عن دار البشائر الدمشقية صدر حديثاً للباحث السوري محمد رسلان طحان كتاب بعنوان أعلام الصحابة الذين ولوا دمشق وسبق للمؤلف أن أصدر كتاباً مثيلاً بعنوان كشف النقاب عمن ولي حمص من الأصحاب. ويمتاز كتابه الجديد بدقة معلوماته وغزارة مادته وقوة أسلوبه، ويترجم الكتاب لأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ولوا دمشق وهم الذين اشتركوا في تحريرها من الحكم الرومي الذي استمر عصوراً مديدة وهؤلاء الصحابة الولاة هم يزيد بن أبي سفيان وأبوعبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان.

في مقدمة الكتاب يشير المؤلف إلى أن اختياره دمشق لترجمة أعلام من وليها من الصحابة جاء من كونها مركز انطلاق مواكب الفاتحين ومهوى أفئدة العلماء والباحثين الذين توافر لهم فيها كل ما يروي ظمأهم، ويحقق طموحهم، فنمت وأينعت فيها كل أنواع العلوم والفنون، وغدت مركزاً إشعاعياً حضارياً أنار للبشرية طرق الهداية.

أول الولاة الذين تولوا دمشق من الصحابة يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية الأكبر الذي كُني أبا خالد، أمه أم حكيم ويُعرف بيزيد الخير، كان من فضلاء الصحابة وشجعانهم، استعمله النبي (صلى الله عليه وسلم) على صدقات أخواله بني فراس واستعمله الخليفة أبو بكر الصديق على ربع جيش الفتح الإسلامي لبلاد الشام، ووعده بولاية دمشق، فكان أول والٍ على دمشق في شهر رجب عام 13ه واستطاع بعدله وتقواه أن يؤلف قلوب أهلها ويشرح صدورهم للإسلام، فدخل الكثيرون، وأرسل يزيد إلى الخليفة عمر يطلب منه أن يرسل من يعلّم الناس فقه الدين الجديد وتعاليمه السمحة. وكان يزيد كما يقول المؤلف من القادة المحنكين والساسة البارعين، جمع الشجاعة إلى رجاحة التفكير وحسن الإدارة، كان ميمون الطلعة، فلم يُعرف أنه خاض معركة خاسرة في معارك الفتوح، بل كان القائد البطل الذي يتقدم جنوده للقاء الأعداء، وعندما قدم الخليفة عمر الى دمشق وزاره وقت عشائه لم ينكر عليه تناول أطايب الطعام لأنه يعلم أن يزيد لا يمكن أن يمد يده إلى مال المسلمين، وكان دوره رضي الله عنه بارزاً في نشر الإسلام في بلاد الشام ونقل سكانها من جور الطغيان إلى عدالة الإسلام. توفي رضي الله عنه بطاعون عمواس عام 19ه.

الصحابي الثاني من ولاة دمشق بعد الفتح الإسلامي لها الصحابي أبوعبيدة بن الجراح القائد الشجاع الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا أمين الأمة، وكان أبو عبيدة أحد المسلمين الرواد الذين شرح الله صدرهم للإسلام، هاجر إلى الحبشة واشترك في جميع غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) واختاره لقيادة السرايا وبعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم) وقف إلى جانب الخليفة أبي بكر في حروبه ضد المرتدين، وفي فتوح الشام حمل لواء الفتح الثالث وهدفه حمص، ولاه الخليفة عمر بن الخطاب قيادة الجيوش الفاتحة في بلاد الشام، وعندما كان أبو عبيدة بن الجراح في حمص نُقلت إليه الأنباء عن حشد جيش رومي كبير، فأشار عليه الصحابة أن يستدعي جميع الجيوش الإسلامية الفاتحة وأن تتخلى عما في يدها وتجتمع في اليرموك، وهكذا جمع أهل حمص ورد إليهم الجزية التي أخذها منهم لأنه غدا غير قادر على حمايتهم، وأمر جميع قادة الجيوش أن يعيدوا الجزية إلى أصحابها، كان رضي الله عنه شجاعاً رحيماً، عادلاً زاهداً، وهذا مما شجع الكثيرين على الدخول في دين الإسلام الجديد. في أوائل عام 17ه انتشر مرض الطاعون القاتل وكان أول ظهوره في قرية عمواس التي تقع جنوبي شرق الرملة القريبة من القدس فنُسب إليها ثم انتشر في بلاد الشام، وفي هذا العام زار الخليفة عمر الشام، وعندما بلغه انتشار المرض رجع إلى المدينة وخاف الخليفة عمر على أبي عبيدة أن يغتاله الطاعون، فكتب إليه رسالة يستقدمه إلى المدينة كي يستنقذه قال فيها: (إني بدت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها، فإن أتاك كتابي ليلاً فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إلي، وإن أتاك نهاراً، فإني أعزم عليك ألا تمسي حتى تركب إلي، فهمَ أبو عبيدة قصد الخليفة فاعتذر عن عدم تلبية طلبه، وفضّل ألا يتميز عن أصحابه وأن يلقى ما يلقاه غيره من المسلمين فكان جوابه رضي الله عنه عندما قرأ كتاب الخليفة: يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين ولا أجد بنفسي رغبة عن الذي يصيبهم أي لا أرغب أن أحفظ نفسي عما يصيبهم ولا أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم، فإذا أتاك كتابي هذا فحللني أي أعفني من عزمك وائذن لي بالبقاء.

فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضت عيناه، فقال له من عنده: أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين؟ فقال لا ولكن الموت منه قريب، ولم يخب ظن الفاروق عمر فسرعان ما سرى الطاعون في جسد أبي عبيدة وكان أبو عبيدة حريصاً في معاركه على الشهادة في ساحات المعارك مثل الصحابي القائد خالد بن الوليد ولكنه لم يظفر بها، إلا أنه لم يُحرمها وهو على فراشه لأن موت الطاعون شهادة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطاعون شهادة لكل مسلم) رواه البخاري في كتاب الطب.

ولم يترجل أبو عبيدة عن صهوة جواده حتى اكتحلت عيناه برؤية بلاد الشام وقد ارتحل عنها الغرباء وسُلمت لأهلها الأصليين، وخفقت فوق ربوعها راية الإسلام، وظل كما يقول المؤلف أميناً على عقيدته لم تبطره الفتوح، ولم تفتنه الدنيا حتى فارقها.

الشخصية الثالثة من ولاة دمشق التي ترجم لها مؤلف الكتاب الصحابي معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الذي أسلم على يد الداعية الصحابي الجليل مصعب بن عمير وكان عمره ثمانية عشرة عاماً، عكف على حفظ القرآن الكريم وفقه ما فيه، فغدا الإمام المقدم في علم الحلال والحرام، قال عنه النبي (ص) أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل اشترك في جميع غزوات النبي (ص) وكان أحد الستة الذين جمعوا القرآن الكريم على عهد النبي (ص) الذي ولاه القضاء في اليمن، وكان أحد أعضاء المجلس الاستشاري للخليفة أبي بكر، اشترك في فتوحات الشام، عندما قدم الخليفة عمر الى الجابية وأراد قسمة الأرض التي فُتحت عنوة على المسلمين، فنصحه معاذ ألا يفعل ذلك كي لا يصير الشيء الكثير في أيدي القوم، ولا يجد من يأتي يعدهم ما يملكون فأخذ الخليفة برأيه وأبقى الأرض مع فلاحيها، وعندما أحس أبو عبيدة بدنو أجله عهد إلى معاذ بإمرة دمشق، فأقره الخليفة عمر عام 18 ه، وأقبل أهل دمشق على معاذ يستفيدون من علمه الجم وورعه وتُقاه، وأمضى الصحابي معاذ بن جبل حياته القصيرة مجاهداً في ساحات المعارك ومعلماً في حلقات المساجد.

ويخصص المؤلف محمد رسلان الطحان الصفحات الأخيرة من كتابه لترجمة حياة الصحابي معاوية بن أبي سفيان الذي ولد في مكة في بيت الغنى والجاه والسيادة أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي أحد سادات قريش الممثل لطبقة الأغنياء في مكة، رآه أحد متفرسي العرب وهو صغير فقال: إن هذا الغلام سيسود قومه، جاء أبوه وهو صغير بمعلم علمه القراءة والكتابة، جاهر بإسلامه عام فتح مكة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة، وغدا كاتباً للنبي (ص) يكتب الرسائل والمعاهدات، في عهد الخليفة أبي بكر اشترك في حروب الردة وفي الفتوح الإسلامية، كان يسير في مقدمة جيشه وهو الذي كتب معاهدة الصلح لمدينة القدس، وكان معاوية رضي الله عنه من كبار الفاتحين، فتح مدينة قيسارية عام 19ه وعندما مات والي دمشق أخوه يزيد بن أبي سفيان في ذلك العام ولّاه الخليفة أبو بكر على دمشق، وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان غزا معاوية عمورية على الحدود الشمالية لبلاد الشام وكذلك غزا مدينة طرابلس ثم جزيرة قبرص وكان الصحابي معاوية رضي الله عنه فاتحاً في البر والبحر وقوراً سيداً في الناس كريماً شهماً كما يقول مؤلف الكتاب، ولا يزال التاريخ يشهد لمعاوية إقدامه على امتطاء متن البحر بسواريه فاتحاً وقد نزع خوفه من قلوب المسلمين الذي جاؤوا بعد ذلك وأضحوا سادته، واستمرت ولاية معاوية على بلاد الشام حتى سنة 35 ه التي استشهد فيها أمير المؤمنين الخليفة عثمان بن عفان.

الخليج التقت مؤلف كتاب أعلام الصحابة الذين ولوا دمشق الباحث محمد رسلان طحان الذي حدثنا عن فكرة تأليفه لهذا الكتاب قائلاً: لقد سبق أن ألفت كتاباً عن الصحابة الذين ولوا حمص، وأصبح لزاماً علي أن أكمل ما بدأت به، فولاية أصحاب رسول الله (ص) على دمشق كانت سابقة، لأن دمشق حررها أجدادنا من الهيمنة الرومية قبل حمص، وهما المدينتان الوحيدتان اللتان تولاهما الصحابة الكرام.

ما المصادر التي اعتمدتها في تأليف الكتاب وكيف استطعت أن تقدم صورة وافية عن الشخصيات التي درستها؟

معظم المصادر التي اعتمدت عليها قديمة، وهي مكتوبة في آخر الكتاب. لكن أهمها كان في ساحات المعارك الخطيرة والفاصلة التي خاضها أجدادنا بكفاءة عالية، وشجاعة متميزة في العراق والشام، إن هؤلاء الولاة هم قادة جيوش، ودعاة هدى ورحمة وعدل وإحسان. هؤلاء الرجال الذين ترجمت لهم قد ملأوا وجداني عزة وفخاراً، وأعيش فيضاً من النشوة بصحبة أولئك الأجداد الذين قلما يجود الزمان بأمثالهم.

هل في نيتك متابعة هذا البحث وتناول شخصيات أخرى كان لها دور في بلاد الشام من الصحابة والقادة؟

لقد قمت بإحصاء ما يقرب من مائة وخمسين صحابياً نزلوا مدينتي حمص، وأنا عاكف الآن على تأليف كتاب خاص بالصحابة الذين سكنوا حمص، وعطروا ترابها بأجسادهم الطاهرة وإنه ليسعدني أن أرى هذه الكتب موزعة في المكتبات والمساجد وكذلك في كل بيت كي تقرأها الأجيال وتفاخر بصدق انتمائها إلى هؤلاء الأفذاذ.