الصداقة الحقيقية هي التي تدفع للتميز في جميع نواحي الحياة ولا يستطيع أي منا العيش من دونها فبعض الأصدقاء يكون أقرب وأحب لنا من أنفسنا، ولكن أحياناً تنقلب الآية ليصبح الصديق هو الدافع الأساسي للضياع في ظل العديد من السلبيات المتاحة فيسلك البعض طريق الانحراف ويتمادون فيه وآخرون بعد التجربة يفيقون لبدء حياة جديدة .

مروة محمد (طالبة جامعية) تحكي كيف أفسدتها صديقتها وعلمتها الكذب على أسرتها في المرحلة الثانوية وتقول: كنت مثال البنت الملتزمة في كل شيء إلى أن تعرفت في السنة الثانية إلى زميلة دعتني يوماً على العشاء وهناك فوجئت بتصرفات أمها فهي سيدة متحررة ووالدها متوفى ولديها شقيقتان تكبرانها، وفي البيت كان هناك مجموعة من الشباب عرفتني إليهم فهم، كما قدمتهم، أصدقاء أمها، كانوا يمزحون ويتصرفون بتلقائية وحرية، وكان الجو جديداً بالنسبة لي فأنا من أسرة تحكمها العادات والتقاليد، لذلك شعرت بأنني من عالم آخر غريب، لكن لا أنكر فضولي لأعيش التجربة وكررت الذهاب إليها أكثر من مرة وعند تأخري بالعودة للمنزل وخوفي من أهلي كانت تعلمني هي وأمها الكذب، وكانت أمها تتصل بأمي لتطمئنها بأننا نذاكر دروسنا، وبعد السهر توصلني بنفسها للمنزل، واستمر الحال شهوراً عدة ، وفجأة بدأت الأمور تنقلب إلى ما هو أبعد من ذلك، ومن خوفي صارحت إحدى صديقاتي التي أثق بدينها وعقلها فنصحتني بالابتعاد، وعندما امتنعت حضرت لي أم صديقتي إلى المدرسة لتقنعني بالعودة، وكان ستر الله عظيماً أن شاهدتها صديقتي الأخرى فطردتها وهددتها بالفضيحة .

(ق .ص)، تقول: بحكم عملي، أقضي ساعات طويلة خارج المنزل، كان ابني متفوقاً دراسياً وشخصية اجتماعية محبوبة جداً بين أصدقائه، ولكني لاحظت بعض التغيرات عليه فأصبح بعيداً عن الناس، وينام طوال النهار ويسهر ليلاً وظهر اصفرار في وجهه وقلت وجبته الغذائية، راودتني الشكوك بتعاطيه للمخدرات ولكني كنت دائماً أكذب نفسي إلي أن جاء اليوم الذي أخبرتني فيه الشرطة بأن ابني قبض عليه بقضية تعاطيها مع أصدقائه . وحملت نفسي المسؤولية على تقصيري معه لكن بعد فوات الأوان .

تامر توفيق (24 سنة موظف)، يقول: كنت مدخناً منذ الصف الأول الثانوي إلى السنة الثالثة الجامعية، والبداية كانت تجربة مع أصدقائي واعتبرتها عنواناً للرجولة إلى أن أصبح التدخين عادة يومية وشجعت العديد عليه، وكنت أعرف مخاطر السيجارة واعتقدت أنها بعيدة عني فأنا شاب رياضي لن تؤثر فيّ إلى أن أصابتني بعض الأزمات الصدرية وذهبت مرات عدة للأطباء ونصحوني بالإقلاع عنها وبالفعل تركتها منذ 4 سنوات .

محمد محمود (17 سنة - طالب ثانوي)، يقول: بدايتي مع تدخين السجائر كانت منذ 3 سنوات من أحد رفقاء السوء مدعياً أنني لا أقدر على تدخينها ومازلت طفلاً وخائفاً من أهلي، شعرت بالاستفزاز من كلامه فدخنتها من باب إثبات الرجولة وواحدة وراء الأخرى أصبحت عادة، لاحظت أمي هذا وكانت دائماً تحذرني من مخاطرها على الصحة وتهددني بأنها ستخبر أبي وأنها ستمنع عني المصروف، حاولت كثيراً الإقلاع عن التدخين ولكن سرعان ما أعود إليه .

هاني مدكور (23 سنة - طالب جامعي)، يقول: أحب التردد على بعض الأماكن المشهورة بالأغاني الأجنبية وإيقاعها السريع فتعرفت إلى شلة شباب يترددون عليها دائماً، وفي البداية كنا نمضي أوقاتنا في السهر والرقص وتطورنا لشرب الكحول، وعند عودتي للمنزل فجراً أجد أبي بانتظاري بكل أنواع الشتائم والتهديدات وكنت في نظره الابن العاق، كنت أستقيم بعض الوقت ولكن سرعان ما أعود مرة ثانية، حتى جاء اليوم الذي هزني وغيرني تغييراً كلياً وهو وفاة أبي بأزمة قلبية، مات وهو غير راض عني، ندمت كثيراً وعاهدت نفسي أن أرضي أمي وأكون لإخوتي القدوة الحسنة، وفعلاً أصبحت إنساناً له قيمة ومعنى .

ياسمين محمد (مدرسة رياضة في المرحلة الابتدائية)، تقول: بحكم عملي وتنقلي في العديد من المدارس أرى أن أسباب توجه الشباب لرفقاء السوء ضعف الوازع الديني وغياب دور الأهل فكرياً واجتماعياً ونفسياً، فإذا شعر الأبناء بوجود فعال من جانب الأهل سيخشونهم وإذا أخطأوا سيتداركون الموقف وبتوجيه الأهل لن يكرروا الخطأ، بينما غياب الرقابة التامة يؤدي لتمادي الشباب وتضخم المشكلة .

وتؤكد أن الظروف المادية لها دور أساسي في انحراف الشباب، فانخفاضها أو زيادتها مع غياب دور الأهل يولد مشاعر الحقد والعناد لديهم، بينما في وجود رقابة فعالة واهتمامهم بالأبناء يندفعون نحو التقدم والتفوق . وتضيف: من المشكلات التي واجهتها مرافقة ابني شلة من الشباب المستهتر الذين أخرجوه من دائرة التفوق الدراسي، ولكن سرعان ما تداركنا الموقف .

فاطمة المغني (خبيرة في الشؤون الاجتماعية) تقول: الصداقة أجمل شيء في الوجود بما تحمل من معاني الحب والود والوفاء، والصداقة الحقيقية هي التي تدفع الفرد للتميز وتقوية العلاقات بين الأهل والحرص على التفوق الدراسي، واختيار الصديق يقوم على أسس لابد من مراعاتها ومنها ألا تقوم على المصالح المادية فإذا أقيمت عليها لن تكن فعالة وتكون هشة .

وتضيف: تجنب الرفيق السوء أفضل ليقول الرسول صلى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، ومن أسس اختيار الصديق أن يكون الحكيم النصوح على فعل الخير المحفز لمن حوله والطموح وصاحب الفكر الإيجابي والمتعاون الذي يدفع صاحبه إلى الخير في الدين والدنيا، والابتعاد عن الصديق صاحب التفكير السطحي الساذج المراوغ الذي يشوه معني الصداقة ويجذب صديقه للهاوية .

فضيلة الشيخ د . علي مشاعل مفتي أول بدائرة الأوقاف و العمل الخيري بدبي يقول: الدين الإسلامي حث على المصاحبة، ورغب في السعي إليها لما فيها من تدعيم للعلاقات الاجتماعية وتقوية للمودات وشد لأواصر الصلات الإنسانية، والإنسان مدني بطبعه، ولا غنى له عن الصحب، لكن على المرء أن يختار الصديق الصالح الطيب الذي يعينه على الخير ويدله عليه .

ويوضح أن الصديق ما سمي صديقاً إلا لصدقه في المحبة، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليلة، فلينظر أحدكم من يخالل) .