اعتبروا حياة الفهد أستاذة العفوية البكائية
الإماراتيون يرفضون دموع الجلسرين
دموع الفنانين والإعلاميين لا سيما المذيعين، ميزة تضاف إلى رصيدهم إذا كانت عفوية وصادقة تصل إلى قلوب المشاهدين. أما عندما يلمس المشاهد التصنع في أداء المشهد الدرامي، يحتسب الدموع جزءاً من التمثيل إن لم يعتبرها دموع تماسيح كما يقال، تخفي وراءها إنساناً غير عاطفي، ويحكم أحياناً على الفنان من خلال هذه المشاهد والدموع الاصطناعية. وإذا كان من السهل استخدام الجلسرين في التمثيل، فإن بعض المذيعين ذرف دموعاً حقيقية أثناء إذاعة خبر حزين أو أمام حالة إنسانية صعبة، رغم وجوب التزام الحياد في المشاعر أثناء تقديم أي مادة إعلامية، فهل تنعكس دموع النجوم في الفن والإعلام إذا كانت حقيقية على صورتهم؟ وهل يعتبر عجز الممثل عن البكاء الطبيعي ضعفاً في الأداء؟ أسئلة كثيرة توجهنا بها إلى فنانين وإعلاميين في الإمارات في هذا التحقيق.
نبدأ بالفنانين في الإمارات وما المعايير التي يرونها للمعايشة المطلوبة التي تؤدي في النهاية لنقل الإحساس بالألم في أي صورة من صوره دموعاً أو ملامح وجه؟
التقينا عدداً من الفنانين والفنانات لنسألهم عن اللحظات التي لا تساعدهم الدمعة على الحضور، وإن كان أغلبهم أكد أن دموعهم في التمثيل غير مصطنعة ومنهم الفنانة عائشة عبدالرحمن التي قالت: بالتأكيد يظهر على الفنان إن كانت دموعه حقيقية أم مصطنعة، حتى وإن اقتصر ذلك على إحساسه الشخصي أثناء مشاهدة أعماله على الشاشة، عن نفسي انفعالاتي بالنص وإحساسي بدوري يدفعاني إلى البكاء بشكل طبيعي إذا تطلب المشهد ذلك.
وأضافت: أعايش الدور باتقان ولا ألجأ إلى انزال دموعي باستخدام مادة الجلسرين التي يلجأ إليها البعض ويطلبها مخرجون. وعند استخدامها تظهر واضحة على الشاشة ومن آثارها احمرار العينين لذلك لا أعتمد عليها.
ولا تحمل عائشة المخرجين المسؤولية لأن معايشة الدور مهمة الفنانين، علماً أن للمخرج دوراً في تأمين الأجواء الملائمة للفنان تساعده على أداء المطلوب منه، وتضيف: عملت مع مخرجين جيدين أمثال محمد دحام والطويل والمكلا.
ولفتت إلى أن الفنانة عموماً سريعة التأثر والانفعال بينما الفنان يستلزم جهداً أكبر لطبيعة الذكورية وعدم اعتياده على البكاء وإظهار دموعه، لذلك مشاهد بكاء الرجل أكثر تأثيراً في المشاهدين وتبقى محفورة في الأذهان، واستشهدت في ذلك بمشهد بكاء للفنان غازي حسين تأثرت به كثيراً.
ورغم اعتراضها على ذكر أسماء ممثلين آخرين يتقنون البكاء على الشاشة، إلا أنها توقفت عند الفنانة حياة الفهد التي تحبها في مشاهد من هذا النوع نظراً لعفويتها وهناك أخريات لا توحي شخصيتهن باللين والعاطفة ولكنهن يتقن أداء هذه الأدوار باعتبار أن البكاء حرفة.
الفنان مرعي الحليان من جانبه قال رداً على سؤالنا إن كانت دموع الفنانين مأجورة: طبعاً مأجورة يدفع لها فلوس وقد يصل ثمن المشهد إلى ثمن حلقة كاملة، ويأتي البكاء على قدر الأجر المدفوع فيصل إلى الذروة أو يهبط ليبدو مشهداً عادياً. ولكن الأصعب اقناع المشاهد، خاصة أن الممثل يجسد مشاعر شخصيته، وكلما حاول الاقتراب من واقع الشخصية واعطاءها الشفافية المطلوبة، تمكن من اقناع المشاهدين، لأن الأدوار مأخوذة من الواقع البشري وفيها مشاعر ينبغي التعبير عنها.
واعتبر الحليان أن الضحك والقهقهة التي تعد نقيضاً للبكاء أصعب في أحيان كثيرة، لأنها برأيه تتطلب حالة شعورية معينة وتركيزاً عالياً، إضافة إلى أنه يمكن الاستعانة بالدموع الاصطناعية، في حين أن القهقهة لا بد أن تكون طبيعية ولا يمكن إضافتها كقناع على الوجه، وتزيد الأمور تعقيداً إذا كان الدور مركباً لحالة نفسية متغيرة تتطلب تقلبات في التعبير.
وأضاف: أنا أعتبر الدموع أسهل من الضحك، خاصة أن كل الأوضاع في العالم العربي تخلق حالة من الحزن يغيب فيها الفرح، والحياة إجمالاً أصبح فيها كمّ كبير من الحزن وكم أصغر من الفرح.
ورأى الحليان أن مسؤولية معايشة الدور لا تقتصر فقط على الممثل بل تمتد إلى المخرج الذي يحمل معه النص الجيد. كما فرق بين ما تعرضه شاشة التلفزيون من مشاعر وما يقوم به الفنان على المسرح، مشيراً إلى أن المسرح يمثل معايشة عفوية في نقل المشاعر بينما أن أكثر ما تقدمه الشاشة مصنوع، ولذلك يفضل العمل المسرحي وآخر أعماله مع الفنان محمد العامري الذي تحول في تجربة جديدة له إلى كاتب ومخرج له رؤية، ويتعاونان في مسرحية جديدة لمصلحة فرقة مسرح كلباء.
وعما يبكيه بعفوية قال الحليان: ابتسامة طفل قد تبكيني وكلمة من شخص عزيز قد تبكيني أيضاً، إلا أن بكاء الرجل يؤثر في أكثر من دموع المرأة.
وسجل الحليان اعجابه بالفنانين عبدالمحسن النمر كنموذج للنفان الذي يعجبه بكاؤه والفنانة فاطمة الحوسني وقال: دموعهما سهلة الحضور، فلديهما حساسية عالية، أحسدهما على شفافية الشعور ودموعهما غير مأجورة.
فيما اكتفت الفنانة موزة المزروعي أم المسرحيين بالقول إن أغلب الفنانين يستخدم أنواعاً من القطرة للبكاء وأضافت: أصبحت مهمة المخرج أن يسانده متخصص ماكياج، دائماً يحتاج إليه في مواقف البكاء، ولذلك لا يقنعني الكثير من الفنانين وإن استطاع ذلك البعض رغم أن هذا البعض قد يضع القطرة، رافضة أن تكون مسألة الاقناع بالدموع ترتبط بنوعها سواء كانت صناعية أم طبيعية، وأن الممثل يستطيع اقناع المشاهد بأدائه حتى لو كانت دموعه من الجلسرين، علماً أن الدموع الطبيعية تبقى الأفضل.
كما لم تفرق المزروعي بين دموع الرجل والمرأة قائلة الدموع واحدة وكذلك المشاعر وأضافت أنها لم تبك في أدوارها التي اقتصرت على أدوار الأم الحنون التي تعبر عن ألمها بملامح وجهها.
واختلف الفنان إبراهيم بوخليف مع ما طرحته موزة المزروعي في أن الدموع الصناعية لا تظهر قائلاً: المشاهد ليس ساذجاً، ويميز بين الممثل الصادق بأدائه والممثل المأجور الذي يبكي لقاء ثمن. إذا توفر الفنان الصادق العاشق لدوره فإنه لا يحتاج إلى قطرات، وإن كان المعنى أكبر من مجرد دمعة فقد يوصل الفنان للمشاهد مشاعر الألم بصدق عندها تكون الدموع تلقائية وعفوية. أما الدموع الصناعية فلا شك تقلل من مصداقية الدور، وتشعر أن الدمعة أصبحت استعراضية ميلودرامية في غير محلها.
وعن الاستعدادات التي يجريها لمثل هذه المشاهد الدامعة قال بوخليف: التحضير الجيد للمشهد ومعايشة آلام الشخصية والتعبير عن هذا الحزن والألم بجملة معينة يؤديان لا محالة إلى البكاء.
وأضاف: أيام دراستي بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت درسنا مسرحيات من الأدب العالمي ومنها يوليوس قيصر الذي جسدت شخصيته وبكيت بعدما ارتديت رداءه وتخيلت عن كبريائه وغروره بعد أن قرر أن يخرج غير عابئ بقتله.
ورغم أن بوخليف اعتاد التحفظ على أسماء الفنانين الذين يعجبونه في أدائهم إلا أنه اعترف أن جابر نغموش يؤثر جداً فيه خاصة في المواقف الدرامية وأن بكاءه طبيعي جداً رغم أنه فنان كوميدي ومن الفنانات اللواتي يعجبنه سميرة أحمد وحياة الفهد.
وكشفت الفنانة أشجان أنها لم تستخدم مطلقاً الجلسرين في التمثيل، وأن دموعها حقيقية، وأنها في إحدى المرات حاولت استخدام قطرة ولكنها لم تدمع، وأنها بكت في فيلم تنباك مع المخرج عبدالله حسن نصف ساعة متواصلة ونفس الأمر تكرر في مسلسل أمواج هادئة مع المخرج حسن أبوشعيرة وأنها من المسرح إلى التلفزيون يسميها المخرجون أم دمعة.
وأضافت: أحاول تحضير نفسي خاصة أنني مثقلة بالهموم والآلام واستخدمها في مصلحة المشاهد، وكلما أحسست بدوري جاء أدائي أكثر صدقاً والجمهور ذكي يعرف صدق الفنان وما يخرج من القلب لا يصل إلا للقلب.
وانضمت أشجان إلى فريق الفنانين الذين لا يرون فرقاً بين بكاء الفنان والفنانة فالكل برأيها يمتلك الأحاسيس والعواطف التي تمكنه من التعبير عن الحالة المطلوبة.
ولكنها اعتبرت الفنانة حياة الفهد أكثر من تستطيع إقناعها بشكل شخصي بالإحساس العالي للتعبير عن البكاء. وأضافت: عملت معها في مسلسل أبله نور واقتربت منها كثيراً وعرفت أن مواقفها طبيعية جداً وعفوية.
واتفقت الفنانة فاطمة الحوسني مع أن حياة الفهد عملاقة في نقل إحساسها بعفوية وأنها تعلمت منها هذا الأسلوب وتعلمت كيف تكون الدموع الحقيقية، وقالت: كنت أعمل معها في مسلسل في قطر منذ سنوات وبكيت لبكائها فقد أحسست أن بكاءها طبيعي جداً وأن أمي تبكي أمامي.
وإلى جانب حياة الفهد، تعتبر فاطمة الفنان الكويتي جاسم النبهان الأكثر صدقاً في أدائه. وعن نفسها تقول الحوسني إن تعمقها في الشخصية التي تؤديها يجعل دموعها تلقائية وعفوية، إضافة إلى أن مشاكلها الشخصية وإحساسها بالألم لبعدها عن أهلها بسبب العمل ودوام سفرها يدفعها لتوظيف حالتها الشخصية والذاتية وأن هذا يجعل دموعها قريبة.
وكشفت الحوسني أنها عاطفية جداً وتكره العصبية وتختار الشخصيات التي تؤديها بحيث تكون قريبة منها.
وقالت: أشعر أن دموعي تنبع من داخلي، والممثلون الزملاء في أعمال مثل عرس الدم أو لعنة امرأة وهو مسلسل جديد أصوره مع الفنانة زينب العسكري يطالبونني بوضع قطرة باعتبارها الأسهل وخوفاً منهم عليّ أن تؤثر حالتي النفسية في كما يمنحني المخرجون الوقت لتقمص ومعايشة الشخصية.
وخلافاً لرأي آخرين اعتبرت الحوسني أن المرأة أكثر إحساساً وقدرة على التعبير عن مشاعرها، وخاصة البكاء لكونها عاطفية.
من جانبه رأى المخرج الشاب عبدالله حسن أن الفنان المنوط به أن يكون أكثر حساسية من غيره ولا بد أن يكون لديه إحساس مرهف بالأشياء وليس مجرد آلة تتحرك بالأمر وأن الفنان بشر يحمل في داخله معاني الحزن والفرح.
وأضاف: التعبير بالألم من خلال الملامح الظاهرة للفنان أكثر تأثيراً في الناس من البكاء، فالموقف نفسه يُبكي حتى وإن لم يبك الفنان، لافتاً إلى أن أعماله التي نفذها ومنها فيلم تنباك والقيظ تعامل فيها مع فنانين جميعهم كانوا يبكون بشكل طبيعي وفي الفيلم الأخير تعامل مع أطفال كانت تعبيراتهم عالية الحساسية وسببت بكاء الكثيرين أمام الشاشة.
وعما يحتاجه كمخرج قال حسن: ليس مطولباً أن يبكي الفنان طبيعياً ولكن المطلوب منه مشهد مبك، يعيش فيه الدور وممكن وضع قطرات في عينيه حتى يبكي، ولكن العفوية في الأداء هي المطلوبة. وأضاف: لست من المخرجين الذين يفضلون الدموع للتعبير واستبدالها بموسيقا مغايرة للموقف.
ورغم ذلك اعتبر حسن أن حياة الفهد تبكيه كمشاهد، والفنان المسرحي إبراهيم سالم الذي عمل معه تتطابق حياته الشخصية كإنسان عاطفي مع أدواره التي يؤديها وخاصة عندما يعبر بالألم بشكل أكبر عن حزنه، وقال: لا أقتنع كثيراً ببكاء موجة الأفلام المصرية الجديدة أو حتى المسلسلات الخليجية الأخيرة، ولكنني تأثرت بفيلم أجنبي بعنوان الصدمة فهو فيلم إنساني لدرجة تظل دموعي تنهمر حتى بعد انتهاء الفيلم.
المذيعون والمذيعات من جانبهم اختلفوا حول لجوئهم إلى البكاء بين تعارضه مع الحرفية وبين من تخلى عن تقديم نشرات الأخبار بسبب المشاهد المبكية.
ميسون عزام من أبرز المذيعات على محطة العربية الإخبارية اعتبرت أن دموع المذيع على الهواء تتناقض مع حرفيته وينبغي ألا يعبر عن أي مشاعر خاصة في مجال الأخبار التي تأخذ منحى سياسياً ويعتبرها البعض محسوبة على من تبكي عليه.
وعن المواقف الإنسانية فضلت أن تعبر عنها تحت الهواء مثل مقتل أطفال أو بكاء أمهات على أبنائهن.
وقالت: لو كنت باكية لبكيت على رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فأنا فلسطينية الأصل. وأحسست أن الرجل يمثل بالنسبة لي رمزاً للشعب الفلسطيني، ولو كنت فعلت وبكيت لكان مطلوب مني أن أبكي وأنا أنعي الرئيس رفيق الحريري أو الرئيس حافظ الأسد وكشفت ميسون أن المحطة نظمت دورة ركزت أساساً على كيفية تجريد المذيع من مشاعره بسبب موت شخصيات معينة أو حوادث تأخذ شكلاً مبكياً ومؤثراً.
ولكنها اعتبرت أنه يمكن التعبير بشكل من الأشكال عن الحزن والاعتراض مثل لبس الأسود حداداً على رحيل الزعماء والرؤساء وهو ما قامت به مذيعات العربية عند رحيل الرئيس صدام حسين.
وأضافت: عادة ما أبكي تحت الهواء على صور حرب العراق والوضع في فلسطين وقتل الأطفال وفي العراق أذكر الفتاة العراقية التي قتلت بشكل بشع أحزنني لدرجة البكاء ولكن تحت الهواء.
وأكدت أن المهنية تفترض أن يتحكم الإعلامي بنفسه حتى لا ينقل رسالة فيما يتعلق بأمور إنسانية ينبغي أن تصل دون تأثير.
ذكريات مصطفى مذيعة بقناة الاقتصادية اعتذرت عن تقديم البرامج الاخبارية بسبب ما تحويه من مشاهد قتل للأطفال والدماء التي تسيل في كل مكان في لبنان والعراق وفلسطين. وفضلت تقديم برنامج حواري على نفس المحطة يحمل صبغة إنسانية وقالت: مؤخراً أثناء تقديم برنامجي أبكاني طفل طلبت إليه تقديم هدية لأمه فقال: أنا يتيم، الجملة أبكتني كثيراً على الهواء، لأنها وقعت في صدري ولمست مشاعر مشابهة لحالة الطفل.
وأضافت: بكاء المذيع ينبغي ألا يخفى فهذه مشاعر إنسانية متفق عليها، وفي الحالة السابقة اتصل بي جمهور عريض يقول بكينا معك. المذيع إنسان يعبر عما بداخله والعفوية موجودة في كل البرامج والمحطات بداية من أشهر البرامج الغربية إلى المحطات العربية.
وعن أسباب اعتذارها عن تقديم نشرات الأخبار أكدت أنها لا تستطيع التماسك أمام أم تبحث في أكياس عن جثة ابنها.
واعتبرت أن المذيعات اللواتي يكتمن مشاعرهن على الشاشة هن في الحقيقة من هذه النوعية. والأمر في النهاية وجهات نظر موضحة أنها لا تبكي كممثلة ولكن الواقع يفرض عليها ذلك، فالمذيع يفترض أن يكون عفوياً لا يداري مشاعره بحسب أحدث نظريات الإعلام.
من جهته أكد المذيع ناصر الجهوري أن الرجل يبكي وفي حال بكى فإن دموعه أكثر إيلاماً وتأثيراً من المرأة.
وميز بين دموع الفنانين والمذيعين، معتبراً أن بكاء مشاهير الفنانين غير مفتعل وإلا ما وصلوا للشهرة وأن المذيع بكاؤه رهن للموقف، وقال: كلنا نتذكر دموع المذيع جابر عبيد التي ذرفها خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية وكيف تأثر الملايين به في حين لو كان المذيع امرأة لكان أمراً عادياً.