يصف الخطيب البغدادي المدينة المدورة، ويذكر أسماء الدور التي شيدت فيها لأصحاب الخليفة المنصور، مثل: دار أبي المذلي، ومحمد بن يزيد، وشبه بن عقال وحنظلة بن عقال . وكذلك دار عياش التي كانت على شاطئ الصراة، ودار عبدالله بن الربيع الحارثي، ودار سليمان . وأصحاب الخليفة أبي جعفر التي كانت قطيعة لهشام بن عمر الفراري، ودار مسعد وكانت للعباس بن عبدالله بن جعفر بن المنصور . ودار صالح المسكين، وأقطعها إليه الخليفة أبو جعفر المنصور .

وهناك دور أخرى أنشئت في جانب الصراة مما يلي باب المحول، لعقبة بن جعفر . وقد اقطعها الخليفة المنصور إليه . ثم اقتطعت هذه الدار ونهبت في زمن الخليفة المأمون، وذلك عندما خرج عقبة بن جعفر على المأمون، فأقطعها الخليفة إلى ولد عيسى بن جعفر، وكانت بين باب البصرة وشط الصراة والخندق بالقرب من دور الصحابة للأشاعثة، وهي دور آل حماد بن زيد . وأما دار جعفر بن محمد بن الأشعث الكندي، فكانت تقع عند باب المحول، ثم صارت لابنه العباس .

وفي المدينة المدورة كانت قد أنشئت دار أبي يزيد الشروي مولى علي بن عبدالله بن عياش، ودار عمارة بن حمزة من موالي الخليفة المنصور ودار أبي دلامة، وقد هدمت بأمر أبي جعفر .

قصر الخلد

ومن القصور التاريخية التي ورد ذكرها في المراجع التاريخية، قصر الخلد، وكان يقع على شاطئ دجلة تجاه باب خراسان . وقد تم تشييده سنة 157هـ / 773م . وسمي كذلك نظراً لما يحويه من كل منظر رائق، ومطلب فائق، وغرض غريب ومراد عجيب (تاريخ بغداد 1/75) . وقد أقيمت حول القصر في ما بعد المنازل، فأصبح القصر وما يحيط به يعرف بالخلد . وقد شمل هذا القصر أيضاً على مكان لاصطبلات الخيل وموضع للعرض . وفي كتاب البلدان لياقوت (3/453) ذكر للأسباب التي حدت بالخليفة المنصور لبناء هذا القصر وهو أنه كان عذباً وطيب الهواء لأنه أشرف المواضع التي ببغداد كلها . وكان القصر على تل عالٍ . وقد أراد المنصور أن يكون القصر بعيداً عن الناس حتى يتحاشى الازدحام والضيق بالسكان . ويروي الخطيب البغدادي أيضاً، أن مدينة بغداد كانت متصلة الأبنية، متلاصقة الدور والمساكن في زمن الخليفة المنصور .

وكان قصر الخلد يشرف على نهر دجلة مباشرة . وهذا ما منح المنصور فرصة التمتع بمنظر المياه من جهة والاستفادة من وفرة المياه في هذه المنطقة عند مصب نهر الصراة لإنشاء البرك، وإضافة أكبر مساحة ممكنة من البساتين والحدائق للقصر . وقد توفي المنصور قبل إتمام هذا القصر فأكمل ابنه المهدي بناءه وسكنه سنة 158هـ / 774م . وكان ينتقل بين قصر باب الذهب وقصر الخلد قبل أن يشيد قصره بالرصافة وكذلك نزله الهادي سنة 169هـ / 785م، عندما قدم من جرجان إلى بغداد (الطبري 8/189) . وعندما آلت الخلافة إلى هارون الرشيد بعد وفاة أخيه الهادي سنة (170هـ / 786م) نزل قصر الخلد . وكان يفضله على قصر باب الذهب . وعاش فيه طوال إقامته ببغداد، متمتعاً بجمال وروعة حدائقه . وعندما نزله الأمين أضاف بعض المجالس لمتنزهاته ولهوه ومواضع خلوته . كما دخله المأمون وتولى الإشراف عليه . وعندما نقل المعتصم مقر الخلافة إلى سامراء، فرغ القصر من ساكنيه وآل إلى التساقط والهدم .

فخامة واتساع

وحفلت بغداد أيضاً في زمن المنصور بقصور الأمراء وكبار رجال الدولة . وقد امتازت بفخامة بنائها واتساعها حتى إنها تضاهي قصور الخلفاء . ومنها قصر عيسى بن علي ببغداد، الذي كان يقع في الجانب الغربي على أطراف مصب نهر عيسى في دجلة . ويقول عنه ياقوت الحموي إنه أول قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور ببغداد على شاطئ نهر الرفيل عند مصبه في دجلة . وهو اليوم في وسط العمارة من الجانب الغربي . وقد تهدم هذا القصر، وقامت في موضعه محلة كبيرة ذات سوق تسمى قصر عيسى .

ويذكر الخطيب البغدادي (1/11) أن المنصور، هو الذي أمر ببناء قصر الوضاح لابنه المهدي قبل نزوله في الجانب الشرقي من بغداد . وعرف هذا القصر باسم قصر المهدي . وهو مما يلي الكرخ، وقد بنى المنصور إلى جانبه المسجد . وكان هذا القصر مؤقتاً للخليفة المهدي، قبل أن يتم تشييد جانب الرصافة من قبل الخليفة المنصور سنة 151هـ / 768م .

باب ما بين القصرين

ومن الدور التي اقتطعت في هذا الجانب دار عيسى بن جعفر، وتقع بالقرب منها دار جعفر بن المنصور . وهاتان الداران تقعان على شاطئ دجلة . وفي محلة باب الطاق ببغداد شيد المنصور قصراً لابنته أسماء بنت المنصور . وقد غدا في أيام هارون الرشيد مجمعاً للشعراء ومجلساً لهم . وعرف هذا القصر (قصر أسماء) بباب ما بين القصرين . ويراد به قصر أسماء بنت المنصور، وهناك أيضاً قصر عبدالله بن المهدي . وكان بينهما طريق . أما دار خزيمة فكانت تقع في الجانب الشرقي من بغداد . وهي أول القطائع على رأس الجسر من ضمن الاقطاع التي منحها الخليفة المهدي إلى صاحب شرطته خزيمة بن خازم، ودار أبي عباد ثابت بن يحيى . وهذه الدار كانت إقطاعاً من المهدي لشبيب بن شبيبة الخطيب، ودار أبي النضر هاشم بن القاسم، ودار البانوكة أو البانوقة بنت الخليفة المهدي، وهي تقع في محلة المخرم على أحد فروع نهر موسى في الجانب الشرقي .