خلف القضبان يعيشون، معتقدين أن هذا هو العالم بأسره، ينظرون إلى الجدران والأسوار من حولهم، ويعتبرونها حدود هذا العالم، فعند أحد الجدران يبدأ، وعند الباب ينتهي، ينامون ويفيقون على وجوه أصبحت معروفة ومألوفة بالنسبة لهم، معتقدين أن هؤلاء كل البشر .
إنهم أبناء السجينات، الذين وقعوا ضحية أخطاء أمهاتهم، ليرى أغلبهم النور على سرير السجن، أو يدخل برفقة أمه إلى مكان لم يختره، ولا يدري لماذا يتواجد فيه .
وتتوالى السنون، ويكبر هؤلاء الأطفال، وتكبر معهم أحلامهم، ولكنها تبقى متواضعة، فمهما كبرت، لن تخترق حدود السجن وزواياه، فهم لم يروا عالما أوسع منه، أو بالأحرى لم يروا غيره .
زرنا هؤلاء الأطفال في سجن النساء بدبي، للتعرف على الأوضاع التي يعيشون فيها، والظروف والمواقف التي يمرون بها، والمفاجأة أنها أفضل مما يتوقعه الكثيرون، ولكن رغم ذلك يبقى السجن سجنا، ويبقى هؤلاء الأطفال أبرياء ظلمتهم الظروف، ومن حقهم أن ينطلقوا في عالم بلا أسوار ولا قضبان .
بداية الحديث كانت مع الرائد سعاد يوسف، مديرة إدارة سجن النساء بدبي، التي أكدت أنه يتعامل مع هؤلاء الأطفال بمنتهى الإنسانية والحنان . وقالت: بداية، وجود الأطفال هنا سببه الرأفة بهم، ورغم يقيني التام بأن السجن ليس هو المكان الأنسب للطفل، إلا أن ظروفه ووجود أمه فيه للعقاب والإصلاح جعلت من وجوده معها أفضل الحلول، لأن مجرد التفكير بنزعه من حضن أمه فيه الكثير من القسوة عليهما، كما أن الدولة قادرة على إيجاد وتوفير بيئة آمنة وحاضنة للأطفال، ولكن الرؤية الحكيمة للقائد العام لشرطة دبي ونائبه تركز على أهمية وجود الأم والابن معاً في هذه المرحلة بالنسبة لهما، وتحرص أيضاً على توفير بيئة سليمة لرعاية هؤلاء الأطفال .
وذكرت الرائد سعاد يوسف أن النزيلات الحوامل لهن وضع خاص وطريقة معاملة خاصة وفقا لوضعهن الصحي، وأشارت إلى أنه في السابق كان يسمح للطفل بالبقاء مع والدته حتى يكمل العامين من عمره، وبعدها كان لا بد من تعاون النزيلة لإخراج الطفل وتسليمه إلى جهة أخرى كأحد أقاربها أو ذويها، ولكن تغير الوضع في الوقت الحالي، وأضافت: فتحت القيادة العامة لشرطة دبي المجال للطفل ليبقى مع أمه لفترة أطول، وخصوصا حين لا يكون للنزيلة اقارب أو تخاف ألا يلقى طفلها الرعاية المطلوبة، أو تكون مرتبطة به إلى حد كبير، وهنا يتجسد حرص القيادة العامة لشرطة دبي على أن تبقى الأم لصيقة بالطفل .
وعن الأجواء التي يعيش بها الأطفال في السجن قالت: نحاول قدر المستطاع توفير أجواء إيجابية للطفل، ولذا توفر القيادة العامة كل مستلزمات الأطفال من مأكل ومشرب واحتياجات، والرعاية الصحية والفحص الطبي الدوري لهم، كما نسعى لإشراك الطفل في المناسبات المختلفة، كحق الليلة واحتفالات اليوم الوطني، ونستغل هذه المناسبات لتوصيل مفاهيم معينة ليكتسبها الأطفال .
وذكرت الرائد سعاد يوسف أن إدارة السجن استحدثت برنامجا تثقيفيا ترفيهيا يتعلم الأطفال من خلاله الحروف والألوان والأرقام وأسماء الحيوانات وكتابة أسمائهم وهكذا، ليكون الطفل مهيأ للتعامل مع العالم الخارجي حين الإفراج عن والدته .
وعبرت عن سعادتها بالأثر الإيجابي لهذا البرنامج، وقالت: لاحظنا التأثير الإيجابي على الأم والطفل معا، فالأم اصبح أمامها متسع من الوقت أثناء وجود طفلها في البرنامج لترتاح وتمارس أمورها الحياتية، كما أصبح الطفل يقضي وقتا ممتعا ويشبع رغبته في التعلم، وأثر ذلك على نسبة المشادات والشجارات بين النزيلات والأطفال، إذ كان الجميع يعاني من الضغوط وخفف هذا الأمر الكثير عنهم .
وأشارت إلى أن إدارة السجن تعمل على استحداث أماكن خاصة لفصول الأطفال، واستقطاب تربويات متخصصات ومؤهلات في مجال رعاية الطفل، وكل هذا يوفر للطفل بيئة إيجابية .
في أحد الأروقة تمشي ثريا سينفرفيز، متهمة في قضية مخدرات، برفقة ولدها أحمد 4 سنوات، الذي أنجبته داخل السجن . وعن وجوده معها قالت: وجود ابني معي أمر جيد للغاية وأشكر المسؤولين على ذلك، ولكن وجوده في السجن كمكان لا أراه أمراً جيداً له كطفل، فمن حقه أن يرى العالم الكبير أمامه .
وتعيش عائلة سينفرفيز جميعها في باكستان وليس لديها أحد في الدولة ليعتني بطفلها .
وذكرت أن ابنها عصبي، وأرجعت ذلك لحب النفس البشرية للحرية وتطلعها لها بشكل دائم، وقالت: إلى جانب ذلك يعاني ابني مشكلات في نمو أطرافه، وهذا يصعب الأمور عليه .
وأكدت أن السجن يوفر لها كل ما تحتاجه، ويزود ابنها بجميع احتياجاته من حليب وحفاضات وثياب وتحفيظ القرآن الكريم وتعليم من خلال البرنامج الجديد .
وأوضحت أن ابنها يسألها باستمرار عن سبب وجوده في مكان كهذا، وقالت: كثيراً ما ينفعل وينزعج من وجوده هنا، ويسأل عن عالم آخر يرغب في العيش فيه .
أكملت أجيباتي تيميبوتي، سنتين وثمانية أشهر في السجن، ترافقها طفلتها فيكتوريا التي ستكمل العامين قريبا، ورأت النور وراء القضبان . تنتظرهما 7 سنوات أخرى لتكمل الأم محكوميتها المحددة بعشر سنوات .
تحدثت أجيباتي عن وجود طفلتها معها في السجن، فقالت: هذا هو الحل الأمثل لي ولها فليس هناك أحد يمكن أن يعتني بها، وإن بقيت في الخارج بعيدة عني سأبقى قلقة عليها باستمرار .
وذكرت أن السجن يوفر لطفلتها ما تحتاجه، وقالت: حكومة دبي وإدارة السجن تقدمان أفضل الخدمات لنا، وتسعيان بجد لتوفير احتياجات الأطفال، وأرى هذه الخدمات جيدة بنسبة 60%، وتتحسن يوماً بعد آخر، وهو أمر يستحق أن نوجه الشكر عليه لإدارة السجن وحكومة دبي، كما أن مديرة السجن قدوة حسنة لنا .
ورغم ذلك، ذكرت اجيباتي تيميبوتي أن هذا لا يعوض ابنتها عن الحرية التي من حقها أن تحصل عليها، وأضافت: أعترف بالخطأ الكبير الذي ارتكبته وألوم نفسي كثيرا، ولكني أفكر بطفلتي باستمرار وأرى أن من حقها أن يفرج عنها، وأتمنى لو يتم مسامحتي والإفراج عني من أجل طفلتي .
وتحدثت عن مشكلة تعاني منها طفلتها بسبب وجودها في السجن فقالت: تخاف ابنتي من أي شحص تراه للمرة الأولى، فهي لم تتعود على الاختلاط وستعاني كثيرا إن بقيت هنا لفترة طويلة .
وعبرت أمينة ناسيلون، عن سعادتها للسماح لطفلتها ريسة 3 سنوات، بالبقاء معها في السجن، وقالت: أكملت 3 أشهر هنا، ومدة محكوميتي سنة، ووجود طفلتي معي أمر جيد وإنساني، ولكني لا أرى أن السجن كمكان أمر جيد لأي طفل .
وأكدت أن إدارة السجن توفر جميع احتياجات طفلتها، وذكرت أنها قلقة من وجود طفلتها في السجن لفترة طويلة، ولكن ليس هناك من يرعاها فوالدها أيضاً في السجن .
فور أن دخلت كارين آن السجن، أنجبت طفلتها أونيكا 9 شهور، وكان لا بد للطفلة من وجودها بجانب والدتها لترعاها، وخصوصا في ظل عدم وجود أحد من أقاربها داخل الدولة، وقالت كارين . كان من الضروري أن تبقى طفلتي معي، وهذا ما وفرته لنا إدارة السجن هنا، وهو أمر يشكرون عليه .
وأكدت أنه رغم توفر كل شيء للطفلة، إلا أن السجن لا يعد البيئة المناسبة لأي طفل، وقالت: لا أعلم كم سأبقى في السجن، فقضيتي تتعلق بديون، وحين اسدد ما علي يمكنني الخروج، وهذا يعذبني لأنه يجعلني لا أعرف متى ستخرج طفلتي إلى العالم الخارجي، فرغم أن بقاءها معي أمر جيد، إلا أنها بحاجة لهواء نقي تتنفسه في العالم الفسيح، ومن الطبيعي أن الأمر يختلف في الخارج عنه وراء القضبان بالنسبة لها، كما أن بقاءها هنا لفترة طويلة سيجعل من الصعب عليها الاندماج مع الآخرين .
وذكرت أنها والنزيلات الأخريات أفضل حظا من غيرهن ممن لا تسمح لهن حكومات سجونهن بإبقاء أطفالهن معهن .
وكغيرها، أنجبت تاروبا كونسيراكسا، ابنها اليكا الكسندر (عامان وثمانية أشهر) في السجن، وكان الأمر صعبا بالنسبة لها، وقالت: كل أم ترغب في أن يبقى طفلها معها، ولكن تنشئة الطفل داخل السجن أمر صعب، وخصوصا لمن تصل فترة محكومياتهن إلى عشر سنوات مثلي .
وذكرت أن إدارة السجن باستحداثها للبرنامج التثقيفي حلت مشكلات كثيرة، ولكن هذا لا ينفي أن الطفل يحتاج لأن يختلط ويندمج مع أقرانه في العالم الخارجي .
وأكدت أن طفلها يبكي حين يرى أشخاصا يزورون السجن للمرة الأولى، وهذا يدل على أن الطفل بحاجة لعالم يعيش فيه كما يعيش الآخرون .
من خلال تعاملها مع النزيلات في سجن النساء، أكدت نجود النور عثمان، اختصاصية نفسية، أن بقاء الطفل مع أمه هو الحل الأنسب له دائما، ولكن وجوده في السجن كمكان ليس هو الأنسب على الإطلاق .
وذكرت أن السجن يضم 56 طفلا، وقالت: حين استلمت مهام عملي، توقعت أن الأطفال تحت السنتين هم من يسمح لهم بالبقاء مع أمهاتهم، ولكني فوجئت بأطفال أكبر عمرا، والمشكلة أنهم أبناء لأمهات تصل مدة أحكامهن إلى عشر سنوات، كما فوجئت بأطفال ولدوا في السجن وأتموا فيه أربع سنوات أو أكثر، وهنا كان لا بد لنا من العمل على تعويض هذه الثغرات، فقمنا باستحداث البرنامج التثقيفي الترفيهي لمحاولة تسهيل عملية دمج الأطفال في المجتمع بعد خروجهم من السجن .
وذكرت أن بقاء الطفل حتى عمر السنتين في السجن لا يسبب مشكلة، ولكن المشكلة تبدأ بعد ذلك، فهو في هذه المرحلة يحتاج لأن ينطلق نحو المجتمع والعالم الكبير .
وعن نفسية الطفل وقدرته على تخطي صدمة خروجه من السجن ليواجه العالم بعد الإفراج عن أمه قالت: ليس سهلا على الطفل أن يندمج مع العالم الجديد، وهذا يعتمد على الأم في تهيئة طفلها، وهنا تعد توعية الأم مهمة للغاية، ونحرص على ذلك، كما نحرص على دمج الأم في البرنامج التثقيفي لتستطيع التعامل بعد ذلك مع طفلها حين يخرجان من السجن .
وعن نفسية الطفل السجين قالت: نواجه مشكلات كثيرة في هذا الشأن، إذ نسعى بشكل دائم لدمج الأطفال مع العالم الخارجي من خلال رحلات نخطط للقيام بها، ولكننا نواجه عقبات تتمثل في الإنسان والطفل وحقوق الأم، فإن اصطحبنا الأطفال في رحلة نخشى أن يتعرض طفل للأذى، وهنا من سيتحمل المسؤولية، كما أن اختلاف أعمار الأطفال يجعل من الصعوبة الاتفاق على مكان يناسبهم جميعا .
وتحدثت نجود النور عن أهمية رعاية الطفل في السجن وقالت: حقوق الطفل مهمة جدا، ونحرص في السجن على جميع الأطفال، ومن تهمل طفلها نردعها، فالطفل لدينا لا يضرب ولا يهان، وقد واجهنا مشكلات تتمثل في الشجارات بين النزيلات، التي يتأثر بها الأطفال، فمنعنا كل ذلك، وقمنا بتوعية الأمهات، كما نوعي الأطفال من خلال المحاضرات بحقوقهم، ونعلمهم أموراً كثيرة، فمثلا إن تعرض الطفل لإساءة، نعلمه كيفية التصرف ولمن يلجأ، ونحاول قدر الإمكان أن نهيئ الطفل لما يمكن أن يواجهه في العالم الخارجي .