إنه محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي.. ويصل نسبه إلى سيدنا إبراهيم، عليه السلام.
وقصي الذي ينتهي نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه كان عظيم الشرف، كثير المال، وكانت خزاعة في عهده وبنو بكر يتولون البيت الحرام وأمر مكة، ورأى قصي أن قريشا إنما هي الوارث الشرعي لإسماعيل فهي سلالته، وصريح ولده ودخل قصي في قتال عنيف مع خزاعة وبني بكر وكانت له الغلبة في النهاية.
لما فرغ قصي من نفي خزاعة وبني بكر عن مكة تجمعت إليه قريش - حسبما يروي ابن سعد في طبقاته الكبرى - فسميت يومئذ قريشا لحال تجمعها، فالتقرش هو التجمع.
وقصي بن كلاب.. كما يقول ابن عباس - رضي عنهما - كان أول ولد كعب بن لؤي، أصاب ملكا، فكان شريف أهل مكة، لا ينازع فيها، فابتنى «دار الندوة» وجعل بابها إلى البيت، وفيها كان أمر قريش كله، وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة فيما بينهم.. وقسّم قصي مكة أحياء وخصص كل قوم من قريش بحي.. وقبل وفاته أعطى مناصب الشرف كلها إلى أكبر أبنائه سنا، «عبد مناف».
العشيرة الأقربون
عندما نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وقال له الحق سبحانه «وأنذر عشيرتك الأقربين» جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني «عبد مناف» وقال لهم: «إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم الأقربون من قريش، وإني لا أملك لكم من الله حظا، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، فأشهد بها لكم عند ربكم، وتدين لكم بها العرب، وتذل لكم بها العجم».
وعبد مناف بن قصي كان له 12 ولداً نصفهم من الذكور، من بينهم «هاشم بن عبد مناف» وهو صاحب إيلاف قريش، فهو أول من سنَّ الرحلتين لقريش، ترحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن والحبشة فيكرمه النجاشي ويعطيه الهدايا، ورحلة الصيف إلى الشام وغزة وربما يصل إلى أنقرة ويلتقي قيصر فيمنحه الهدايا.
وكان هاشم رجلاً شريفاً طموحاً ذكياً، وقد استعاد حقه في القيادة والزعامة في مكة من «بني عبد الدار» أبناء عمه، وكان رجلاً عريض الثراء، ومن أقواله «يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم به وحفظ منه أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزواره».
جد الرسول
وولد لهاشم بن عبد مناف أربعة من الأولاد كان منهم «شيبة الحمد» وهو عبد المطلب بن هاشم، الذي تولى الرفادة والسقاية في مكة» (إطعام الحجاج وسقايتهم) وظل يطعم الحجاج ويسقيهم إلى أن حفر زمزم فأصبح يسقي الحجاج من زمزم ويحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم به، وكانت زمزم سقيا من الله.
وكان عبد المطلب من حكماء العرب ومن حكماء قريش وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها كالمنع من نكاح المحارم وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة. ويصف المؤرخون عبد المطلب - جد الرسول - فيقولون: «كان أحسن قريش وجها، وأمدهم جسما، وأحلمهم حلما، وأجودهم كفا، وأبعد الناس عن كل موبقة تفسد الرجال، فلم يره ملك قط إلا أكرمه وشفعه وكان سيد قريش حتى مات».
أما عبد الله، والد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كان صورة طبق الأصل من أبيه، ولو أمهله الزمن لتولى مناصب الشرف التي كانت بيد عبد المطلب. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما يقول المؤرخ الإسلامي د. عبد المقصود باشا، أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر - من أشرف بيوت مكة وأكرمها وأسماها بشهادة المؤرخين جميعا، فكان صلوات الله وسلامه عليه كما يقول ابن هشام: «أوسط قومه نسباً، وأعظمهم شرفاً من قبل أبيه وأمه».
بشائر النبوة
هذا النسب الشريف، إلى جانب الارتقاء النبوي، تلاحما في شخصية الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - فكان بحق شخصية عظيمة تمتلك كل مقومات القيادة والزعامة والتأثير.
كانت بشائر النبوة منذ أن حملت به أمه «آمنة بنت وهب» حيث كانت تقول: «ما شعرت أني حملت به ولا وجدت له ثقلة، كما تجد النساء، وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال:»هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول: لا أدري.. فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها، وذلك يوم الاثنين.. قالت: فكان ذلك مما أيقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى دنت ولادتي فأتاني ذلك الآتي فقال: قولي: «أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد»، قالت: فكنت أقول ذلك».
يقول أبو جعفر بن محمد: «أمرت آمنة وهي حامل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسميه «أحمد»، ورأت أمه حين ولدته كأن نوراً سطع منها أضاءت له قصور الشام، وولدته صلوات الله وسلامه عليه، فأرخ ميلاده الشريف ابتداء التمهيد لما أرادته الحكمة الإلهية من إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، بمعنى أن الله - سبحانه وتعالى - في تلك الفترة التي سبقت الرسالة أحاط رسول الإسلام بعنايته ورعايته ليكون أهلا لأن يحمل أعظم رسالة، ولأن يبشر بالدين العالمي، ولأن يبين للإنسانية أجمع المعنى الصحيح فيما يتعلق بأمر الصلة بين الإنسان وخالقه، وفيما يتعلق بأمر سلوك كل شخص بالنسبة لنفسه وبالنسبة للآخرين، وليحدد مسؤولية كل شخص في المجتمع حاكماً كان أو محكوماً، زوجاً كان أو أباً أو ابناً أو أخاً أو رئيساً في العمل أو عاملاً إلى غير ذلك مما يشتمل على بعضه الحديث الشريف: «كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل في بيته راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته».
بداية انهيار الشرك
ينقل لنا العديد من كتب السيرة النبوية - كما يقول د. عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين بالأزهر - أن ميلاده المبارك كان زلزالا ضد كل مظاهر الضلال والانحراف التي كانت تسود في عصره، فقد ذكر بعض هذه الكتب أنه في ليلة ميلاده - صلى الله عليه وسلم - «غاضت بحيرة ساوى وتصدع إيوان كسرى، وخبت نار الفرس».. أما الأصنام التي كانت على ظهر الكعبة فإن مصيرها المحتوم وتحطيمها المؤكد تحدد موعده بالسنين والأيام.. وهكذا بدأت عمد الشرك والضلال والانحراف والظلم والاستعباد تتهاوى وتنهار منذ ميلاد الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - وأصبح أمر النور والهداية والرشاد وشيك الظهور والانتشار، وهكذا ظهر المولود الذي أراده الله هادياً للبشرية كلها وسماه جده عبد المطلب «محمدا» وعندما ما قيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من أبنائك وقومك؟
قال: إني لأرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم، وكان عبد المطلب - كما يروي بعض كتب السيرة النبوية - قد رأى في نومه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في الشرق، وطرف في الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها. وعندما قصها على أحد الذين يثق بهم بشّره بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض.. فلذلك سماه «محمدا» وسمته أمه من قبل «أحمد».
ظهرت بركات الرسول - صلى الله عليه وسلم - على كل من التقى بهم وتعرف عليهم، خاصة مرضعته «حليمة السعدية» التي روت كتب السنة عنها كيف كانت علاقتها بمحمد الطفل الذي ترضعه كلها بركة وخير ونماء، وكان يظهر ذلك على ما معها من دواب وأغنام، حيث كانت تسير في أرض جدباء وكانت تحلب فتشرب وترضع، أما الآخرون فلا يجدون شيئا في أغنامهم، وكان قومها يقولون لرعيانهم «ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تفيض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا» وذلك بفضل بركة رسول الله الذي رعاه خالقه منذ أن كان نطفة في ظهر أبيه حتى خرج إلى الوجود، وهيأ له الحياة الطيبة المستقيمة ليكون بعد ذلك وبحق إمام العظماء، فمسيرة حياته مليئة بالكفاح وكل ما هو شريف وكريم، ومن حق الأمة كلها أن تشرف بهذا النبي والإنسان الذي وصفه خالقه بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم».