محمد حماد
‮«‬إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في‮ ‬سبيل الله أولئك‮ ‬يرجون رحمة الله والله‮ ‬غفور رحيم»، (‬البقرة‮: 812) الآية فيها دعوة إلى الهجرة إلى الله والفرار إليه،‮ ‬ويعزوها بعض المفسرين إلى وقائع معينة وأشخاص محددين،‮ ‬وهي‮ ‬بالتأكيد لا تخص الرجال من المهاجرين من دون النساء،‮ ‬والرأي‮ ‬الراجح أنها تشمل كل المهاجرين والمهاجرات،‮ ‬وأولى النساء اللاتي‮ ‬يذكرن في‮ ‬موضع الهجرة هي‮ ‬أسماء بنت أبي‮ ‬بكر،‮ ‬التي‮ ‬واكبت هجرة النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وأبيها إلى المدينة،‮ ‬وكان لها دور بارز في‮ ‬نجاح خطة الهجرة،‮ ‬وفوات أمر كشفها على الكفار والمشركين‮.‬
هي‮ ‬أم عبد الله القرشية التيمية،‮ ‬المكية،‮ ‬ثم المدنية،‮ ‬المهاجرة،‮ ‬أبوها أبو بكر الصديق صاحب رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وأول خليفة للمسلمين،‮ ‬وأختها لأبيها زوج رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وحبيبته‮: ‬عائشة أم المؤمنين،‮ ‬وهي‮ ‬شقيقة عبد الله بن أبي‮ ‬بكر،‮ ‬وزوجة الزبير بن العوام،‮ ‬وأم الخليفة عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين‮.‬

ذات النطاقين

كان إسلام ‬أسماء بنت أبي‮ ‬بكر،‮ قديما بمكة،‮ ‬وكانت أسن من عائشة، ‬وكان لها في‮ ‬هجرة الرسول‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬مواقف مشهودة،‮ ‬وكانت هي‮ ‬التي‮ ‬صنعت سفرة‮ (‬وهي‮ ‬طعام المسافر‮) ‬النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬حين أراد الهجرة،‮ ‬تقول‮: ‬صنعت سفرة النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في‮ ‬بيت أبي‮ ‬بكر حين أراد أن‮ ‬يهاجر إلى المدينة،‮ ‬فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به،‮ ‬فقلت لأبي‮ ‬بكر‮: ‬والله ما أجد شيئاً أربطه به إلا نطاقي،‮ ‬قال‮: ‬فشقيه باثنين فاربطي‮ ‬بواحد السقاء وبالآخر السفرة،‮ ‬ففعلت،‮ ‬فلذلك سميت ذات النطاقين،‮ ‬وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في‮ ‬الجنة‮.‬
وظلت‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنها‮ - ‬صامدة صابرة،‮ ‬بعد هجرة أبيها مع الرسول‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬إلى المدينة،‮ ‬حسنة التصرف والتدبير،‮ ‬وضربت المثل في‮ ‬الشجاعة حين أتاهم نفر من قريش،‮ ‬منهم أبو جهل عمرو بن هشام،‮ ‬فوقفوا على باب أبي‮ ‬بكر،‮ ‬فخرجت إليهم،‮ ‬فقالوا‮: ‬أين أبوك‮ ‬يا بنت أبي‮ ‬بكر؟ تقول‮: ‬قلت‮: ‬لا أدرى والله أين أبي‮. ‬فرفع أبو جهل‮ ‬يده،‮ ‬وكان فاحشاً خبيثاً،‮ ‬فلطم خدي‮ ‬لطمة خر منها قرطي،‮ ‬ثم انصرفوا‮.‬
وكانت تحمل الطعام إلى النبي‮ ‬وأبيها في‮ ‬غار ثور،‮ ‬وواست أهلها،‮ ‬وكان أبوها قد تركهم من دون مال،‮ ‬وأفاضت عليهم من رعايتها الكثير،‮ ‬وتروي‮ ‬أنه لما توجه رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر،‮ ‬حمل أبو بكر معه جميع ماله‮ - ‬خمسة آلاف أو ستة آلاف‮ - ‬فأتاني‮ ‬جدي‮ ‬أبو قحافة،‮ ‬وقد ذهب بصره،‮ ‬فقال‮: ‬إن هذا والله قد فجعكم بماله مع نفسه،‮ ‬فقلت‮: ‬كلا‮ ‬يا أبة،‮ ‬قد ترك لنا خيراً كثيراً،‮ ‬فعمدت إلى حجارة فجعلتهن في‮ ‬كوة في‮ ‬البيت،‮ ‬كان أبو بكر‮ ‬يجعل ماله فيها،‮ ‬وغطيت على الأحجار بثوب،‮ ‬ثم جئت به،‮ ‬فأخذت‮ ‬يده فوضعتها على الثوب،‮ ‬فقلت‮: ‬ترك لنا هذا‮. ‬فجعل‮ ‬يجد مس الحجارة من وراء الثوب،‮ ‬فقال‮: ‬أما إذ ترك لكم هذا فنعم،‮ ‬تقول أسماء‮: ‬ولا والله ما ترك لنا قليلاً ولا كثيراً‮.‬

زوجة الزبير

تزوجت من الزبير بن العوام رضي الله عنه،‮ ‬وهاجرت هي‮ ‬وزوجها إلى المدينة وهي‮ ‬حامل بعبد الله،‮ ‬فوضعته بقباء،‮ ‬أول مقدمهم المدينة،‮ ‬فهاجر وهو جنين،‮ ‬وكان أول مولود في‮ ‬الإسلام بالمدينة بعد هجرة النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وحمل إلى الرسول فقبله وحنكه،‮ ‬فكان أول ما دخل جوفه ريقه‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وحمله المسلمون وطافوا به المدينة مهللين مكبرين‮. ‬
وكانت‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنها‮ - ‬تؤثر رضا الله تعالى،‮ ‬وتجعل دونه كل رضا،‮ ‬ويروى أن أمها قتيلة بنت عبد العزى،‮ ‬وكانت مشركة،‮ ‬وكان أبو بكر طلقها في‮ ‬الجاهلية،‮ ‬قدمت عليها بهدايا زبيب وسمن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها إلى بيتها،‮ ‬وقالت لأمها‮: ‬لا أقبلها حتى‮ ‬يأذن لي‮ ‬رسول الله،‮ ‬ولا تدخلي‮ ‬عليّ،‮ ‬وأرسلت من فورها إلى أختها عائشة،‮ ‬قالت‮: ‬سلي‮ ‬رسول الله،‮ ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: ‬لتدخلها ولتقبل هديتها،‮ ‬فأدخلتها أسماء،‮ ‬وقبلت هديتها،‮ ‬وأنزل الله تبارك وتعالى‮: «‬لا‮ ‬ينهاكم الله عن الذين لم‮ ‬يقاتلوكم في‮ ‬الدين ولم‮ ‬يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم‮»‬،‮ ‬إلى قوله‮: «‬ومن‮ ‬يتولهم فأولئك هم الظالمون‮» (‬الممتحنة: 9).
وروى‮ ‬عروة عنها،‮ ‬قالت‮: ‬تزوجني‮ ‬الزبير وما له شيء‮ ‬غير فرسه؛ فكنت أسوسه وأعلفه،‮ ‬وأدق لناضحه النوى،‮ ‬وأستقي،‮ ‬وأعجن،‮ ‬وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي‮ ‬أقطعه رسول الله على رأسي‮ ‬وهي‮ ‬على ثلثي‮ ‬فرسخ فجئت‮ ‬يوماً،‮ ‬والنوى على رأسي،‮ ‬فلقيت رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬ومعه نفر،‮ ‬فدعاني،‮ ‬فقال‮: «‬إخ،‮ ‬إخ‮»‬،‮ ‬ليحملني‮ ‬خلفه؛ فاستحييت،‮ ‬وذكرت الزبير وغيرته،‮ ‬قالت‮: ‬فمضى،‮ ‬فلما أتيت الزبير أخبرته،‮ ‬فقال‮: ‬والله،‮ ‬لحملك النوى كان أشد عليّ‮ ‬من ركوبك معه‮. ‬قالت‮: ‬حتى أرسل إليّ‮ ‬أبو بكر بعد بخادم،‮ ‬فكفتني‮ ‬سياسة الفرس،‮ ‬فكأنما أعتقني‮.‬

أم استثنائية

عاشت أسماء بنت أبي‮ ‬بكر إلى أن ولي‮ ‬ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة،‮ ‬وكانت لها معه مواقف‮ ‬يتضح منها معدنها النفيس،‮ ‬خاصة لما حاصره الحجاج الثقفي‮ ‬في‮ ‬مكة،‮ ‬وكان ابنها عبد الله‮ ‬يشاورها،‮ ‬وكانت‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنها‮ - ‬تشير عليه،‮ ‬وكانت تقول ما تراه حقاً وما تتمناه صدقاً،‮ ‬مصرحة بذلك من‮ ‬غير إيماء ولا استحياء،‮ ‬دخل عليها عبد الله،‮ ‬بعد أن خذله أنصاره مستيئسين من النصر على الحجاج،‮ ‬فقال لها‮: ‬يا أماه ما ترين؟ قد خذلني‮ ‬الناس،‮ ‬وخذلني‮ ‬أهل بيتي،‮ ‬فقالت‮: ‬لا‮ ‬يلعبن بك صبيان بني‮ ‬أمية،‮ ‬عش كريماً أو مت كريماً،‮ ‬فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر‮ ‬يسير،‮ ‬فجعل‮ ‬يقاتل في‮ ‬شجاعة جيش الحجاج،‮ ‬ولما نادى الحجاج عبدالله بن الزبير ليقبل الأمان ويدخل في‮ ‬طاعة أمير المؤمنين،‮ ‬دخل على أمه أسماء،‮ ‬فقال لها‮: ‬إن هذا‮ (‬يعني‮ ‬الحجاج‮)‬،‮ ‬قد أمنني،‮ ‬قالت‮: ‬يا بني،‮ ‬لا ترض الدنية،‮ ‬فإن الموت لا بد منه‮. ‬قال‮: ‬إني‮ ‬أخاف أن‮ ‬يمثّل بي‮. ‬قالت‮: ‬يا بني‮ ‬ما‮ ‬يضير الشاة سلخها بعد ذبحها‮؟ ‬عندئذ خرج فقاتل قتالاً باسلاً حتى استشهد،‮ ‬وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه،‮ ‬ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان،‮ ‬وصلبه منكساً‮. ‬

في مواجهة الحجاج

ودخل عبد الله بن عمر‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنهما‮ - ‬المسجد،‮ ‬وذلك حين قتل ابن الزبير وهو مصلوب ومطروح،‮ ‬فقيل له‮: ‬إن أسماء في‮ ‬ناحية المسجد،‮ ‬فمال إليها،‮ ‬فقال‮: ‬إن هذه الجثث ليست بشيء،‮ ‬وأما الأرواح عند الله،‮ ‬فاتقي‮ ‬الله،‮ ‬وعليك بالصبر‮. ‬فقالت‮: ‬وما‮ ‬يمنعني،‮ ‬وقد أهدي‮ ‬رأس‮ ‬يحيى بن زكريا إلى بغي‮ ‬من بغايا بني‮ ‬إسرائيل‮.‬
ومر عبد الله بن عمر على عبد الله بن الزبير وهو مصلوب،‮ ‬فقال له‮: ‬«السلام عليك أبا خبيب،‮ ‬أما والله لقد نهيتك عن هذا ثلاثاً،‮ ‬أما والله ما علمت إن كنت لصواماً،‮ ‬قواماً،‮ ‬وصولًا للرحم،‮ ‬وإن أمة أنت شرهم لأمة صدق»،‮ ‬فلما بلغ‮ ‬ذلك الحجاج أمر به فطرح في‮ ‬مقابر اليهود،‮ ‬ثم أرسل إلى أمه أن تأتيه،‮ ‬فأبت أن تأتيه،‮ ‬فأرسل إليها‮: ‬«لتأتين أو لأبعثن إليك من‮ ‬يسحبك بقرونك حتى‮ ‬يأتيني‮ ‬بك‮». ‬فأرسلت إليه‮: «‬والله لا آتيك حتى تبعث إلي من‮ ‬يسحبني‮ ‬بقروني»‮. ‬فلما رأى ذلك خرج‮ إليها‮ وهو يمشي‮ ‬مشية فيها اهتزاز وتبختر‮ ‬حتى دخل عليها،‮ ‬فقال‮: ‬كيف رأيتني‮ ‬صنعت بعبد الله؟ قالت‮: ‬رأيتك أفسدت عليه دنياه،‮ ‬وأفسد عليك آخرتك،‮ ‬وقد بلغني‮ ‬أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين،‮ ‬وقد والله كنت ذات نطاقين،‮ ‬أما أحدهما،‮ ‬فنطاق المرأة الذي ‬لا تستغني‮ ‬عنه،‮ ‬وأما الآخر،‮ ‬فإني‮ ‬كنت أرفع فيه طعام رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬وطعام أبي،‮ ‬فأي‮ ‬ذلك‮ - ‬ويل أمك‮ - ‬عيرته به؟ أما إن رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬كان‮ ‬يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان،‮ ‬كذاب،‮ ‬ومبير،‮ ‬فأما الكذاب فابن أبي‮ ‬عبيد،‮ ‬وأما المبير فأنت‮. ‬فانصرف عنها ولم‮ ‬يراجعها‮.‬
وظلت تتمنى ألا تموت حتى‮ ‬يدفع إليها ابنها لتغسله وتدفنه،‮ ‬حتى جاء كتاب عبدالملك بن مروان إلى الحجاج يأمره فيه بأن‮ ‬يدفع بعبد الله إلى أهله،‮ ‬فأتى به أسماء فغسلته وطيبته ‬وصلت عليه ثم دفنته وماتت بعده بأيام في‮ ‬آخر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين،‮ ‬وكانت قد فقدت بصرها،‮ ‬ولم‮ ‬تسقط لها سن،‮ ‬ولم‮ ‬ينكر لها عقل،‮ ‬وكانت آخر من مات من المهاجرين والمهاجرات‮. رضي الله عنها.