«هناك ما يشبه القانون الطبيعي في سنن الحياة، وهو أنه من أندر النادر أن نجد أديبين أو عالمين أو فيلسوفين أو فنانين من أسرة واحدة، ولا نعرف شذوذاً من هذه القاعدة إلا إسكندر دوماس الأب والابن، والفونس دوديه وليون دوديه وفلتات قليلة من هذا الطراز».. بهذه الكلمات يكاد لويس عوض أن يتبرأ من مساندته لشقيقه د. رمسيس، مقدماً صورة مخجلة للعلاقة بين الأشقاء، ربما أفضل ما فيها خروجها من «تقليدية» الإطار الأخوي المفترض.
في كتابه المثير «أوراق العمر.. سنوات التكوين»، نرى سيرة للويس عوض مغايرة تماماً، بداية من الحجم الضخم - أكثر من ستمئة صفحة - مروراً بالشعور المتضخم بالذات، في مقابل قدرة على التجرد والصراحة في حق الجميع سواه، فشقيقه «شاكر»، مات في شبه جنون، وشقيقته مرجريت أودعوها ملجأ للمسنين وماتت عذراء بعد الستين، وهي ليست مجنونة «بل عبيطة»، كما يصفها أخوها الدكتور لويس، ويضطر اضطراراً للإشارة إلى عقمه، لكنه يقول «أنا وأخي رمسيس عقيمان»، ثم يتحدث عن دوره كمعلم لأخيه، كان لويس أستاذاً جامعياً ورمسيس طالباً، وكان يقيم لديه في بيته، وكلما سأله سؤالاً في البيت رد عليه بحدة: «هذا سؤال مهم ورأيي أن تثيره في المحاضرة غداً، ليستفيد بشرحي كل الطلاب». ويُحكى أن أخاه سأله سؤالاً في المنهج، فقال له «عد إلى كتاب كذا وكذا»، ويوم الامتحان رفض لويس منحه درجة جيد جداً، واكتفى بجيد، ومنعه من دخول قسم الامتياز، متذكراً ما قاله قاسم أمين أن بعضهم يحكم بالظلم ليُعرف بالعدل، واصفاً نفسه بالأنانية المفرطة، ثم كرر الأمر معه بعد سنوات، حين كان مسؤولاً عن الصفحات الأدبية في الأهرام، فكان يمنع مقالات أخيه رمسيس، خشية اتهام الناس لرمسيس بالمحاباة من قبل شقيقه الأكبر، وهكذا أسهم لويس بقوة في تأخير ظهور دكتور رمسيس عوض، الذي يصفه بقوله «كان يغار مني، لشعوره بأنه مهما حاول، فلن يصيب ربع ما أصبته من تأثير في المثقفين، وفي الرأي العام.
شوقي الأناني
بين أضواء المبدعين الكبار، قد تجد نوراً بسيطاً يسعى للظهور، مبدع صغير يبحث عن خطواته وسط سطوة شقيق أو أب أو زوج.. أحمد شوقي كان أباً جيداً لشاعر لم يعرفه الناس، كان حسين أحمد شوقي يهوى الشعر، وكان صريحاً في نقده لأبيه، يصفه بأنه كان أنانياً، وأنه كان بوهيميّاً.. أما عن علاقته بالشعر، فيقول في كتابه الجميل «أبي»، الصادر عام 1947: سألني حافظ بك مرة، في أثناء هذه الرحلات، قائلاً: أتقول الشعر؟ فأجبته: أجل ولكن قليلاً.. فقال: إذن قل لي شيئاً في الهرم أو في أبي الهول، فقلت: أيا هرمي مصر سلام عليكما، ولكني لم أتمكن من تكملة البيت، فقال حافظ بك: سلام مشوق منذ خمس إليكما.
وكان رأي شوقي في ولده أنه متوسط القيمة، والشعر لا يتحمل الوسط وقد نشر حسين شوقي بعض المقطوعات كمقطوعة مطلعها:
لست بناسٍ ليلةً قضيتها في زورق/ البدر فيها ماسة باهرة التألق/ والنيل في مضجعه كغادة في جوسق.
وهي منشورة في مجلة «الرسالة» نوفمبر عام 1933م، أي بعد رحيل والده في عام 1932.
قنطرة مشرفة
«قنطرة الذي كفر»، رواية نسبها نقاد وقراء كثيرون للدكتور علي مشرّفة عبقري الرياضيات، وليس للشقيق الدكتور مصطفى مصطفى مشرّفة، والسبب أن مشرّفة العالم هو الأشهر، والأمر الثاني أن صاحب «قنطرة الذي كفر»، عاش معظم حياته خارج مصر بين عمل ومرض، وأنه لم يكمل تجربته الإبداعية، حيث كتب مجموعة قصص بعنوان «هذيان»، غير أنه في «قنطرة الذي كفر»، والتي صدرت طبعتها الثانية عام 1991 ضمن سلسلة كتاب «أدب ونقد»، وتتصدّر الرواية مقالات نقدية لكل من: يوسف إدريس، شكري عياد، محمد عودة، محمد روميش، إبراهيم أصلان، عبد الله خيرت، فريدة النقاش.. في الرواية يقدم الكاتب صورة للكفاح المصري أثناء ثورة 1919 مؤكداً واقعية الرواية التي تقع أحداثها في حي شعبي، كما يقول الكاتب في مقدمته القصيرة جداً، وقد اختار الكاتب اللغة العامية: «لأنها لغة تجعل القارئ يعيش في هذه الأحداث، ولا تضيع بهجتها إذا كتبت بلغة أخرى غير العامية»، وتبدأ الكلمات الأولى للرواية بقوله:»زعق الشيخ قنطرة بعد تعسيلة بعد الظهر: هاتي يا سيدة يا بنتي الإبريق والطشت خلينا نتوضى، ومد رجليه تحت اللحاف واتكرع واتاوب وغطى بقه.....».
درس الدكتور مصطفى، الأدب الإنجليزي ثم درّسه بجامعة إكستر بإنجلترا، ثم عاد إلى مصر، ليعمل أستاذاً للأدب الإنجليزي بالجامعة المصرية، وفي تلك الفترة قام بتأليف أول كتبه باللغة الإنجليزية، وهو كتاب «سيرة أتاتورك»، صدر هذا في عام 1944 عن مكتبة الأنجلو المصرية، وهو ترجمة لحياة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك (1881- 1938م)، وظل ينتقل من مصر لإنجلترا حتى استقر وأسس في مصر داراً للنشر، لم تطبع سوى مجموعته القصصية «هذيان» وروايته.
علاقة غامضة
في كتابه «قصة حياة»، لم يذكر المازني مطلقاً اسم شقيقه، سواء شقيقه الحقيقي - من أبيه وأمه - أو من أبيه فقط، بل قدم صورة مزعجة جداً لشقيقه الأكبر، يقول - مثلاً - «لكن أخي بعد ذلك طلّق زوجتيه وتزوج جارة لنا كانت عينه عليها - ولا شك - واتخذ لها بيتاً مستقلاً فاحتجنا أن ننتقل إلى بيت صغير بعد انتفاء الحاجة إلى البيت الكبير، الذي كنا فيه فبدأت متاعبنا من ذلك اليوم، فقد أهملنا أخي وبخل علينا بالمال وصار يقتر علينا ويغدق على زوجته الجديدة، حتى بدد كل ما ترك أبي في نحو ثمانية أشهر».
لكن شقيقه الذي تابع طريقه هو الكاتب أحمد عبد القادر المازني، وقد حاولت العثور على ترجمة لحياته، فلم أجد، سوى بالرجوع لأرشيف «مجلة الهلال»، الذي يحمل قصصاً جميلة له، منها «إصبع القدر» و«الأعمى» و«الخطيب الزائف» و«جنون الصيف»، وعدد كبير من القصص منشورة في«مجلة الهلال»، خلال الفترة من عام 1942 إلى 1959م، وله ترجمات رصينة مميزة، منها كتاب «النخيل في مصر» لتوماس براون، و«استقرار النظام الحالي للقطن في مصر»، تأليف لورانس بولز «طاعون الدجاج في مصر»، وكتب كثيرة قام بترجمتها.
شاعر وطبيب
أما الشاعر، فهو قيثارة الخلود عمر أبو ريشة، شاعر سوريا الكبير، أما الطبيب فهو ظافر وإن كانا في الحقيقة خليطاً غريباً، فجدّهما لأمهما من تونس، وولدا في عكا، وعاشا في بلدان مختلفة إذ كان عمر سفيراً لوطنه، كان والده «شافع» شاعراً، رثى شوقي وحافظ وغيرهما، وزينب شقيقته كانت شاعرة، ولكن الأهم بالنسبة لنا هو شقيقه ظافر، ويبدو أن شهرة عمر أبي ريشة قد طمست قليلاً من ضياء ظافر، فلم يظفر بما يستحقه، وقد ولد عام 1919 بعد سنوات من ميلاد شقيقه عمر، وتأثرا بالجو الإبداعي الموجود بالمنزل، بدأ كتابة الشعر مبكراً.
الغريب أن الأب الشاعر الذي سمح لعمر أن يحمل ضياء الشعر منطلقاً، ثبت حركة «ظافر أبو ريشة»، إذ رضخ لرغبة والده في أن يصبح طبيباً، فانتقل إلى دمشق وانتسب إلى كلية طب الأسنان في الجامعة السورية، حيث تخرج فيها عام 1939 م، وعاش لمهنته، متوارياً مكتفياً بضياء شقيقه، لكن الموهبة لا يحدها شيء، فسرعان ما عاد للشعر وللترجمة الشعرية معاً.
صورة باهتة
لا يعرف البعض ترجمات أحمد المازني وقصصه المنشورة في مجلة الهلال، و لم يبق أي أثر لكاتب جيد مثله، ربما لأن الأضواء الكاشفة قد سلطت على شقيقه، فجاء ظله باهتاً بجواره. أما الصورة التي التقطها له إبراهيم المازني، فهي فكهة رشيقة، يقول عن طفولتهما: «وكان أخي أصغر منى وكان جميلاً مشرق الديباجة سمينًا وبضٍّا غضٍّا، فكان أبي يخاف عليه أن تصيبه العين، ومن هنا أمر ألا يدخلوه عليه في المكتب لئلا يراه ذو عين فيحسده».