدة على حل هذه النوعية من المشكلات، وأحياناً أتصل بأحد هذه البرامج إذا واجهتني مشكلة فشلت في حلها مع زوجي، وأحياناً أخرى يكفيني المشاهدة والاستماع لمشكلات المتصلات، فمعظم المشكلات الزوجية واحدة، وزبائن هذه المراكز والبرامج هم دائماً من السيدات، وانتشرت كذلك الخطوط التلفونية ومواقع الاستشارات على الإنترنت بشكل كبير جداً، فلماذا أنزل من بيتي وأتوجه لمكاتب قد تكون غير مرخصة، وأتعرض للنصب مثل العديد من السيدات اللاتي ذهبن إلى هناك واستنزفن مادياً .

وتؤكد حليمة محمد أن هناك عدداً كبيراً ممن يظهرون علينا يومياً بحجة تقديم الاستشارات غير مؤهلين، وهدفهم الشهرة والربح .

وتنصح كل سيدة تعاني أي خلاف زوجي فشلت في حله، أن تستشير من لديهم خبرة، أو تذهب لمحاكم الأسرة التي توفر هذه المشورات والنصائح الزوجية بشكل سليم ومفيد من دون غرض .

أما أم محمود 42سنة، ربة منزل، فقالت: شاهدت في أحد البرامج التلفزيونية رجلاً قدمته المذيعة على أنه خبير علاقات زوجية فبحثت عن عنوانه في الدليل، وفعلاً ذهبت إليه وتحدثت معه عن الخلافات بيني وبين زوجي، وبدأ في تقديم النصائح والتوجيهات، وعند عودتي إلى المنزل لتطبيق ما يقول شعرت أنني أكذب على زوجي، وأن تنفيذ ما قاله لي هذا الرجل شيء صعب، لأن كل رجل يختلف عن الثاني وهكذا الحال بالنسبة للسيدات .

وهناك من يعترض على اللجوء لهذه المكاتب من الرجال أيضاً، ومن هؤلاء ماجد محمود 40 سنة، طبيب ويرى أن الإسلام حدد من يلجأ إليه الزوجان المختلفان، مشيراً إلى قول الله تعالى: (وإن خفتم شقاقاً بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً)، ويؤكد أن الخلافات الزوجية أسرار خاصة بالزوجين ولا يجب أن يعرفها ويتدخل فيها الغرباء بهدف تحقيق ربح مادي، وأن على كل زوج أن يحاول التفاهم مع زوجته في ما بينهما، لكن إذا تعذر الأمر فليأخذ برأي الدين ويلجأ لأحد أفراد الأسرة، ولو لم يحدث اتفاق فهناك مكاتب خاصة بهذه النزاعات داخل محاكم الأسرة هدفها ليس الربح المادي .

واتفق معه غاندي محمود 33 سنة، مؤكداً أن العلاقة الزوجية مقدسة وسرية جداً وإذا لم يستطع الزوجان حل الخلافات في ما بينهما فهذا معناه وجود خلل ما وأن علاقتهما فاشلة ويتساءل: إذا كنت أنا كرجل أرفض تدخل الأهل في العلاقات الزوجية، فكيف ألجأ لشخص لا أعرفه وأفشي أسرار بيتي أمامه؟