إعداد: إبراهيم باهو
ربما يعلم الجميع أن مياه المحيطات تشكّل نحو 70% من مساحة سطح الكرة الأرضية، لكن ما لا يعلمه كثيرون أن 5% فقط من هذه المساحة تم استكشافها. وعلى الرغم من ذلك استطاع العلماء والباحثون اكتشاف مواقع ومواد وهياكل، ومدناً وأنهاراً وبحيرات وحفراً غريبة، أثبتت أن أعماق المحيطات تخبّئ كنوزاً قد لا يتخيلها عقل بشر. هنا نذكر بعضاً منها، تغطيه المياه منذ ملايين السنين.
تعتبر بحيرة تشوك، الواقعة وسط المحيط الهادي على بعد نحو 1800 كيلومتر شمال شرقي جزيرة غينيا الجديدة، التابعة لدولة ولايات ميكرونيسيا المتحدة؛ أكبر مقبرة للسفن في التاريخ، فخلال ثلاثة أيام من عام 1944 أثناء الحرب العالمية الثانية، غرقت فيها نحو 60 سفينة حربية، و200 طائرة يابانية، إثر هجوم شنته قوات التحالف؛ لكونها كانت القاعدة الأساسية لليابانيين في جنوبي المحيط الهادي، ولذا كان القصف الأمريكي المكثّف لتلك القاعدة عاملًا أساسياً في الحد من التهديد الياباني.
وتعد البحيرة حالياً إحدى أفضل أماكن الغوص في العالم، وكان يطلق عليها اسم بحيرة تروك. وعلى الرغم من أنها قد تبدو في ظاهرها كأنها جنة استوائية، فهي تحوي أسراراً مظلمة سوداء، حيث إنه أسفل مائها الأزرق الصافي تقبع أكبر مقبرة للسفن، وتعد الجزيرة الآن مقصداً رائعاً لهواة الغوص، الذين يشعرون وكأن التاريخ يرتسم أمامهم من جديد.
من جانب آخر فإن الحفرة الزرقاء العملاقة أو«Great Blue Hole»، الواقعة قبالة سواحل دولة بليز في البحر الكاريبي، بالقرب من مركز الجزيرة المرجانية «لايت هاوس» شمالي أمريكا الوسطى، تعد واحدة من أجمل اكتشافات المحيطات؛ إذ يبلغ عمقها نحو 400 قدم، وقطرها نحو 1.4 ميل، وعرضها 318 متراً، ويحيط بها حيد مرجانين وتضم كهوفاً، وتجوبها أسماك القرش.
وتعتبر الحفرة التي توصف بأنها المكان الأكثر جمالاً في العالم، نصباً تذكارياً وطنياً يميز دولة بليز. فعند الذهاب إليها بإمكانك مشاهدة الشعاب المرجانية الكربونية الخلابة المحيطة بها.
وتشكلت الحفرة على مراحل عدة خلال العصر الجليدي الأخير، عندما كان مستوى سطح البحر أقل بكثير من الآن، وبحسب الباحثين فإن الحفرة أخذت شكلها الحالي قبل نحو 150 ألف سنة، عندما بدأت مياه البحار والمحيطات بالارتفاع مجدداً.
وتعد الحفرة جزءاً من الحاجز المرجاني في بليز، وهي إحدى مواقع التراث العالمي، وكانت قد اشتهرت كثيراً عالمياً، عندما قرر الباحث والمستكشف، وعالم البيئة، وصانع الأفلام الوثائقية، والمصوّر الفرنسي الشهير جاك إيف كوستو، أن يستكشف عمقها عام 1971، وصنّفها منذ ذلك الوقت ضمن أفضل 10 أماكن للغوص في العالم. أما الجنة المفقودة تحت بحر الشمال جنوبي تلك الأرض، التي تسمى «دوجرلاند»، أو «أطلانتس البريطانية»، والتي كانت تربط بريطانيا بالقارة الأوروبية قبل 8200 عام، فتغطيها الآن مياه البحر، بعد أن اجتاحتها موجات تسونامي عاتية، وصل ارتفاعها إلى 25 متراً، بسبب ارتفاع مستويات البحر في الفترة بين 1800 و5500 قبل الميلاد.
وكان العلماء منذ وقت طويل يفترضون وجود دوجرلاند بين شمال اسكتلندا والدنمارك، وجزر القنال الإنجليزي، ويعتقدون أنها كانت تربط جزيرة بريطانيا العظمى بالبر الرئيسي لأوروبا، أثناء وبعد العصر الجليدي الأخير. وبحسب المسوحات الجيولوجية الحديثة، فإن تلك المنطقة كانت أراضي جافة امتدت من الساحل الشرقي لبريطانيا، حتى الساحل الحالي لهولندا والسواحل الغربية من ألمانيا والدنمارك، وكانت موطناً لعشرات الآلاف من الناس، قبل أن تختفي تدريجياً تحت الماء.
ويقول الدكتور ريتشارد بيتس، من جامعة سانت اندروز البريطانية عن هذه الأرض: «دوجرلاند كانت مكاناً حقيقياً ومعقلاً قوياً في أوروبا، حتى ارتفع منسوب مياه البحار، ليُكون ساحل المملكة المتحدة اليوم».
في سياق آخر، فإن النهر الغامض المكتشف مؤخراً في مضيق البوسفور، الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، بين آسيا وأوروبا، يعد من أجمل اكتشافات أعماق البحار والمحيطات. ويشير العلماء بحسب مجلة نيوساينتست، واعتماداً على دراسة بريطانية أجريت عام 2010، إلى أن النهر الغامض له مصارف ومنحدرات، ويصل عرضه في بعض المناطق إلى كيلومتر واحد، ويقدرون أنه لو كان موجوداً على سطح الأرض، لأصبح سادس أكبر نهر في العالم، من حيث كمية المياه الجارية فيه، بعد الأمازون والغانج والكونغو واليانغتسي وأورينوكو.
وبحسب العلماء يوجد في الأعماق السحيقة عدد لا يحصى من الأنهار، بعضها تبلغ مسافاتها آلاف الكيلومترات، وأعماقها بالمئات، وعرضها بالعشرات. ويقدر العلماء عمق النهر المكتشف في بعض من المناطق بثلاثة أمتار ونصف المتر، وتتخلل مجراه مناطق منحدرة يسرع فيها التيار شبيهة بمثيلاتها على الأرض. ويقول علماء البحار والمحيطات، إن الاكتشاف سهل عليهم وضع تفسيرات لكيفية تمكن الأحياء من مواصلة البقاء في المناطق العميقة، بعيداً عن المياه الغنية بالعناصر الغذائية، التي لا تتوافر إلا في المناطق القريبة من اليابسة.
من جانب آخر تعد مدينة بافلوبيتري القديمة جنوبي اليونان، التي اكتشفها نيكولاس فليمينج؛ عالم الآثار البحرية من معهد علم المحيطات في جامعة ساوثامبتون البريطانية، عام 1976، على عمق ضحل لا يتجاوز بضعة أقدام؛ أقدم مدينة ساحلية مغمورة. وكان الباحثون في ما بعد استطاعوا التقاط آلاف الصور الفوتوجرافية الرقمية الثلاثية، للمدينة، أظهرت منازل وطرقاً ومراكز تجارية وقبوراً مغمورة. وبحسب فليمينج تقدر مساحة المدينة القديمة، بنحو 100 ألف متر مربع.
ومن أغرب اكتشافات أعماق البحار والمحيطات «المنافس المائية الحارة»، أو «المنافس الحرمائية» أو«الفتحات الحرارية المائية»، وهي تشبه المدخنة في قاع المحيط، تنفث المياه المعدنية الحارة. ولاحظ العلماء المنافس الحارة لأول مرة عام 1977، في صدع «جلاباجوس» في قاع المحيط الهادي، يبعد نحو 1000كيلومتر غربي الإكوادور.
وتتشكل المنافس المائية الحارة نتيجة عملية يطلق عليها «الدورة الحرارية المائية»، يزودها مصدر للحرارة في باطن الأرض، مثل الصخر الحار، أو المنصهر، وهذه العملية تسمى «الطاقة اللازمة». وعندما تتسرب مياه البحر إلى قاع المحيط تصبح ساخنة، وتتفاعل كيميائياً مع الصخور التي تمر من خلالها، وتتحول إلى سائل حمضي غني بالمعادن المذابة، وغاز كبريتيد الهيدروجين.
ويرتفع هذا السائل الحار إلى قاع البحر، ويتفرغ في المحيط عند درجة حرارة تصل إلى 400°م، وعندما يختلط السائل الحار بماء البحر البارد، تتكون جسيمات الكبريتيد المعدنية، وتجعل هذه الجسيمات الماء أسود؛ ولذلك يطلق على المنافس الحارة في بعض الأحيان المُدخِّنات السوداء. وتترسب الكبريتدات المعدنية مشكلة فتحة تشبه المدخنة، وتكون ترسبات معدنية غنية بالحديد والنحاس والزنك (الخارصين)، وتعتبر مواقع الفتحات الحرارية المائية، واحات للحياة تسكنها مخلوقات غريبة.