تتجلى كل صور العبادة والسعادة في شعيرة إسلامية لها حفاوة خاصة في نفوس كل المسلمين وهى الاحتفال بالأعياد . واحتفالات المسلمين بأعيادهم كما رسم لهم دينهم ليس من خلال مهرجانات صاخبة ترتكب فيها تجاوزات وتهدر فيها قيم وأخلاقيات كما يفعل السفهاء منهم، بل من خلال صلاة ودعاء وصدقة وأضحية وصلة رحم وتذكر موتى وزيارة مرضى وترفيه مشروع يدخل البهجة والسعادة على نفوس الكبار والصغار .

في البداية يؤكد الشيخ فرحات السعيد المنجي الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر، أن ديننا الإسلامي الحنيف يتعامل مع النفس البشرية بتوازن واعتدال ويلبي لها كل احتياجاتها المشروعة، ولذلك هو لا يفوت فرصة حتى يدخل الفرحة والسعادة على نفس المسلم، ومن بين الوسائل التي اعتمدها الإسلام للترويح عن النفس البشرية وتخفيف الضغوط عليها الأعياد، أو بمعنى أصح العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك، ولو دققنا النظر لوجدنا أن الإسلام جعل كل عيد منهما يعقب فريضة فيها مشقة على النفس البشرية، فعيد الفطر يعقب فريضة الصوم، والصوم مشقة وطاعة والتزام . وعيد الأضحى يعقب فريضة الحج، والحج أيضاً عبادة تتطلب جهداً بدنياً ونفسياً وتضحية .

وعيد الفطر المبارك هو مكافأة إلهية للصائمين المخلصين، ولا يشعر بقيمة هذا العيد وبفرحته إلا من صام وصلى وعبد الله حق عبادته طوال ثلاثين يوما مضت . أما المستهترون العابثون الذين لم يلتزموا بفريضة الصيام ولم يحرصوا على أخلاقياته ولم يعيشوا أجواء الصيام الحقيقية، فهؤلاء لا يشعرون بفرحة ولا لذة العيد، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة عندما قال في حديثه الشريف: للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه .

مكاسب

وحذر الشيخ المنجي المسلمين الذين صاموا وصلوا وتصدقوا وفعلوا الخير طوال شهر رمضان المبارك من إهمال العبادة والطاعة والعودة إلى حياة اللهو والعبث بعد رمضان، ويقول: لا يوجد إنسان عاقل ولا إنسانة رشيدة تفعل ذلك، فما حصدناه من أجر وثواب لا يجوز التفريط فيه بأي حال من الأحوال، وكما انتصرنا طوال رمضان على شياطين الجن والإنس فلدينا القدرة بعد رمضان على الانتصار عليها بالطاعة والعبادة والبعد عن كل ما يغضب الله عز وجل .

ومن أبرز فوائد ومكاسب شهر رمضان المبارك كما يقول الشيخ المنجي أنه شهر تربية وتهذيب للنفس، شهر تتربى فيه النفوس على فعل الخير، وتتعود على كل ما يقرب الإنسان من خالقه، ولذلك من الطبيعي أن تقل الجرائم والمشاحنات بين الناس طوال هذا الشهر الكريم، وأن تعود العلاقات والصلات الطيبة بين المتخاصمين والمتنازعين، وأن يعم الصفاء والوئام بين الناس، ولذلك نخرج من رمضان بمكاسب عديدة يجب أن نحافظ عليها طوال شهور السنة، وألا نركن إلى أن الله قد غفر لنا ذنوبنا في رمضان استنادا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فغفران الذنوب ومحو المعاصي بيد الخالق وحده، وهو أعلم بالقلوب والضمائر وهو المطلع على الأسرار ومقاصد الناس .

حاجات الإنسان

ويوضح الدكتور علي جمعة مفتي مصر أن بهجة الأعياد في الإسلام ترتبط بحاجات الإنسان، فالصائم الذي انتهى من فريضة فيها مشقة بدنية مثل الصوم لا يكتفي بالترويح عن نفسه في نهاية هذه الفريضة بل هو يواصل عطاءه لإدخال البهجة على الآخرين من خلال زكاة الفطر والصدقات التطوعية التي يقدمها في هذه المناسبة السعيدة . . فضلاً عما يقوم به في العيد من صلة رحم وزيارة مريض أو تهنئة جار أو صديق . . وهكذا يتكرر الموقف نفسه في عيد الأضحى وما فيه من عطاء مادي وإنساني واجتماعي .

ويضيف: الأعياد مظهر من مظاهر الفرح والسرور في الإسلام ، وشعيرة من شعائره التي تنطوي على حكم عظيمة، ومعان جليلة، فالإسلام لم يأت ليكون طوقا حول رقبة معتنقيه . . بل جاء تلبية لحاجة الإنسان الفطرية مادية وروحية، وكان مقصده الأسمى في تشريعاته وأحكامه ضبط العلاقة بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة، فقال تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ومن مظاهر هذا المقصد الأسمى استحباب الاحتفاء بالأعياد في الإسلام، ومشروعية الترويح عن النفس من هموم الحياة، فضلاً عن أنها احتفال بإتمام فريضة، فالصائمون يفرحون بالعيد لأدائهم فريضة الصوم، والحجاج يفرحون لأنهم أدوا شعيرة الحج، ويشاركهم المقيمون في أوطانهم بالتقرب إلى الله بالأضاحي إحياء لسنة الأنبياء من لدن إبراهيم إلى خاتمهم محمد صلوات الله عليهم أجمعين، وبذلك سما الإسلام بمعنى العيد وربط فرحته بالتوفيق في أداء الفرائض وشكر الله على القيام بها .

والغاية العظمى من الأعياد إدخال السرور والبهجة على المسلمين رجالا ونساء وأطفالا، إلا أنها في الوقت ذاته لم تشرع من أجل الفرح المجرد فقط، بل لتمام البر في المجتمع الإسلامي، حيث يصبح البر قضية اجتماعية عامة، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء بإدخال السرور على الفقراء في هذه الأيام وتجنيبهم ذل المسألة، فيحث على زكاة الفطر ويقول: اغنوهم في هذا اليوم، وفي يوم الأضحى جاءت شعيرة الأضحية أيضاً من باب إدخال السرور على الفقراء في الأعياد، فلم يسنها الإسلام ليشبع أصحاب الأضحية من اللحم ولكن ليتشارك الجميع في الشبع، ولتلتقي قوة الغني وضعف الفقير على عدالة ومحبة ورحمة من وحي السماء، وعنوان ذلك كله: الزكاة والصدقة والإحسان والتوسعة ومن باب السرور والبهجة في أيام العيد كما يقول مفتي مصر إدخال الفرح والسعادة على الأطفال والنساء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد دخل أبو بكر رضي الله عنه على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان الدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله عن رأسه وقال: دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وإن عيدنا هذا اليوم .

وقد خص النبي ،صلى الله عليه وسلم، النساء بمزيد عناية واهتمام في هذا اليوم فأمر بخروجهن إلى صلاة العيد مهما كانت أحوالهن، فصلاة العيد تعد مظهراً من مظاهر الفرحة، ترتفع الأصوات فيها بالتكبير في بهجة وسرور بما أنعم الله على الأمة الإسلامية من توفيق في أداء الفرائض، قال تعالى: ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون .

وفي الأعياد أيضاً دعا الإسلام إلى العمل على زيادة الأواصر الاجتماعية إذ حث على بر الوالدين وصلة الأقارب ومودة الأصدقاء وزيارتهم فتتزين المجالس بالحب والتراحم والتواد، وتزول الأحقاد والمشاحنات والنفرة من النفوس .

لكن البهجة والسعادة التي جاءت بها أعياد المسلمين لا تعني اللهو والعبث . . فالأعياد لم تشرع لتكون مناسبات فارغة المحتوي والمضمون من الدلالات الأخلاقية والإنسانية وإنما جاءت لتكون مظاهر لقيم الإسلام وآدابه وجمالياته المعنوية والحسية، فالأعياد تجدد الروابط الإنسانية، حيث يتجلى السلوك الطيب والأخلاق الحميدة، وتشيع التهاني والقول الحسن بين الناس، ويظهر المسلمون بصفة الرحمة التي هي قوام دينهم، فتتجدد العلاقات الإنسانية وتقوي الروابط الاجتماعية وتنمو القيم الأخلاقية، ويصبح المسلم دعوة مفتوحة لهذا الدين، ونبراساً هادياً لنفوس الحائرين، وبرداً وسلاماً على العالمين .

إن الفرح بالعيد له وجوه عدة، فواحد يميل إلى الذكر والعبادات، وآخر يؤثر مواساة الفقير والمحتاج بكثرة الصلات، والجميع ونحن معهم ينشرون جوا من المحبة والوئام في المجتمع بأطيب الكلمات .

وفي الإسلام لا تعبر الأعياد عن ذكريات مضت وإنما يعيشها المسلم بوجدانه ومشاعره، فعيد الفطر يأتي ليفرح المسلم بأداء فريضة الصيام ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: للصائم فرحتان يفرحهما، إذا افطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه، كما يأتي عيد الأضحى عقب أداء المسلم لفريضة الحج، فيستشعر نعمة الله عليه في تمام الإسلام وكمال الدين ولذلك سنت الأضحية في عيد الأضحى ليشارك المسلمون في هذه الفرحة بتقديم الأضحية عطاء ماديا وإرساء للتكافل الاجتماعي .

ويضيف: لقد شرعت الأعياد حتى تكون مناسبة لانتفاع المحتاجين بمساعدة القادرين فشرعت زكاة الفطر كأحد أنواع المساعدة المطلوبة من القادرين ويتمثل ذلك أيضاً في لحوم الأضاحي .

فرصة للتلاقي والتواصل

كما أن الأعياد فرصة عظيمة لاجتماع الناس وتبادل التهاني في هذا اليوم الذي يبدأ بتجمعهم في صلاة عامة هي صلاة العيد، وما يحدثه هذا اللقاء من تجديد المحبة والتآلف، ولو تصورنا أن الشرع لم يدع الناس إلى الاجتماع في أوقات متفرقة، كالاجتماع في كل يوم أثناء صلاة الجماعة، والاجتماع الأسبوعي أثناء صلاة الجمعة والاجتماع السنوي أثناء صلاة العيدين، والاجتماع العام بين الأجناس والألوان المختلفة في موسم الحج؛ إذا لم تكن هذه المناسبات موجودة لكانت أحوال الناس وعلاقاتهم اقرب إلى التقطع والجفاء، وأبعد ما تكون من التآلف والمودة والرحمة المطلوبة بين المسلمين خاصة والناس عامة .