نهر الكوثر
وعن تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة بالوسيلة والفضيلة والكوثر والدرجة الرفيعة ورد في صحيح مسلم (288) والبخاري (1/155) وسنن أبي داوود (1/55) والترمذي (1/407) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ فإنه من صلى عليّ مرة صلّى الله عليه عشراً . ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله . وأرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الوسيلة هي أعلى درجة في الجنة . وعن أنس، في رواية أوردها البخاري (6/219)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ . قلت لجبريل: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله . قال: ثم ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكاً" ويقول الشراح: "أي أخرج من قصره، ليعرفه بفضله، وأن طينه مسك" . وفي رواية عائشة وعبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "ومجراه على الدر والياقوت، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج" . وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "فإذا هو يجري، ولم يشق شقاً، عليه حوض ترد عليه أمتي" . والمراد: (تأتي أمتي للشراب منه) . وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "الكوثر: الخير الذي أعطاه الله إياه" . وفي سورة الضحى: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" قال ابن عباس: "ألف قصر من لؤلؤ ترابهن المسك، وفيه ما يصلحهن" . وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه: "وفيه ما ينبغي له من الأزواج والخدم" والمراد: (أن في كل قصر ما يناسبه ويليق به) .
الأسماء الخمسة
وقد تقرر من دليل القرآن الكريم، وصحيح الأثر النبوي الشريف ومن خلال إجماع الأمة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أكرم البشر وأفضل الأنبياء، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الإسراء (55): "ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا" . وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة (253): "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" .
وفي هذا المجال يقول أهل العلم والفقه، إنّ التفضيل المراد للأنبياء في الدنيا، بثلاث أحوال: أن تكون آيات النبي ومعجزاته أبهر وأشهر (أي أقوى وأغلب)، أو أن تكون أمته أزكى وأكثر (أنقى وأطهر)، أو أن يكون في ذاته أفضل وأظهر . وفضله في ذلك راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو خُلّة أو رؤية، أو ما شاء الله من ألطافه (أي عطاياه)وفي حديث رواه الحاكم في مستدركه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للنبوة أثقالاً، وإن يونس تفسخ منها تفسّخ الرُّبع (أي: تقطعت أعضاؤه تقطع ولد الناقة) .
ومن فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم في أسمائه، ما رواه الإمام مسلم رضي الله عنه في صحيحه (1828) وكذلك الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه (4/225) عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْشَرُ الناس على قدمي (أي يحشرون على اثري) وأنا العاقب "أي الآتي عقب الأنبياء عليهم السلام" . وقد سماه الله تعالى في كتابه: محمداً وأحمد، مصداقاً لقوله تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم" وقوله تعالى أيضاً: "يأتي من بعدي اسمه أحمد" .
ومحمد: مبالغة من كثرة الحمد . وأحمد: مبالغة من صيغة الحمد . وأما الماحي فهو الذي يمحو الكفر، ويكون محو الكفر من مكة، ومما زوي له من الأرض (زوي: جمع من الأرض)، وقال تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (التوبة: 33) . والحاشر: الذي يحشر الناس على قدمه (أي على زمانه وعهده) أي ليس بعده نبي، فهو: خاتم النبيين . وسمي عاقباً لأنه عقب غيره من الأنبياء . أي خلفهم في الخير أو أنه لا نبي بعده، وكلاهما صحيح .
أ .د . قصي الحسين