إنها قصة واقعية لم أسمعها من هنا أو هناك، لم تكن مختصرة ولم أضطر لأن أشغل خيالي كي أزيد ما لم اعرفه من التفاصيل الدقيقة، بل كان هناك آباء يعرضون صغارهم للبيع على الهواء مباشرة، على إحدى القنوات العربية، شدني الموضوع جداً، تعاطفت مع واحد منهم واحتقرت الآخرين وكدت أن ألعنهم، كانت أسباب بيع البعض ركيكة بسيطة سخيفة لا تقنعك ولا تجعلك تشعر بالحزن أو التعاطف معهم، بدأ الأب الذي لا يستحق تلك التسمية السامية يقول، لدي سبعة صغار تتراوح أعمارهم بين التاسعة والخامسة من العمر، أنا بلا عمل ووالدتهم أيضاً، لقد تعرضت لحادث أدى إلى كسر في حوضي، بقيت في الفراش لأشهر أعاني الألم والآن صحيح أنني قمت وعدت أسير لكن بصعوبة، ذهبت أبحث عن عمل ما، لكن لم يوظفني أحد بسبب عاهتي فأنا أصبحت أسحب رجلي سحباً، ثم إن لا شهادة عندي تخولني أن اعمل في مكتب، الدين أصبح كبيراً جداً علي، لا شيء عندي لأبيعه سوى أطفالي لأسدد ديوني، وهكذا أكون قد أصبت عصفورين بحجر واحد، منه أتخلص من طرق الدائنين على بابي ومنه يتمتع أطفالي بحياة هانئة على الأقل يشبعون ويشعرون بالدفء .
قال له مقدم البرنامج لكن يا أخ علي أولا طريقتك بعرضهم للبيع كانت قاسية ومؤلمة لهم تحديدا ولمن يراهم عامة، كيف استطعت أن تعلق يافطة كتب عليها أنا للبيع من يشتريني، ووضعت رقم هاتفك النقال وربطت اليافطة على ملابسهم الممزقة وتركتهم يدورون بها في الشوارع؟ ألم تخف على الصغار الذين يبلغون الخامسة والرابعة والثالثة من سنهم أن تدهسهم سيارة ما أو يتم خطفهم وبيعهم في السوق السوداء، أجاب لا كنت أراقبهم من بعيد، أجابه المذيع، لكن إن توقف احدهم ووضعهم في سيارته وانطلق بها وأنت واقف على الناصية المقابلة فكيف ستلحق به أو حتى تأخذ رقم سيارته؟ ثم ماذا ستقول للشرطة: كنت أبيعهم وسرقوا احدهم، سوف يتم سجنك الم تفكر بهذا، قال لا، ليتهم يسجنوني أو أموت لأرتاح من هذا العبء، سأله المذيع، لكن لماذا وأنت أساسا عملك لا يدر عليك ما يكفي لإطعام زوجتك لماذا أنجبت هذا العدد من الأطفال، قال كنت أفكر بأن الطفل يأتي ويأتي رزقه معه، هذا كلام يا سيد علي، ووالدتهم هل هي موافقة على ما تفعله؟ أجابه اسألها، فتوجه إليها بالسؤال فقالت بغصة، أي أم تستغني عن أطفالها فلذات كبدها؟ ولكن ماذا افعل، فعندما مرض زوجي كنت أذهب لتنظيف المنازل لكن المال الذي كنت أحصل عليه كان بالكاد يكفينا لنبتاع عدة بيضات لنقليها وربطة خبز، أين دواء زوجي وابنتي الطفلة لم تعد تشبع من الحليب الذي ترضعه مني لأنني لا أتغذى، فمن أين سيأتي الحليب كما أنها ستبدأ في شهرها السادس وهي بحاجة للخضار والحساء والفواكه، وهناك أدوية زوجي التي تؤمن لنا الدولة بعضا منه والبعض الآخر نبتاعه من الصيدلية، فبدأت أتسول أنتظر المحسنين في الطرقات حاملة الطفلة ذات الأشهر الخمسة، فمنهم من يعطيني ومنهم من يؤنبني ويطلب مني أن أعمل بدلاً من أن أتسول بها تحت المطر وفي البرد أو في الشمس الحارقة، صمت المذيع لثوان قبل أن يعود إلى الوالد ويسأله كم تطلب في الولد؟ أجابه الكبار خمسة آلاف دولار والصغار عشرة، لماذا سأله، أجاب لأن الذي يريد أن يتبنى ولدا يفضله صغيراً ليربيه على ذوقه، ولأنه ينسانا بسرعة أما الكبار فهم سيعذبونهم ويخافون أن يفروا من المنزل فيما بعد أو لا يسمعون الكلام، عندها انتقل إلى الصغار الذين كانوا معه يضعون اليافطة على صدورهم وظهورهم مثلما رأيناهم في الفيلم الذي صور لهم في الشارع الذي رأيناه في بداية الحلقة ، فسأل الولد الأكبر ما رأيك في ما يفعله والدك، نزلت دمعة من عينيه مسحها بيده المتسخة وقال لا شيء، كما يريد أبي افعل فهو قال لي إن العائلة التي ستتبناني سوف تطعمني وتلبسني، سوف يرسلونني إلى المدرسة، يهتمون بي ويعتبرونني مثل ولدهم، لكن ألن تشتاق إلى والديك، وأشقائك وشقيقاتك؟ قال طبعا سوف اشتاق جدا إليهم فانا لا أريد الابتعاد عنهم ولا هم يريدون، نحن نبكي كل مساء عندما يذهب والدي إلى النوم ونحضن بعضنا بعضا، هل فكرت يوما في الفرار من المنزل؟ أجابه نعم لكن أين أذهب سوف أموت من الجوع والبرد، هنا أرحم فانا على الأقل احصل على رغيف من الخبز وسقف يؤويني وغطاء يدفئني بالرغم من انه لا يغطيني بالكامل، لكنني أشعر بالدفء عندما احضن شقيقي، وهكذا كان رد الكبار جميعهم الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والتاسعة بينهم فتاة، تحك شعرها الأشعث كل دقيقة، فأجابوا مثلما قال شقيقهم، وأضافت الفتاة ذات الأعوام الستة، سوف استطيع الاستحمام ويصبح شعري نظيفا وارتدي فساتين عدة وأحذية، وان كنت مطيعة سوف يبتاعون لي دمية، ألعب بها، صمت المذيع مرة ثانية قبل أن يتوقف دقائق للإعلان، فكنا نحن الجالسين المشاهدين صامتين متفاجئين مصدومين من الذي رأيناه وسمعناه، أعيننا تغرغرت بالدموع على هؤلاء الصغار الجياع الفقراء، كيف سيصبحون في ما بعد معقدين مقهورين، يشتاقون إلى بعضهم بعضاً، يذهبون إلى منزل لا يعرفون أحداً فيه، هم أشخاص غرباء عنهم .
يا الله ما هذه الحالة التي وصلنا لها آباء يبيعون أولادهم، آخرون يبيعون أعضاءهم، بعضهم يسرق والبعض الآخر يقتل من أجل حفنة من الدراهم، الفقر صعب انه سيف ذو حدين . والحياة أصبحت صعبة على متوسطي الحال فكيف على الفقراء، بقينا جالسين من دون أن يكلم أحدنا الآخر ننتظر لنرى ماذا سيحل بتلك العائلة ونسمع قصة أب آخر قد باع طفله الرضيع فعلا لسيدة لا تستطيع الإنجاب، لكن، عندما أخذته شعر بأن قلبه قد ذهب معه، فأسرع يسلم نفسه للشرطة ويطلب منهم أن يساعدوه على إيجاده، أخبرهم أنها ستسافر به إلى الخارج خلال بضعة أيام فقط لتحصل له على الأوراق، والحمد لله كما قال تم توقيفها في المطار وأعادوا له ابنه الرضيع، سأله المذيع وكم دفعت لك تلك السيدة؟ أجاب خمسة عشر ألف دولار أمريكي وأكمل لقد ضعفت أمام هذا المبلغ فقلت آخذه منها ثم ننجب ولدا غيره، لكنني لم استطع، كلها دقائق وصحوت من إغراء المال لكنها كانت قد ذهبت وأخذت طفلي البكر معها صرخت زوجتي قائلة حسبي الله ونعم الوكيل فيك حرام عليك أن تسلخ ولدي من بين أحضاني وهو لم يكمل ثلاثة أيام عندها أسرعت إلى الشرطة كما أخبرتك سابقا، قال له المذيع هل أنت نادم على ما فعلت، أخذ يبكي ويقول بالطبع أنا أكثر من نادم ولن أسامح نفسي ما دمت حيا على فعلتي، أقسمت أن اعمل ليل نهار من أجله وطلبت من الله أن يسامحني على ضعفي أمام المال، قال الحمد لله أن النهاية كانت سعيدة، أنا أراه اليوم أمامي ولا اصدق ما كانت ستكون عليه حياتي لو لم استدرك الأمر، فهو كل شيء بالنسبة لي انه حياتي كلها .
ثم جاء دور الرجل الأخير الذي كان متنكرا فقال: لقد أنجبت زوجتي توأماً وتم إقفال الشركة التي كنت اعمل بها بالشمع الأحمر، إذ أن صاحب المصنع استدان من المصرف مبلغاً كبيراً من المال وفرّ خارج البلاد تحول فرحي بالتوأم، حزناً فكرت ماذا سأفعل أنا الآن عاطل عن العمل كما أن الولادة كلفتني الكثير من المال وتم وضع التوأم في الحاضنة لفترة طويلة، فالمستشفى لم يرض إعطائي إياهما إلا حين أدفع له المال وأنا لم أعد أملك شيئاً كنت جالساً في الممر على الأرض قرب الغرفة التي يوجد فيها التوأم واضعا يدي على رأسي وهم الدنيا كله في عقلي، فسمعت صوت بكاء بقربي، نظرت ظناً مني أنها زوجتي فوجدت رجلا وامرأة في خريف العمر يبدوان من ملابسهما من الأثرياء، يقفان ممسكين بأيدي بعضهما بعضاً ويبكيان، وقفت وقلت هل لديكما طفل هنا، أجابا بحسرة كان لدينا لكنه توفي اليوم، تبع شقيقه التوأم فقد ولدا مبكراً لم يكتمل نمو رئتيهما وتعرضا لنكسة فتوفيا واحد تلو الآخر، تأسفت لهما وعزيتهما فسألاني وأنت لماذا تبكي قلت إن التوأم هناك لي، قالوا: وهل هما مريضان . صمت وقلت لا الحمد لله سيخرجونهما الآن من الحاضنة فقد شفيا واكتسبا بعضا من الوزن بعد أن كانا ضعيفين جداً، إذاً يجب أن تفرح بدلاً من أن تبكي، أم أنها دموع الفرح ؟ قلت قليل من الأثنين، ماذا تعني ؟ جلست اخبرهما عن المأساة التي أعيشها ومن أين سآتي بالمال لإخراجهما من هنا، لست أدري ماذا أفعل، لم أدع باباً إلا وطرقته لكن المبلغ كبير وأنا لم أجمع سوى المئات بينما يلزمني الآلاف، أين الإنسانية ماذا افعل ؟ أأتركهما يموتان، نظر الزوجان إلى بعضهما بعضا واستأذنا مني قائلين انتظرنا خمس دقائق سنعود إليك، وفعلا عادا وسألا عن زوجتي قائلين لدينا حل نقدمه إليكما سويا، أتت زوجتي بعد أن كلمتها وجلسنا في المطعم التابع للمستشفى، ظننا في البدء أنهما سيساهمان معنا بمبلغ من المال، لكن الأمر لم يكن أبدا كما اعتقدنا بل كانا يحاولان إبرام صفقة معنا، تكلم الرجل وقال أنا الذي املك المال الوفير فقدت توأماً وأنتما لا تملكان شيئا لكن توأمكما ولله الحمد اجتازا مرحلة الخطر وأصبحا ككل الأطفال بصحة جيدة، نحن لدينا عرض لكما فتوجه بكلامه لي وقال أنت عاطل عن العمل وكما فهمت انك بحثت طويلا لكنك لم تجد راتباً جيدا أو حتى عملاً في الأصل، قلت له نعم صحيح، وأضاف: كما أن منزلكما ليس ملكا لكما، أعني أنكما لا تعرفان متى يرمونكما خارجا، خاصة إذا لم تؤمن الإيجار شهريا، ثم الآن لديك الكثير من المشتريات للصغار كالحليب والحفاضات والملابس والأدوية من أين ستأتي بهذا كله، صمتنا زوجتي وانا لأننا نعلم وفكرنا في كل هذا، قلت له قل ما عندك من الآخر، قال نحن صراحة نتمنى أن نتبنى التوأم طبعاً إذا وافقتما على عرضي الذي أتمنى أن تسمعوه للآخر . أنتما ستعيشان معنا في المنزل الكبير، فتعمل عندي كسائق لي أو تهتم بالحديقة وزوجتك تربي الطفلين وتهتم بهما هكذا تبقون معنا ومع التوأم براتب كبير فما رأيكما، قلنا وماذا ستستفيدان انتما من كل هذا، قالا ألم تفهما، نحن سنكون الوالدين بالنسبة لهما، فزوجتي في سنها هذا لم تعد تستطيع الإنجاب فهي قد تلقحت لكي تنجب لكن الله سبحانه وتعالى لم يرد لنا هذا وأخذهما إليه، هذا نصيبنا، واعتقد انه الحل المناسب وهما لن يعلما الحقيقة ولا أي احد من عائلتنا ولا عائلتكم نحن نقول إنهما صغارنا وأنتما تقولان بأنهما توفيا لا قدر الله قالت زوجتي يعني لن اسمع كلمة أمي منهما وزوجي أيضا، قالا اسمعا أنتما لا زلتما شابين وتستطيعان في المستقبل القريب إنجاب غيرهما لكن نحن، انتهى الأمر بالنسبة لنا أنتما فرصتنا الأخيرة، ونحن فرصتكما الأخيرة، هكذا يكون الجميع سعداء كما يجب أن تفكرا في التوأم وكيف ستستطيعان تربيتهما أما عندنا فكل شيء سيكون مؤمنا لهما من المنزل الكبير والحديقة إلى الحب والحنان وعندما نموت سوف يرثان كل شيء وإذا أردتما إخبارهما الحقيقة عندما يصبحان في سن ملائمة فنحن لا نمانع، أعطيانا مهلة للتفكير وذهبا، جلسنا زوجتي وأنا في المساء ننظر إلى المنزل البسيط الذي نسكن فيه، رائحة العفن والرطوبة تملؤه سينامان معنا في نفس الغرفة هذا إذا أمنا المبلغ للمستشفى لإخراجهما فقررنا قبول عرضهما بالرغم عنا لكن عزاءنا الوحيد كان أنهما سينعمان بحياة لن نستطيع لو بعد مئة سنة أن نؤمنها لهما وثانياً سنبقى دائما بقربهما، دفعا المبلغ المطلوب وأعطيانا مبلغاً كبيراً لأننا وافقنا على قرارهما لكننا رفضنا أن نأخذه فنحن لا نبيعهما نحن أردنا مستقبلاً جيداً لهما فقط ويكفينا أنهما معنا، قدر الزوجان موقفنا وزاد احترامهما لنا حتى إنها طلبت من التوأم أن يناديا زوجتي ماما وهي ينادونها مامي، إنهما لا يتكلمان سوى الإنجليزية أصبحا في الرابعة وهما في أفضل مدرسة في المنطقة أنا أوصلهما ثم أعيدهما يحباننا جدا ومتعلقان بنا، وكان الزوجان مشكورين يسمحان لنا باصطحابهما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معهما في الإجازات الطويلة، قال المذيع الحمد لله إنكما وقعتما بين أيدي هذين الزوجين الطيبين، لهذا طلبت أن تتنكر وتضع الشعر المستعار والنظارات كي لا يتعرف إليك أحد قال نعم انه كذلك من اجلهما ومن أجل التوأم، ثم أن زوجتي حامل الآن والحمد لله وستنجب قريباً، والسيدة الطيبة أمنت لها كل حاجيات الطفلة . هنأه المذيع ثم عاد وانتقل إلى الرجل الذي يريد بيع أولاده السبعة قائلاً ما رأيك في ما سمعته؟ قال هنيئا لهما، لو كان هناك الكثير مثلهما لما اضطررت لأن أبيع أطفالي .
في ذلك الوقت، وبما أن البرنامج يذاع على الهواء مباشرة قال المذيع إن الهواتف لم تتوقف عن الرنين منهم من يريد أن يساعده ومنهم من يريد أن يتبنى ولداً لكن جاء اتصال من سيدة عربية فاضلة وقالت للمذيع أنا سأدفع له مئة ألف دولار أي ضعف المبلغ الذي يريده على شرط واحد أن يحتفظ بالصغار معه ومع والدتهم المسكينة التي كانت تبكي طوال الحلقة، وأضافت السيدة ليس هذا فقط بل سيصله مبلغ شهرياً بواسطة مديرة أعمالي التي سأرسلها لتراقب كل شيء ولنستأجر لهم منزلاً مناسباً يتسع للجميع كي يعيشوا عيشة كريمة ويجب إرسال الأطفال إلى المدارس كي يتابعوا دراستهم، أخذ الرجل وزوجته يشكرانها ويدعوان لها ودموعهما تتساقط من الفرح، أما الصغار فقد خلعوا اليافطات عنهم وأسرعوا نحو والديهم يقبلونهما ويسألونهما ألن تعرضونا للبيع بعد الآن؟