* لكل واحد منا، أصدقاء طيبون للغاية، نفترق في الأمكنة، لكنهم يظلون راسخين في الذاكرة، ولهم مكانهم في القلب.
* نلتقي بعضهم مصادفة، وعلى غير ترتيب، فنستعيد المذاق الأصلي لتلك الأيام التي خلت، ولذلك الزمن الجميل، الذي يفتح تذكره شفاهنا للابتسامة والحنين.
* قد تكون لحظات اللقاء قصيرة، لكنها مكتنزة بالخبرات، وبالذكريات التي لا ترحل من أدمغتنا، نتذكر دوماً ألوانها ودرجة حرارتها وزواياها، ووجعها، ربما، وفرحها. ونتذكر وجوهاً لم تعرف القسوة ولا الغلظة، وقد بشرت بالأمل، وبأخلاقيات الرفقة والتواضع.
* بعض الأصدقاء، يوقظ في الذاكرة، محاربين قدماء، ما زالوا يلبسون ثياب الميدان، ويتمنطقون بسيوف بتّارة، ليحاربوا قلاعاً، وحصوناً محشوة بالقبح وبأشرار وإرهابيين جدد، وبعضهم، بوجوه مرهقة، هكذا يتراءون لك، أو هكذا عادوا إلى ذاكرتك، كدراويش الصوفية المعرفية، الذين باتوا ليلتهم على التسبيح والتفكر والتأمل.
* حينما نلتقي.. لا أدري إذا كنا نعيد اكتشاف بعضنا البعض، وخاصة حينما نسأل: كيف الحال؟ أو حينما نثرثر حول أشياء انقضت قبل أن تستقر بداياتها.
* أصدقاء ماضون بالسنين للأمام من دون كلل أو ضجر من الحياة، أو من تقاعد مبكر، يحاولون اكتساب حيوية، بفعل الرغبة في تحدي الصعوبة والعقبات... ومعطيات الزمن الجديد، بتقنياته وعوالمه وأفكاره ومتغيراته.
* أصدقاء تلتقيهم مصادفة، في فرح أو عزاء، في ندوة أو مؤتمر، يهبطون على الذاكرة كنوارس البحر، ينبشون ماضي اللحظات، ويسائلون الحاضر، وصولاً إلى نشرة أنباء الساعة التاسعة مساء. وننسى أن نعد فناجين القهوة التي شربناها، في حضرة الذكريات.
* نلتقي مصادفة، في ردهات مستشفى (كليفلاند)، يدهشنا المكان، في مبناه ونظمه، وانسيابية خدماته، ونحمد الله أن يسر لنا هذا الصرح الطبي المميز، والفضل لأهل الفضل من القيادة، ويقول صديق، ونحن نتناول قهوتنا في إحدى ردهاته المطلة على بانوراما مائية موحية: «لم يبق إلا أن نشاهد فتاة (مزيونة) تعزف على بيانو في ساحات المستشفى، لاعتدال مزاج المراجعين المرضى، وإسعاد المراجعين!».
* لا أحد من الأصدقاء، يفرط في الحديث عن سبب زيارته إلى المستشفى، لكن اللقاء يفتح السخرية من أوجاع الظهر والركبتين، وارتفاع الضغط والكوليسترول، وارتجاع العصارة الهضمية، وغير ذلك.
* ننشغل في أحاديث حول ذكر أصدقاء آخرين، وأحوالهم، وإثارة أسئلة السياسة المضطربة، وأسئلة أخرى مشاغبة، تحرضنا على السخرية حتى من أنفسنا.
* تشعل هذه اللقاءات أشياء قديمة ساكنة، وقيماً ومثلاً عليا، وجدلاً معرفياً وأخرى راهنة، يسألني صديق عن الكتابة في زمن الحرائق المتأججة في عالمنا العربي، وعن الغرب الأمريكي المرتبك، و«الإسرائيلي» المتوحش، وهل هناك أمل أو فائدة من استمرار الكتابة؟
* أستعيد مع أصدقاء، في لحظات الكسل التأملي، والذاكرة الصافية، ذكرى مدن زرناها أو عملنا فيها، في أزمنة التلكس والفاكس، وما قبل الإنترنت ومشتقاته. نستحضر قاهرة نجيب محفوظ، ومسرح الريحاني، قبل أن ينقلب هرمها في نهاية السبعينات، ونستحضر دمشق يوسف العظمة ونزار قباني، وساسة كبار في قاماتهم الإنسانية، وصبايا الشام وحلب في رقصة السماح، قبل أن يجتاحها التتار الجدد، ويقطع رأس تمثال/ منحوتة لأبي العلاء المعري. نستحضر بغداد الرشيد والمأمون ونشيدها (موطني)، وروائح تاريخها العروبي، قبل أن يسطو عليها راعي البقر الأمريكي، ويسلم مفاتيحها إلى القفازات والقمصان السود، ونتذكر عمّان بعطرها الخاص، القادم مع الريح التي تهب من القدس وأخواتها، والجزائر بنشيدها وشهدائها.
* نستحضر مدناً أخرى، فتحضر ذكريات نجوم في سماواتها، أعطت كنوزاً من الأدب والعلم والفلسفة والفن والسياسة النظيفة الإنسانية.. تعلمنا منها الكثير من قيم الجمال والحس الإنساني، وقبول التنوع والاختلاف، وشغف المعرفة، وإثارة السؤال.
* أصدقاء، توالوا على مراحل العمر، ما برحوا يسكنون الذاكرة، ولهم مكانهم في القلب.
* صباحاتهم عادية، تبدأ بقراءة الجريدة، وشم رائحة الورق، وتناول إفطار يومي لا يتغير كثيراً.. ومناجاة حفيد في أول العمر، وثرثرات في مقهى بين حين وآخر، وأداء «أشغال» من نوع «هات.. وخذ». ويدعون لأبنائهم.. وهم يذهبون إلى المستقبل بكل ما آتاهم الله من الحياة..
* أيها الأصدقاء... العالقون في الذاكرة... أحييكم وأسلم عليكم.