لعل النقل التجاري هو الذي أسهم في تحديد مواضع الأسواق التجارية في مدينة السلام، ففي منطقة باب الشعير تأسس مرفأ عظيم للسفن التجارية التي كانت تؤم بغداد من الموصل والبصرة . ذلك أن منطقة باب الشعير كانت أقرب نقطة إلى الجانب الشرقي من المدينة المدورة . وهذا ما جعلها تكتسب أهمية خاصة، ولذا أقام الخليفة المنصور عندها، أول جسر عقد في بغداد . وقد تحولت محلة الكرخ الكبيرة إلى مدينة تجارية بسببها . وانتشرت فيها لأول مرة في تاريخ المدينة العربية الإسلامية ظاهرة المعارض الكبرى في الأسواق التجارية المتخصصة، بسبب اهتمام المهدي بها وحمايته لها واعفائها من الضرائب . وهذا ما حوّلها بشكل أو بآخر إلى منطقة حرة للتجارة المختلفة . فظهرت سوق النخاسين وسوق الوراقين، وهما سوقان عظيمتان كما ذكرنا سابقاً .

وبمحاذاة هاتين السوقين، قامت سوق البطيخ أو دار البطيخ كما كانت تعرف سابقاً . وكانت تعرض في هذه السوق الكبيرة مختلف أنواع الخضار والثمار والبقول، الآتية من مختلف المناطق العربية والإسلامية بواسطة القوافل البرية والبحرية . وكانت هذه السوق تقام في داخل المدينة المدورة . غير أنها سرعان ما انتقلت إلى محلة الكرخ بعيد تحويل الأسواق في درب الأساكفة ودرب الزيت ودرب العاج . أما عند نهر كرطايا، فكانت قد اقيمت منازل ودور التجار، وقد دعي الفرع باسم نهر الدجاج، لأنه كانت تباع فيه الطيور، والدجاج بصورة خاصة . كذلك قامت في قطيعة بني الربيع من محلة الكرخ، سوق البزازين وتجارة النسيج والأقمشة وما يتصل بهما من الحاكة والخياطين . وقد كان معظم تجارها من خراسان .

أسواق عامرة

ويقول المؤرخون إن ربض الحربية، كان من أكبر أرباض دار السلام . وكان كثير الدروب والأسواق . وكان أهله من مختلف القطاعات الشرقية . وفي الشارع الكبير الممتد بين باب الشام والجسر الذي على دجلة، نهضت سوق عامرة كانت تمتد ذات اليمين وذات الشمال . وبالقرب من هذا الشارع، قام ربض الرقيق الذي كان فيه رقيق أبي جعفر . كذلك قامت سوق عامرة في ربض الهيثم بالقرب من بستان القس، وكانت متصلة بسويقة نصر في ربض حميد بن قحطبة . وكذلك عرفت بغداد عدداً عظيماً من الأسواق المنسوبة إلى المهن والتجارات، منها درب الزعفران الذي ينزله أهل البز والعطر، ومحلة سوق الحلاويين التي اشتهرت بمحال الحلويات العربية المختلفة، حيث وفد أصحابها إلى بغداد بعد أن كانوا في دمشق .

ولعل ازدهار الأسواق في الجانب الغربي من دار السلام، كان قد حفز الكثيرين من التجار على الانتقال إلى هذا الجانب، ليحصلوا على قطائع جديدة من المهدي لتوسيع تجاراتهم وصناعاتهم هناك، لاسيما أن المهدي كان كريماً عليهم، كما كان شغوفاً بأن يرى نهضة الجانب الشرقي ينافس الجانب الغربي، ومن هنا تم إعفاء المستثمرين من الضرائب كما قسمت القطائع في الجانب الشرقي تماماً كما قسمت في الجانب الغربي، وأخذت كل من الرصافة والكرخ في الازدهار .

وفي القطائع الشرقية من مدينة دار السلام، بدأنا نرى عمران القطائع بمنازل الجند وسائر الناس من الدهاقين والتجار في كل محلة وفي كل ربض . حتى غلبت عليها الأسواق . وقد اشتهرت فيها سوق العطش العظمى الواسعة التي بناها المهدي، وحمل إليها كل ضرب من التجار، لينافس الكرخ، وسماه سوق الري، فغلب عليه اسم سوق العطش . أما سوق خضير هناك، فقد كانت مختصة بالتجار الصينيين الذين كانوا يبيعون فيها طرائفهم . ثم قامت سوق يحيى بن الوليد، التي عرفت باسم سوق يحيى وكانت فيها دكاكين عالية، ضمت الدقاقين والخبازين والحلاويين والعصائر السكرية .

نهضة عظيمة

وفي القرن الثالث، توسعت دار السلام، توسعاً ملحوظاً كما يذكر المؤرخون، وبلغت نهضة عظيمة . ويذكر اليعقوبي في كتابه (البلدان: ص 254) أنه كان في الجانب الشرقي نحو من أربعة آلاف درب وسكة، وأكثر من خمسة عشر ألف مسجد . وربما كان في هذه الأرقام الكثير من المبالغة، غير أنها تدل بشكل عام، على التطور الذي بلغته مدينة دار السلام في الجانب الشرقي .

وفي نهاية الدور التي كانت تشاطئ دجلة، حيث دور الحكام، قامت سوق رحبة الجسر التي تضم سوق الأساكفة وسوق الطير وسوق الرياحين والعطارة . وفي حواشي سوق باب الطاق، كانت تقوم أسواق الصيارفة وأصحاب الطيالس، وسوق المأكول من خبازين وقصابين، وسوق الصاغة ذات البناء التراثي الحسن . وقد كان يجتمع في سوق الوراقين أهل الأدب والفن والشعر والعلم، حيث كانت مساهماتهم هناك تتصل بالدواوين والأواوين في المدينة المدورة . أما سوق الرصافة، فكانت من أجمل وأعظم الأسواق في مدينة السلام . وقد وصفها المؤرخون، بأنها كانت سوقاً عظيمة جامعة للغلاية . وكذلك عرفت سوق الثلاثاء بعزها وعظمتها . وكانت تتصل بالرصافة من خلال شارع الميدان . وذكر المؤرخون في الحديث عن سوق الثلاثاء، بأنها سوق قديمة، كانت تقام فيها سوق أسبوعية قبل ظهور بغداد، غير أنها سرعان ما أصبحت سوقاً مشهورة في البلاد يقصدها الناس من مختلف الجهات في جميع الأوقات .

وعرفت مدينة السلام في القرن الرابع سوق الأحد، كما يقول عريب في كتابه (صلة تاريخ الطبري ص 85) . وكانت سوقاً اسبوعية . وقد ورد ذكرها في أحداث العام 312 هـ . وكذلك ذكر اسم سوق الشتاء، وكانت سوقاً خاصة للبضائع والملبوسات الشتوية . ويذكر الخطيب البغدادي في (تاريخه 1/16) أسماء بعض الأسواق المتخصصة، مثل محال القطانين والحطابين وسوق الخزازين والبزازين واصحاب الصابون، وكانت جميعها في الجانب الغربي من دار السلام . إضافة إلى سوق العروس، وكانت مجمع الطرائف، مختصة بتجهيز العرائس والطرائف والنفائس .