شهدت السنوات الماضية عناية خاصة بعلم الأصول والعلوم المساعدة له كعلم الخلاف، وتخريج الفروع على الأصول، وعلم القواعد الفقهية، وتمددت هذه الحركة النشطة على مساحة المذاهب الفقهية الإسلامية كلها على اختلافها، وذلك بعد أن اكتشفت بعض مخطوطات علم أصول الفقه النادرة، وعُثر على كتب أولى كانت في عداد تراثنا المفقود، وحققت بعض موسوعاته الكبيرة مثل كتاب البحر المحيط للإمام الزركشي، الذي وصل به صاحبه إلى الذروة في مجال استيعاب المادة الأصولية عند السابقين، ومثل كتاب التقريب والإرشاد لأبي بكر الباقلاني، وكتاب العُمُد للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وقد حُقق أيضاً كتاب تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي، وصدر كتاب المغني في أصول الفقه للخبازي، وكتاب الفصول في الأصول للجصاص، وأصول الفقه لأبي بكر بن العربي، وكتاب الضروري في أصول الفقه لابن رشد، وغيرها الكثير من الأسفار التي وضعت علم أصول الفقه اليوم على مشارف عصر جديد،
وكتاب أصول الفقه الإسلامي الذي بين أيدينا الآن، والذي وضعه الدكتور محمد كمال الدين إمام، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق في جامعتي الإسكندرية وبيروت العربية، في ما يقرب من أربعمئة صفحة من القطع الكبير، وأصدرته المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع (مجد) في بيروت، هو جولة سريعة مُبسطة في هذا المجال يبدؤها المؤلف بسرد تاريخ علم الأصول ومناهجه، حيث إن الرسالة الإسلامية بدأت وبدأ معها الفقه العملي عند المسلمين، فقد كانت الأحكام تنزل وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُبَلِّغ، وكان صحابته (رضوان الله عليهم) يستقبلون الأحكام، ويستوعبون بفطرتهم السوية، وعربيتهم الخالصة، مضامين الخطاب الشرعي، وإذا تعذر عليهم فهم شيء سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهكذا نشأ الفقه وأصوله معاً قبل أن يفكر المسلمون في المسائل الاعتقادية، وقبل تفرقهم إلى نِحَل متباينة وشِيَع متصارعة .
منهج الفقيه
وعلم أصول الفقه سواء باعتباره ظاهرة عقلية صحبت القرآن منذ فجر نزوله، أو باعتباره علماً له قواعده ومباحثه ومُدَوَّناته، كان منذ البداية يعمل على ضبط العقل في التعامل مع النقل، حتى أصبح بالنسبة إلى الفقه، مثل المنطق بالنسبة إلى الفلسفة،
الأصول، إذاً، هي منهج البحث عند الفقيه، أو هي منطق مسائله، أو بمعنى واسع، هي قانون عاصم لذهن الفقيه من الخطأ في الاستدلال على الأحكام، وهذا المنهج يجد أصوله في الرسول الكريم، وعند فقهاء الصحابة الذين أخذ عنهم من بعدهم معظم القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام .
باختصار، أدلة الفقه ومصادره وجدت في عصر الصحابة ونزول الوحي، ومن قواعد علم الأصول:
أ- أن المتأخر في النزول ينسخ المتقدم أو يخصصه إذا كان النصان في موضوع واحد وعُلِمَ التاريخ .
ب إذا تعارضت الأشباه في شيء يلحقه المتنازع فيه بأقربها شبهاً وأقواها .
ج - تطبيق القواعد العامة عند عدم النص .
د- إلحاق النظير بالنظير عند تساويهما في العلة .
مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتفرق العلماء في الأمصار والبلاد، وتمايز الآراء والمدارس، بدأت الأصول تنمو، والمناهج تتحدد؛ فمع ظهور مدرسة الرأي بدأ القياس يتقدم غيره من الأدلة عند فقهائها، ومع ظهور مدرسة الحديث أصبحت المصلحة عوضاً عن القياس في ملء المناطق الشاغرة، والاستجابة للأوضاع الجديدة .
فبعد عصر الصحابة، كان الفقهاء التابعون يلجأون إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وفتاوى الصحابة، ولكنهم إن لم يجدوا نصاً يتعلق بإحدى الجزئيات فإن منهم من يلجأ إلى المصلحة، ومنهم من يلجأ إلى القياس .
فإذا جاء عصر أتباع التابعين والأئمة المجتهدين، زادت المناهج وضوحاً، وتميزت قوانين الاستنباط، وظهرت على ألسنة الأئمة بعبارات صريحة واضحة ودقيقة: أبو حنيفة (80 - 150ه)، ومالك بن أنس (93 - 170ه) .
ريادة الشافعي
ولكن متى تم تدوين علم الأصول؟
يكاد يتفق الكاتبون في مجال أصول الفقه (على تنوع مناهجهم) أن الإمام الشافعي هو صاحب أول مؤلف في علم أصول الفقه عند المسلمين .
فالشافعي هو أول من صنَّف في علم الأصول، ورتَّب مسائله باعتباره علماً، وقَدَّمَ في ذلك كتاباً منهجياً يُعد الأول من نوعه في تاريخ الدراسات الأصولية، وكان كتاب الرسالة هو أول مُصنَّف أصولي ظهرت فيه ثقافة الشافعي الواسعة،، أصولية وكلامية ولغوية، ودرايته بالمجتمع الإسلامي وخبرته بالمذاهب الإسلامية، وإلمامه بحضارات وعلوم الشعوب الأخرى الاجتماعية .
وفي كتابنا هذا (أصول الفقه الإسلامي) حشد من الدراسات الدقيقة والعميقة في الفقه وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وفي القرآن وتفسيره وعلومه .
والمقصود من أصول الفقه أدلته، وفي تعريفها الاصطلاحي هي العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، وإذاً فالمقصد الأساسي من علم أصول الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها، والبناء الإسلامي كله قائم على العلم بالأحكام لأن وجوبها والإلزام بها فرع من فروع العلم بالخطاب الشرعي من دليله، وتكمن أهمية هذا العلم في الآتي:
أ- معرفة مصادر التشريع، حتى يمكن فهمه وتطوره والوصول إلى أحكامه الثابتة وأحكامه المتغيرة
ب- تحديد مؤهلات الاجتهاد ومجالاته
ج - إيجاد أحكام جديدة للوقائع المستحدثة
د- إعانة الفقيه والمفتي والقاضي على الوصول إلى الأحكام، وتبين حقيقتها، ومعرفة قواعد تفسيرها
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى علم أصول الفقه في عصر تحاول فيه الشعوب الإسلامية معرفة ذاتها، واستعادة وعيها الحضاري وعافيتها الروحية، واستمداد أحكامها التشريعية من القرآن والسنة، فالقوانين المستحدثة المنشودة تحتاج إلى بصر دقيق بالنصوص وفقه واسع بالواقع، حتى يمكن للشريعة أن تحكم حياة الناس من غير حرج يصيب حياتهم، ومن دون خروج على نصوص الشرع .
الحسن والقبح
ونتابع فصول الكتاب الممتع والمفيد، ففي الفصل الثاني الأحكام الشرعية، نتعرف إلى موقف الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والشيعة كفرق إسلامية من قضايا حيوية مثل: هل العقل له دور في إدراك الحُسن والقُبح أم أن ما أمر به الشارع هو الحسن، وما نهى عنه القبح ولا يدرك العقل من دُون الشرع قُبحاً ولا حُسناً؟ وهل للأفعال حكم قبل ورود الشرع أم أن أهل الفترة لا حكم لأفعالهم؟ وإذا قلنا إن العقل يدرك الحسن والقبح قبل ورود الشرع، فهل يُعاقب الله العاصي، ويُثيب المطيع قبل نزول الشرع أم لا؟ وقد تنوعت واختلفت إجابات الفرق الإسلامية عن هذه الأسئلة .
ثم نتجه للفصل الثالث: أدلة الفقه الإسلامي، ويليه الرابع: طرق الاستنباط وقواعده، حتى نصل إلى الفصل الأخير وهو الخامس: في الاجتهاد والتقليد، والتعادل والترجيح، فإذا كان علم أصول الفقه يقوم على الأحكام والأدلة، والحوار الجدلي بينهما هو ميدان عمل المجتهد، لذلك كان الاجتهاد وضوابطه والمجتهد وشروطه جزءاً مهماً من موضوعات الكتاب القيم الذي نقدمه لك هنا عزيزي القارئ، وندعوك إلى مطالعته والاستفادة بمادته المعرفية، بما أننا في حاجة ماسة إلى تجديد النسق الفقهي وتحريك المياه الآسنة في مجال الدراسات الأصولية .