يمكنك أن تعد على أصابع يديك عدد المناقب والصفات التي حازتها امرأة واحدة لتعرف كم كانت شخصية فوق العادة، وابدأ الآن بالعد: هاجرت الهجرتين، وصلت إلى القبلتين، وتزوجت من خليفتين، وتزوجت من أخين، وهي زوج الشهيدين، وهي أم المحمدين، وهي أخت اثنتين من أمهات المؤمنين، فهي أكرم الناس أصهارا، ويكفيها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وعمه حمزة، وعمه العباس رضي الله عنهما من أصهارها، فهي أخت أم المؤمنين: زينب بنت خزيمة أم المساكين، وأم المؤمنين: ميمونة بنت الحارث آخر من تزوجهن النبي، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وأخت سلمى زوجة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ومن شقيقاتها، العصماء أم خالد بن الوليد رضي الله عنه.
تريد الآن أن تعرف من هي؟
هي أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب الله الخثعمية، من خثعم، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن كنانة.
ذات الهجرتين
أسلمت أسماء بنت عميس قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بمكة، وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وهاجرت معه إلى المدينة المنورة سنة سبع هجرية، وكان بعض الناس يقولون لمن هاجروا إلى المدينة من الحبشة: نحن سبقناكم بالهجرة، فأحزن هذا أسماء بنت عميس، ومن كانوا معها، ودخلت يوما على حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: آلحبشية هذه؟ آلبحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء، البغضاء في الحبشة، وذلك في الله، وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أذكر ما قلت لرسول الله، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله وأسأله، ووالله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، تقول أسماء: فلقد رأيت أصحاب السفينة يأتونني ارسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت شخصية إيجابية، تتحرك حبا في الله ولدينه ولرسوله، وطلبا للعلم، ويروى أنها لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر ابن أبي طالب دخلت على نساء النبي فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قيل: لا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، قال: وممَ ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بالخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله هذه الآية: إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصّادقين والصّادقات والصّابرين والصّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصّائمين والصّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذّاكرين اللّه كثيرا والذّاكرات أعدّ اللّه لهم مغفرة وأجرا عظيما.
الزوجة الصالحة
تزوجت أسماء من ثلاثة كلهم أخيار، فكانت أولا تحت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وعادت معه من الحبشة إلى المدينة سنة سبع، فكانت لهم هجرتان، وقتل جعفر بغزوة مؤتة شهيدا في جمادى الأولى سنة ثماني من الهجرة، وتزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في يوم حنين، ومات عنها، ثم خلف عليها الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومات عنها وعاشت بعده، وولدت لجعفر ثلاثة أبناء هم: عبد الله، وعون، ومحمد، وولدت لأبي بكر محمد، ولدته في حجة الوداع، وولدت لعلي يحيى، فهم جميعا إخوة لأم.
لم يكد ينقضي عام على مقامها مع زوجها جعفر بن أبي طالب في المدينة المنورة حتى استشهد في غزوة مؤتة، وقد أحست بقلبها بأن شيئا قد جرى لزوجها حين دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسماء أين بنو جعفر؟ تقول: فجئت بهم إليه، فضمهم وشمّهم ثم ذرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول الله لعله بلغك عن جعفر شيء، قال: نعم، قتل اليوم، قالت: فقمت أصيح، فاجتمع إليّ النساء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أسماء لا تقولي هجرا، ولا تضربي صدرا، قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على ابنته فاطمة وهي تقول: واعماه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على مثل جعفر فلتبك الباكية، ثم قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم.
وبعد عام زوج النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أسماء بنت عميس، وذلك يوم حنين، وفي الصحيح أنه لما تزوج أبو بكر رضي الله عنه أسماء بعد جعفر بن أبي طالب، فأقبل يوما داخلا عليها فإذا نفر من بني هاشم جلوس في بيته، فكره ذلك، ووجد في نفسه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد برأها من ذلك، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان، قال عبد الله بن عمر: فما دخلت بعد ذلك العام على مغيبة إلا ومعي واحد أو اثنان.
وفي حجة الوداع خرج أبو بكر حاجاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة، وخرجت أسماء معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة، ولدت أسماء محمداً بن أبي بكر، واحتاجت أن ترسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله ماذا تفعل؟، فأتى أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمرها أن تغتسل، ثم تهل بالحج، وتصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف بالبيت.
توفي الصديق عنها بعد قرابة أربع سنوات من زواجه منها، وقد أوصى لما حضره الموت أن تغسله، فغسلته، وتزوجت بعده أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد تفاخر في حضوره ابناها وقد كانا في كنفه: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، فقال كل منهما: أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال علي لأمهم: اقض بينهما، قالت: ما رأيت شابا من العرب خيراً من جعفر، ولا رأيت كهلاً خيراً من أبي بكر، فقال علي: ما تركت لنا شيئا، ولو قلت غير الذي قلت لمقتك.
مع فاطمة الزهراء
كانت أسماء تحب الرسول صلى الله عليه وسلم ومعلقة بآل البيت جميعا، وسمت اثنين من أبنائها باسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم محمد الكبير بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، وحسب بعض الروايات فقد كانت موجودة إلى جانب فاطمة يوم زفافها بناء على وعد سابق قطعته على نفسها أمام أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عندما أدركتها الوفاة، وتحكي أسماء بنت عميس ليلة دخول علي بن أبي طالب على فاطمة، فتقول: لما أهديت فاطمة إلى علي بن أبي طالب لم نجد في بيته إلا رملا مبسوطا ووسادة حشوها ليف وجرة وكوزا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه قال: لا تحدثن حدثا، أو قال: لا تقربن أهلك حتى آتيك، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أثم أخي؟ فقالت أم أيمن: يا رسول الله هذا أخوك، وزوجته ابنتك، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه وآخى بين علي ونفسه)، قال: إن ذلك يكون يا أم أيمن، قالت: فدعا النبي بإناء فيه ماء، ثم قال ما شاء الله أن يقول، ثم مسح صدر علي ووجهه، ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في مرطها من الحياء، فنضح عليها من ذلك، وقال لها ما شاء الله أن يقول، ثم قال لها: أما إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي، ثم رأى سوادا من وراء الستر، أو من وراء الباب، فقال: من هذا؟ قالت: أسماء، قال: أسماء بنت عميس. قالت: نعم يا رسول الله، قال: جئت كرامة لرسول الله. قالت: نعم إن الفتاة ليلة يبنى بها لا بد لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أفضت ذلك إليها، قالت: فدعا لي بدعاء إنه لأوثق عملي عندي، ثم قال لعلي: دونك أهلك، ثم خرج فولى فما زال يدعو لهما حتى توارى في حجره.
وظلت أسماء تخدم فاطمة حتى توفيت، وشاركت في غسلها، بناء على وصيتها، وكانت هي أول من أشار بنعش المرأة، وأول ما صنعته للسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وهو على شكل هودج، رأت النصارى يصنعونه بالحبشة، وكانت رضي الله عنها قالت لأسماء: إني أستقبح ما يصنع بالنساء، (تقصد حين موتهن) يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا، وأجمله، إذا مت فغسليني أنت وعلي ولا يدخلنّ أحد عليّ.
مروياتها ووفاتها
كانت أسماء بنت عميس رضي الله عنها ممن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأن يعن لها أو واقعة تريد حكم الدين فيها، وقد لاحظت أن أبناءها من جعفر تضمر أجسامهم، وقد سألها النبي ذات مرة: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أتصيبهم الحاجة؟ قالت: لا، ولكن تسرع العين إليهم، وبادرت الى سؤال النبي: أفأرقيهم؟ قال: وبماذا؟ قالت: فعرضت عليه، فأذن لها أن ترقيهم وقال صلى الله عليه وسلم: لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.
وعلمت أسماء يوما أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت لمدة طالت أكثر من المعتاد في مثل هذه الأمور، فلم تصل، فسألت أسماء النبي عن حكم ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، هذا من الشيطان، لتجلس في مركن، فإذا رأت صفارة فوق الماء، فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا، ثم توضأ فيما بين ذلك.
أسند عنها الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وقال ابن حزم الأندلسي في كتابه أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد: لها ستون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدّها الرقم 56 في ترتيب الصحابة من حيث الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنها: عبد الله بن عباس، وزيد الخثعمي (الترمذي)، وسعيد بن المسيب (النسائي)، وابنها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبو داود وابن ماجة، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد عبيد بن رفاعة (الترمذي والنسائي)، وعتبة بن عبد الله (الترمذي)، وعروة بن الزبير (أبو داود)، وابن ابنها القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (النسائي)، أبو بردة بن أبي موسى الأشعري (النسائي)، وأبو يزيد المديني (في خصائص علي)، ومولى لمعمر التيمي (ابن ماجة)، وفاطمة بنت على بن أبي طالب (النسائي)، وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (النسائي)، وبنت ابنها أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب (ابن ماجة).
ظلت رضي الله عنها على مستوى المسؤولية التي وضعت لأجلها، زوجة لآخر الخلفاء الراشدين، وكانت على قدر هذه المسؤولية لما كانت تمر عليها من الأحداث الجسام، حتى جاء على مسمعها مقتل ولدها محمد بن أبي بكر، فتلوّت من الحزن والألم عليه، وعكفت في مصلاها، وحبست دمعها وحزنها، حتى شخب ثدياها (سال منهما) دما، وتمر الأيام، وتتوالى الأحداث، حتى تأتيها الفاجعة الأخيرة في حياتها، وينعى إليها زوجها الخليفة علي كرم الله وجهه، فأوجعتها المصيبة، وراحت تكتم أحزانها، وتطوي آلامها إلى أن أسلمت روحها الطاهرة لبارئها عز وجل، وتوفيت رضي الله عنها نحو أربعين هجرية.