اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (البقرة 255) .
إذا كانت سورة البقرة سنام القرآن فآية الكرسي سنام البقرة، وهي الآية الأعظم، وهي سيدة آي القرآن، ومن أعظم الآيات التي تناولت جناب التوحيد، تُتلى بعد كل صلاة، وقبل النوم، وفي الصباح، وفي المساء، ذلك أنه كلما تعلّقت معاني الآية بالحديث عن الله عز وجل كانت أشرف وأعلى منزلة، وكلام الله كله في المنزلة الأعلى، وهي من الآيات التي يكثر حفظها عند العامة حتى هؤلاء الذين لم يتيسر لهم غير حفظ القليل من القرآن الكريم، من قرأها وتأملها ظهرت له عظمة المولى جل جلاله، وهي لهذا وذاك تحتاج منا إلى الكثير من التأمل والفهم .
سيدة آي القرآن
هي أعظم آية في كتاب الله تعالى كما روى أبيُّ بن كعب رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سأله: أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ قال: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: فردَّدها مرات، ثم قال أبيٌّ: آية الكُرْسِيّ، قال: لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إنَّ لها لسانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الملِكَ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأحمد وَاللَّفْظُ لَهُ) .
وهي سيدة آي القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء سَنَام، وإنّ سنام القرآن سورة البقرة، فيها آية هي سيدة آي القرآن، ولا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه، هي: آية الكرسي، وفي فضلها أيضا: حديث أبي أمامة رضي الله عنه، عن النسائي وابن حبان: من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاةٍ مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت .
شرف هذه الآية من شرف موضوعها فهي بمثابة النبذة التعريفية عنه سبحانه، وإذا أنت قرأت ما ورد من فضل آية الكرسي وفضل سورة الإخلاص تعرف الشبه الكبير بينهما، ذلك لما اشتملتا عليه من أصول معرفة صفات الله عز وجل، ولهذا السبب بالذات ورد في الصحيح أن (الإخلاص) ثلث القرآن قال صلوات الله عليه وسلامه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن، وقد قال أهل العلم: إنما كانت هذه الآية (آية الكرسي) أعظم آية في القرآن، لأنها تميزت بذكر أصول الأسماء الحسنى، والصفات العلا لله عز وجل، ذكر فيها خمسة أسماء من أسماء الله الحسنى، وهي: في أولها: الله، الحي، القيوم، وختمت: بالعلي العظيم، وهذه الأسماء تدل على الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه الصفات السبع هي أصول الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فاسمه الله اسم علم ترجع إليه جميع الأسماء الحسنى، وهو الاسم الأعظم كما هو القول الصحيح وقال به عدد كثير من أهل العلم . والحي ترجع إليه جميع الأسماء والصفات، والقيوم أيضا يدل على كمال قيامه، وبعده عن الغفلة والنوم والمرض وترجع إلى الحي القيوم جميع صفات الكمال والجلال .
الحي القيوم
بدأت باسمه سبحانه من دون سائر الأسماء الحسنى، لأن اسم الله لا يشاركه فيه أحد سواه ثم جاءت كلمة التوحيد التي تفسر معنى الله وهو الإله الذي لا معبود بحق إلا هو ثم بعد نفي جميع الآلهة نعت الله سبحانه وتعالى نفسه باسمين من أعظم أسمائه الحي القيوم، قال أهل العلم كل أسماء الله الحسنى مردها إلى معنى هذين الاسمين .
وقد قيل: إن معنى الحي أن حياة الله جل وعلا حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، فحياة الله حياة تامة كاملة، ولأن بعض الأحياء يحتاج من يقوم به ويساعده فأتبعه بصفة القيوم، قائمٌ بنفسه وقائم بشؤون عباده، ولا قِوام للموجودات من دون أمره، فهو سبحانه قائم على كل نفسٍ بما كسبت، وهاتان الصفتان الحي القيوم تدلان على جميع الصفات لله تعالى فمن لوازم الحي أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً ومن لوازم القيوم أن يكون عليماً حكيماً على كل شيء قدير إلى آخر كل صفات الكمال والجلال .
ولأن القائم على شيء ما قد يكِلّ أو يملَّ أو يغفل، اتبعها بقوله لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ، وهي الغفلة أو النعاس، فمن كمال قيوميته أنه لا تأخذه السنة ولا النوم، وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ومعنى القيوم أنه جل وعلا مستغن عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، فلا قوام لأحد إلا بالله، وهو عز وجل غني كل الغنى عن جميع خلقه اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .
القادر العليم
ثم بيّنت الآية ما يختص به سبحانه من قوة وقدرة وملك ووجاهة وعلم فبدأ بالقوة والقدرة فهو سبحانه الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْم، له ملك كل شيء لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، ويكتمل هذا الملك إذا كان له جاه، ومن المعروف أن صاحب المنزلة والوجاهة جديرٌ بالشفاعة، وزيادة على ذلك لا بدّ من أن يأذن سبحانه للشافع فلا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ثم يكتمل هذا المُلك والجاه مع العلم التام، حيث إن كل ملك من ملوك الأرض لابد أن يعلم كل ما يدور في مملكته والله له المثل الأعلى فيعلم مستقبلهم وحاضرهم وماضيهم وانسهم وجنهم ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتابٍ مبين( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ثم إن هذا العلم لا يطّلع أحدا على شيء منه وجاءت شيء نكرة في سياق النفي فحتى الشيء البسيط من العلم لا يطلع أحد عليه إلا بمشيئته، وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء، ثم الذات وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وبعد هذا كله يتساءل السامع عن صفة هذا الحي القيوم، فجاءت العبارة القرآنية ببلاغة جميلة حيث جاءت صفة مخلوق يتعلّق بجزءٍ من ذاته سبحانه وهو الكرسي موضع قدمي الرب عز وجل، فهذا الكرسي يسع السماوات والأرض بل إن السماوات والأرض في الكرسي كحلقةٍ أُلقيت في فلاةٍ كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع صغر حجم السماوات والأرض بالنسبة لكرسي الرب سبحانه، لا يعجزه ولا يثقله حفظهما وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، قال الحافظ بن كثير، رحمه الله تعالى: أي: لا يثقله حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه .
وخُتمت الآية بقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ إشارة إلى أنه مع كونه يحفظ السماوات والأرض إلا أنه عالٍ بعظمته مستوٍ على عرشه سبحانه وتعالى عليّ بذاته على جميع مخلوقاته، وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العليّ الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، وخضعت له الصعاب، وذلت له الرقاب، وهو المُعَظَّمُ الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء، الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح .