إن النفوس لتجمح كثيراً عن جادة الحق حينما تشبع البطون، تقول عائشة رضي الله عنها: "إن أول بدعة حدثت بعد رسول الله الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم جمحت نفوسهم" .
ذلك أن الجوع الذي تعقبه التخمة لا يصح به بدن، ولا تزكو معه نفس كما أن القلوب التي لا تهزها آية لا يمكن أن يوقظها مدفع .
فمن تعوّد التخمة فلا يفكر في سواها لا يمكنه أن يكون قادراً على تحمل مشاق الحياة، وإن كثيراً مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم التي يتخمونها بكل ما تشتهي، غير مفرقين بين ما ينبغي وما لا ينبغي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (رواه الترمذي) .
وإذا كان البطن مستنقع البلايا، وكانت المعدة بيت الداء، فإن الحمية (الامتناع عن الأكل) رأس الدواء، وليس كالصوم فرصة تستريح فيها المعدة، ويتخلص الجسم من كثير من فضلاته الضارة، وقد أثبت الطب الحديث أن للصيام فوائد طبية كثيرة، فهو يفيد في علاج كثير من الأمراض كضغط الدم المرتفع، وتصلب الشرايين، والبول السكري، ويصلح الجهاز الهضمي، والتهاب المفاصل، وهبوط القلب، ويعطي الجسم والأنسجة فرصة للراحة، كما أنه وقاية من كثير من الأمراض المختلفة، ويكفي أنه يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا وطرح ما شاخ منها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا تصحوا" (رواه الطبراني) .
وقال طبيب العرب الحارث بن كلدة : "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء" .
من هنا، فإن الصوم تربية للأمة لتخرج من الترف والتخمة والترهل والجموح والتسيب، إنه تحرير للإنسان من ذل اللقمة، وإسار الشهوة، فالأمة التي تصوم هي الأمة التي تنتصر، وكم من جياع صنعوا النصر، ومتخمين جلبوا الهزيمة؟
قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد": "لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها، وقبول ما تزكو مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها، ويذكر بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، فهو لجام المتقين وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين" .

د . رشاد سالم