منذ أن بزغ فجر الإسلام ليحرر الإنسان من العبودية لغير الله عرفت مسيرته الخيرة نساء عظيمات خلدهن التاريخ بما قدمن من تضحيات، وما سجلن من مواقف مشرفة كان لها أثرها في انتشار رسالة الحق في ربوع العالم .
ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .

رحلتنا اليوم مع امرأة مجاهدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، تحملت الكثير من العنت، من أجل دعوة الحق فهي من المهاجرين في سبيل الله الذين فضلهم وامتدحهم فقد تركوا أهلهم وأحباءهم وديارهم ومراتع صباهم وأموالهم وراء ظهورهم وهاجروا في سبيل الله وعملوا على نشر دينه وبث رسالته حيث ذهبوا .
هي صحابية جليلة من أشرف نساء مكة ومن أسبقهن في دخول الإسلام، هاجرت مرتين وتزوجت ثلاثة من أجلْ صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم .
إنها أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث . وهي أخت لميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة زوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية الأم، وأخت لسلمى بنت عميس زوجة حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، عم النبي، صلى الله عليه وسلم، من ناحية الأب والأم .

الهجرة الأولى

تزوجت أسماء من جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من السابقين الأولين للإسلام، حيث أسلمت حين كان المسلمون يُعدون على الأصابع، وتعرضت وزوجها لأنواع شتى من الأذى والإهانة من كفار قريش، ولم يهتز إيمانها بالإسلام، ولم تضعف في مواجهة قلوب قاسية صرفها الكفر والعناد عن رسالة الحق والعدل .
أشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه مما يتعرضون له، وفي الوقت ذاته كان راغباً في فتح آفاق جديدة لدعوته، فأشار على المسلمين بالهجرة إلى الحبشة وهي أرض يعرفونها جيداً ويعرفون أهلها لما بينهم من علاقات تجارية، فقال لهم "تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم"، قالوا: إلى أين نذهب يا رسول الله؟ فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: "إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه" .
استجاب جعفر وزوجه أسماء لنصيحة وتوجيه رسول الله لهما بالهجرة، فخرجا مع أول فوج يهاجر إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة، وكان هذا الفوج يضم عشرة رجال وأربع نسوة، منهم: عثمان بن عفان وزوجه رقية، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجه أم سلمة، وعثمان بن مظعون وغيرهم، وكانت هجرتهم في شهر رجب، وفي شوال من السنة نفسها عادوا إلى مكة عندما بلغهم أن أهل مكة أسلموا لكن تبين لدى عودتهم أن الخبر كان غير صحيح، فقد وجدوا أهل مكة أشد كفرا وإيذاء للمسلمين، فهاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة وكان معهم بعض أفراد الهجرة الأولى، وكان عدد المهاجرين هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة، وكان أميرهم جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء، وفي أرض المهجر ولدت له ثلاثة أبناء هم: عبدالله، وعوف، ومحمد .
ولم يكتف كفار قريش بإجبار هؤلاء على ترك ديارهم وأحبائهم وما يمتلكون، بل قرروا مطاردتهم حيث هاجروا، فأوفدوا وفدا إلى النجاشي ملك الحبشة يطلب منه تسليم هؤلاء المهاجرين، وكان على رأس هذا الوفد عمرو بن العاص وكان يلقب في ذلك الوقت ب(داهية العرب) ومعه عتبة بن أبي ربيعة، وعقد النجاشي مجلساً جمع قساوسته ووزراءه وحضره وفد قريش وعدد من المهاجرين، فتكلم كل من الجانبين وعرض حجته، وكان المتحدث باسم المسلمين جعفر بن أبي طالب الذي ساق حججه المنطقية بأداء رائع وعندما تلا آيات من سورة مريم بكى النجاشي وقال: "هذا الكلام وكلام عيسى بن مريم من مشكاة واحدة"، وأمر باستضافة المهاجرين وحسن معاملتهم وإقامتهم في بلاده معززين مكرمين ورد وفد قريش مهزومين مدحورين .

استشهاد جعفر

وطوال سنوات الهجرة الثانية، التي امتدت لاثني عشر عاماً، كانت أسماء بنت عميس تقوم بواجبها مع زوجها جعفر في الدعوة إلى الإسلام، ويبشران برسالة السماء الخاتمة، وفي خلال هذه الفترة كان النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة المنورة واستقر فيها وخاض المسلمون عدة غزوات للتمكين للدعوة أشهرها غزوات بدر وأحد والخندق، وفي السنة السابعة للهجرة فتح الله على المسلمين خيبر، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد آن الأوان لأن يرد غربة المهاجرين في الحبشة فأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليبعث بهم إلى المدينة فاستجاب له، وعاد المهاجرون في سفينتين إلى المدينة وعلى رأسهم جعفر وزوجه أسماء وأبناؤهما . وكانت فرحة النبي صلى الله عليه وسلم بلقاء جعفر وأهله كبيرة وقبّله بين عينيه .
ويروى أن الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يزور ابنته أم المؤمنين حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أسماء بنت عميس عندها عقب عودتها من الهجرة، فقال لها على سبيل الدعابة: يا حبشية لقد سبقناكم بالهجرة . . فغضبت وقالت: لقد صدقت، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء الطرداء . . أما والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأذكرن له ذلك . وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين .
فقال صلى الله عليه وسلم: "بل لكم هجرتان هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إلى المدينة" . وفي رواية أخرى قال لها: "ليس بأحسن بي منكم وله أي عمر ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة أو أصحاب السفينة هجرتان" .
لم تدم فرحة جعفر وزوجه أسماء بالعودة والاستقرار بالقرب من رسول الله طويلاً، فقد استشهد جعفر في غزوة مؤتة، كما استشهد في الغزوة زيد بن ثابت وعبدالله بن رواحة .
بكى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تلقيه خبر استشهاد القادة الثلاثة، وأصابه حزن شديد، وقال: "استنفروا لأخيكم جعفر فإنه شهيد، فقد دخل الجنة وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت مع الملائكة"، ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجته أسماء لتبعث إليه بأبناء جعفر فأتي بهم فقال: "اللهم إن جعفراً قد قدم إليك إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بخير ما خلفت عبداً من عبادك الصالحين" .
وحين أخبر النبي أسماء باستشهاد جعفر بكت وناحت فقال لها: "يا أسماء لا تقولي فجراً ولا تضربي صدراً" فسمعت وأطاعت رضا بقضاء الله، وبكت فاطمة ابنة رسول الله فقال النبي: "على مثل جعفر فلتبك الباكية"، ثم قال لأسماء: "يا أسماء ألا أبشرك؟"، قالت، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: "كان الله قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة" وكان قد قطعت ذراعاه في غزوة مؤتة ففرحت وقالت: بأبي أنت وأمي فأعلم الناس بذلك يا رسول الله . . ففعل الرسول ذلك حيث خرج إلى المسجد ونعى جعفراً باكياً وأعلن بشارته له .

مع الصديق

بعد رحيل الصحابي المجاهد جعفر ابن أبي طالب تفرغت أسماء لتربية أبنائها وازدادت قرباً من رسول الله تنهل من دعوته وتحفظ أحاديثه، ثم تزوجت من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأنجبت له ابنهما محمداً في العام العاشر للهجرة، وعاشت مع الصديق أحداث خلافته الجسام ما بين العامين الحادي عشر والثالث عشر للهجرة، وكانت له خير زوجة ونعم معين، تشد أزره وتحيطه برعايتها وتسانده بحبها وتقدم له الرأي والمشورة، حتى اقترب من موعده المحتوم فمرض بالحمى خمسة عشر يوماً وعندما شعر بدنو الأجل عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخلافة، وفي جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة لقي وجه ربه وغسلته أسماء تنفيذاً لوصيته . وصلى عليه عمر بن الخطاب بين قبر رسول الله ومنبره ثم دفنه إلى جوار رسول الله .

الأحزان تتوالى

سيطرت أسماء على أحزانها بعد رحيل أبي بكر وتفرغت لأمور دينها وتربية أبنائها، ولما انقضت عدتها تزوجها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فعاشت معه قريرة العين لا تجد منه إلا خيراً، فقد كفلها مع أولادها وأحسن إليها وعلمها المزيد من أمور دينها .
يروى أن ابني أسماء من زوجيها السابقين وهما: محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر اختلفا أثناء نقاش بينهما في حضور علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر: أنا أكرم منك وأبي خير من أبيك . فقال علي كرم الله وجهه لأسماء: اقضي بينهما يا أسماء . فقالت: ما رأيت شاباً من العرب خيراً من جعفر ولا رأيت كهلاً خيراً من أبي بكر . فقال علي: ما تركت لنا شيئاً ولو قلت غير ذلك لمقتك أي لكرهتك وهكذا استطاعت أسماء بلباقتها أن تنزع فتيل خلاف بين أخوين وأن تنصف زوجيها العظيمين .
عاشت المرأة الصبورة مع زوجها علي بن أبي طالب أحداث الفتنة الكبرى، وفي هذه الفتنة قتل ابنها محمد بن أبي بكر وكان والياً على مصر من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصبرت واحتسبت ثم استشهد علي كرم الله وجهه فزادت حزناً وزادت احتساباً، وكان استشهاده في السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة .