اطلبوا العلم ولو في الصين هذه المقولة الداعية إلى الحث على طلب العلم في أي رقعة من بقاع الأرض، استجاب لها عديد من الطلاب الذين اختاروا الدراسة في جامعات خارج الدولة . وعلى الرغم من فرحة الطلاب بسفرهم للدراسة في الخارج إلا أنها قوبلت بمعاناة شديدة تعيشها أسرهم طوال فترة غيابهم، إما بسبب الحزن على فراقهم وابتعادهم لفترة ربما تصل لسبع سنوات عند دارسي الطب أو تمتد أكثر من ذلك إذا أراد الطالب استكمال دراساته العليا، أو المشقة التي يتعرضون لها في البداية حين يسافرون معهم لتجهيز شقة لهم، وإدخال الخدمات كافة إليها من إنترنت وكهرباء، ودفع فواتيرها مقدماً، خاصة إذا كان الطالب لا يحب الإقامة في سكن الطلاب . وتقيم بعض الأسر مع أبنائها فترة من الوقت حتى يعتادوا على البلد . ويظل الأهل مدة سنوات الدراسة مشتتين بين وطنهم والبلد الذي يدرس فيه الابن . ومعظم الأسر تقرر قضاء الإجازات مع الابن لكي يتم جمع شتات الأسرة من جديد أو يذهب أحد أفراد الأسرة للإقامة معه . وهناك بعض الأمهات لم يتحملن فراق الأبناء فوقعن فريسة للمرض النفسي . حالات متعددة عايشتها أسر مختلفة نرصدها هنا من خلال هذا التحقيق . ونرصد أيضاً آراء بعض الطلاب ومعاناتهم مع الأهل حتى يوافقوا على سفرهم .

تحكي فوزية شمس (اختصاصية نفسية في مستشفى راشد) عن مشاعرها المختلطة بين الفرح والقلق لحظة علمها برغبة ابنها في السفر للتعليم في الخارج تقول: مشاعر مختلطة عايشتها في آن، مزيج من الفرح والحزن والقلق، فابني هو أصغر الأبناء في الأسرة ووقتها لم يكن أكمل الثامنة عشرة من عمره، وقرر أن يدرس في إحدى الجامعات الكندية، حيث تخصص في علم الوراثة وهو الآن في السنة الرابعة في الكلية وبقي عام ونصف العام على انتهائه من الدراسة .

تضيف: كان القلق يساورني من كيفية اعتماده على نفسه، ولكننا تركنا له القرار في النهاية، وبالفعل صمم على السفر وحصل على منحة من التعليم العالي وذهبت معه في بداية دراسته ومكثت معه هناك مدة عشرة أيام حتى أرى كيف سيعتمد على نفسه ويدبر أموره، ولم أذهب معه لكي أرتب له أموره، وقررت أن أجلس وأراقبه، وهو يتصرف في كل شؤونه لأعرف كيف سيعيش بعد رجوعي إلى الدولة، ومكثنا في أحد الفنادق هناك لمدة أربعة أيام ثم بحثنا من خلال الإعلانات الموجودة في الجرائد عن سكن مع إحدى الأسر، ووقع اختيارنا في النهاية على أسرة كينية مسلمة يمكنه أن يعيش معها وذلك بعد زيارات قمنا بها معاً لعديد من الأسر، وشعرت بارتياح كبير لهذه الأسرة فالزوجان كبيران في السن ولديهما ابنة متزوجة وليس لديهما أبناء آخرون، وانتقلت معه إلى مسكن الأسرة وجلست معه عدة أيام، ثم تركته ورجعت إلى الدولة .

تستطرد: وحالياً وبعد مرور أربع سنوات على سفره، بدأ القلق يقل تدريجياً، حيث نتواصل يومياً عبر الهاتف أو البلاك بيري أو مواقع التواصل على الإنترنت، ويزورنا بصفة مستمرة في العطل، وفي بداية العام حيث يكون ضغط المذاكرة أقل . ودراسته مستمرة طوال العام، وتصعب علينا زيارته خلال الصيف، حيث يكون لديه دراسة ودورات في المختبرات، والدراسة صعبة ومدتها خمس سنوات ونصف السنة، وهو حالياً يقيم في سكن منفصل ونضطر لأن نرسل إليه أموال كل شهر لأنه على الرغم من أن الدولة تعطيهم نفقات شهرية فإنها لا تكفي، ورفض المكوث في سكن الطلاب لأنه لا يراعي خصوصية كل طالب، فالطلاب فيه من بلاد مختلفة وجنسيات متفرقة وكل منهم لديه ثقافته وطباعه .

وتعيش فاطمة حسين (ربة منزل) هذه الأيام تجربة اغتراب أحد أبنائها، تقول وهي تشعر بضيق بالغ لفراقه: حصل ابني على منحة هذا العام من وزارة التعليم العالي لدراسة الطب في ايرلندا ومدة الدراسة سبع سنوات بالامتياز، وهذه هي المرة الأولى التي يفارقني فيها، وسافر والده معه وسيمكث معه مدة عشرين يوماً كي يدبر له أموره . وعلى الرغم من أن أخته درست الطب في مصر إلا أن هناك فارقاً كبيراً بين السفر لدولة عربية شقيقة وأخرى أوروبية، فلدينا شقة في مصر ونسافر إليها كثيراً، أما أوروبا فهي مجتمع منفتح كثيراً يختلف في عاداته وثقافاته عن عاداتنا العربية .

تضيف: كنت أتمنى أن يدرس ابني الطب في إحدى الجامعات بالدولة، لكن أخته نصحته بدراسة الطب في ايرلندا، فهي سافرت قبله وذهبت إلى دول عديدة لتستكمل دراستها وحصلت على البورد من كندا وأستراليا . وسيقوم إخوته بزيارته بصفة مستمرة، وحالياً زادت قنوات الاتصال ويمكن الاطمئنان عليه بشكل يومي .

تربية الأبناء على الاعتماد على النفس تساعدهم كثيراً عندما يسافرون وحدهم، هكذا تقول فاطمة محمد جواد موظفة في بلدية دبي: يدرس ابني الطيران في إسبانيا لمدة 18 شهراً، ورشحته مؤسسة طيران الإمارات بعد اجتيازه عدة اختبارات، وسافر مع مجموعة من زملائه كانوا معه في المدرسة، وابن عمه تخرج قبله بعام في نفس الكلية، فأرشده إلى كل ما يحتاج إليه قبل السفر وذلك من سابق خبرته بالبلد، وسكن مع زملائه في بيت خاص بالطلاب .

تضيف: أشعر بالاطمئنان كثيراً لأن ابني يعتمد على نفسه منذ صغره وقد عودته على ذلك، فكان يرتب غرفته ويعد الطعام بنفسه، ولكن ضيق الوقت في إسبانيا وكثرة المواد الدراسية جعلته يعتمد على الوجبات الجاهزة، وهو يعتمد على نفسه في غسل ثيابه وكيها، وسكنه قريب من الجامعة ويتدرب على ركوب الخيل في إجازته الأسبوعية . ونتواصل بشكل يومي عبر الهاتف أو البلاك بيري .

إلا أن زميلتها فردوس التميمي في إدارة الصحة والسلامة العامة في بلدية دبي عانت معاناة بالغة وأصيبت بحالة نفسية بسبب سفر ابنتها في بعثة دراسية للتعليم في مدينة ملبورن الأسترالية، حيث تدرس الهندسة الكهربائية .

تقول: مسألة فراق الأبناء صعبة للغاية حيث يكونون في سن صغيرة جداً، وعانيت لفترة طويلة بعد سفر ابنتي مما اضطرني للبحث عن طبيب للعلاج حتى استعيد توازني مرة أخرى، ففراق الأبناء صعب وأنا متعلقة بهم كثيراً، سافرت ابنتي وهي في سن السابعة عشرة من عمرها، وطبقاً للوائح في ملبورن لا يجوز أن نسافر معها، ويجب أن تقيم لدى عائلة ولذلك سافرنا قبلها ووفرنا لها سكناً عائلياً مع إحدى الأسر ودفعنا لها الإيجار لمدة ثلاثة شهور، وعندما وصلت المطار استقبلها مندوب من الجامعة . وأوصلها إلى العائلة التي ستسكن عندها، ورتبنا لها صداقات متعددة مع عدد من الطالبات العربيات خلال زيارتنا للجاليتين الإماراتية والعمانية . وبذلك تأتي فتجد مجتمعاً يمكنها أن تعيش وسطه، وسهل علينا الأمر وجود ابنتي عمتها وهما من عمان وتدرسان قبلها في أستراليا، فلم تسكن مع العائلة الأجنبية إلا فترة صغيرة انتقلت بعدها للعيش مع ابنتي عمتها خاصة أنهما قامتا باستئجار فيلا لأن الابنة الكبيرة تعدى عمرها 22 عاماً . وبعد مرور عدة أشهر بدأت تشتكي من أن الفيلا بعيدة عن الجامعة، فسافرنا مرة أخرى إليها، واستأجرنا شقة باسم والدها وأدخلنا خط الإنترنت في الشقة، ثم انتقلت للعيش فيها وحدها .

وتوضح الأم أن ابنتها كانت في البداية فرحة كثيراً بسفرها وحدها واعتمادها على نفسها وبعدما سكنت وحدها وتحملت مسؤولية تنظيف البيت وطهي الطعام وغسل الملابس بدأت تشعر بالتعب والضيق، لكنها بعد فترة تعودت على ذلك، وأصبحت أساعدها فأرسل لها دفاتر تتعلم منها كيفية طهي الطعام، وعلمتها أيضاً خلال زيارتها كيفية كي الملابس، وكنا نسافر إليها مرتين في العام وهي تأتي لزيارتنا مرتين في العام . وبعد فترة بدأ قلقي عليها يقل تدريجياً، وتشتهر مدينة ملبورن بالأمن، ويحترم سكانها المسلمين، وهذه ليست التجربة الأولى التي أعايشها عند سفر أحد أبنائي للدراسة، فقد سافر ابني قبلها إلى الولايات المتحدة لدراسة المحاسبة والمالية عندما كان أيضاً في سن السابعة عشرة عام ،2003 وعانيت كثيراً لفراقه أيضاً، وعلى الرغم من ذلك فالغربة لها مميزات كثيرة منها تعليم الأبناء الاعتماد على النفس، وصقل مواهبهم وشخصيتهم، وتعليمهم كيفية إدارة المنزل والاقتصاد في الإنفاق .

وهناك تجارب أخرى لأمهات لم يتحملن فراق الأبناء خاصة عندما يكون أصغرهم، ومنهن عائشة محمد عبد الله ربة منزل تقول: تعاني الأسرة التي لديها ولد مغترب معاناة بالغة، حيث يدرس ابني الطيران في الأردن، ومدة دراسته 4 سنوات، واضطر أن يكثف الدراسة في عامين ويدرس صباحاً ومساء، واضطررت لأن أسافر وأعيش معه، كي يتمكن من تحقيق حلمه، فهو أصغر إخوته والباقون متزوجون، وقمنا باستئجار شقة والاستعانة بسائق كي يقضي لنا متطلباتنا الرئيسية، ونرجع إلى الإمارات في الأعياد والمناسبات وإجازة آخر العام .

بينما يرى بعض الطلاب أن دعم الأسر لهم وشدهم من أزرهم وحثهم على طلب العلم يشجعهم على السفر لتحقيق أحلامهم والحصول على أعلى الشهادات لخدمة الوطن .

يقول الطالب محمد الشامسي: هذا هو العام الثامن لي على غربتي بعيداً عن أهلي فقد قررت السفر للحصول على منحة لدراسة إدارة عامة في جامعة ميتروبوليتان في لندن، وكانت مدة الدراسة خمس سنوات أنهيتها وحصلت على البكالوريوس وحالياً استكمل دراسة الماجستير، وسأنتهي منه هذا العام، وعلى الرغم من أنني في بداية سفري كان عمري 17 عاماً إلا أن والدي شجعني على السفر وأخبرني أن الشهادة من جامعة لندن تكون أفضل بكثير من أي جامعة داخل الدولة، وإزاء إصراره وتشجيعه لي سافرت إلى هناك، وأقمت في البداية مع أسرة إنجليزية لمدة ستة أشهر، ثم سكنت بعد ذلك في سكن منفصل، وتعلمت اللغة الإنجليزية في جامعة كمريدج، وهون علي الغربة وجود اثنين من أخوالي يدرسان أيضا في لندن .

وعلى الرغم من قلق الأسر تكون فرحة الأبناء كبيرة بالتجربة الجديدة التي سيعايشونها ولو لفترة قصيرة . يشعرون خلالها بالاستقلالية عن الأسرة، تقول لمياء عبدالله (بكالوريوس إعلام - تقنية دبي): تجربة اغتراب الفتاة للتعلم مرفوضة حتى الآن عند بعض الأسر الإماراتية التي ربما توافق على سفر الابن، ولكنها ترى ذلك عيباً للفتاة ولا يمكن تقبله، وقد حدث ذلك معي فقد رشحتني الجامعة لحضور دورة تدريبية عن تعدد الثقافات والمرأة في الإسلام في معهد آل مكتوم في اسكتلندا، وفي البداية واجهت رفضاً كبيراً من أسرتي حتى طلبت الجامعة أن تجتمع مع أولياء أمور الطلبة المرشحين للسفر، وطمأنتهم على الأماكن التي سنعيش فيها، حيث تم اختيار مكان ريفي آمن مخصص لكبار السن، وحجزت الجامعة لنا جناحاً خاصاً في الفندق بعيدا عن باقي النزلاء وبذلك شعر الأهل ببعض الآمان فوافقوا على السفر خاصة أن هناك مشرفات مصاحبات لنا .

تضيف: عاشت أسرتي طوال هذا الشهر في حالة من القلق . وكنت أتصل بها يومياً لأطمئنها عليّ، وكان أفراد أسرتي يتصلون بالمشرفات اللواتي أرسلتهن الجامعة معنا كي يطمئنوا عليّ .

ومرت بالتجربة نفسها عائشة شكر الله (تقنية دبي) تقول: عرض علي منذ كنت في السنة الأولى في الكلية حضور دورة لمدة شهرين في الولايات المتحدة عن تبادل الثقافات، ورفض والدي ذهابي خوفاً عليّ ولكنهم إزاء إصراري على حضورها وافقا في العام الثالث . تضيف: كانت الدورة على مستوى شباب من الوطن العربي ولم يكن هناك غير خمسة طلاب فقط من دولة الإمارات، ولكنهم أطمئنوا بعد ذهابي إلى السفارة مع مجموعة من زميلاتي وطمأنونا إلى مكان إقامتنا وكيفية تواصل الأهل معهم للاطمئنان علينا .

محمد عمر: أنانيون من يمنعون أبناءهم من تحقيق أحلامهم

يرى محمد شريف عمر مدير عام شركة أبحاث تسويقية في الشارقة أنه يجب ألا يكون الآباء أنانيين، ويمنعون الأبناء من تحقيق أحلامهم خوفاً من ابتعادهم عنهم، فالأبناء يرسمون مستقبلهم ويحلمون بتحقيقه مهما كلفهم من مشقة في البداية .

ويقول: أنهى ابني دراسته وحصل على الثانوية الإنجليزية هذا العام بتقدير مرتفع، وقام بالبحث من خلال مواقع الإنترنت عن الجامعات العالمية التي تدرس الاقتصاد، حيث يحلم بدراسة اقتصاد الشعوب لمعرفة كيفية وضع الحلول المثلى للقضاء على البطالة في الدول الفقيرة وإيجاد وظائف لأفرادها . ووقع اختياره على جامعة أدنبرة باسكتلندا ومدة الدراسة فيها 4 سنوات، وعلى الرغم من أنها المرة الأولى التي يفارقنا فيها ويسافر بعيداً عنا إلا أنني وجدت أن السفر سيحقق أحلامه، وبعد أن استقر رأيه على الجامعة التي سيدرس فيها، قادني الحظ لمقابلة أحد المستشارين لشركة اسكتلندية وحصلت منه على بعض المعلومات عن البلد التي سيذهب إليه الابن، وقابلني بزميلة يدرس ابنها الهندسة في الجامعة نفسها وتقابل ابني مع ابنها وتعرف منه على كثير من المعلومات التي سيحتاجها هناك .

ويوضح عمر: وبدأت والدته تعلمه كيفية إعداد الطعام وترتيب الشقة وفرز الملابس حتى يتمكن عندما يسافر من تحمل مسؤولية نفسه . وعندما حان موعد السفر قررت الذهاب معه لمدة 11 يوماً حتى تتمكن من إنهاء إجراءات تسجيله بالكلية وحصوله على بطاقة الطالب، واستئجار شقة له قريبة من الكلية وفتح حساب في البنك باسمه وإدخال الانترنت له، وتعريفه كيفية ترتيب البيت والحفاظ عليه .

يضيف: ورتبنا أوضاعنا على أن أسافر إليه بعد شهر حتى لا نتركه في البداية لفترة طويلة وحيداً، ثم يرجع هو بعد انتهاء الفصل الدراسي الأول في شهر ديسمبر/كانون الأول لمدة ثلاثة أسابيع، وفي إجازة الفصلين الثاني والثالث .