صباح لا يسكن فيه صوت الريح وتطمئن فيه الروح ويصدح جمري مغازلاً مغنياً هائماً بين هامة سمرة وفن غافة لا يعد صباحاً جميلاً عند البدوي، وليل لا تسري فيه كلمات الجمري ولا تصفو نجومه،هو ليل مظلم عند أهل القلوب الحالمة المغرمة .الجامع بين الجمري الطائر والجمري الشاعر أنهما يعزفان على وتر الشوق والغرام يغنّيان لحن الحب والجمال،غاب طائر الجمري عن ما كان عليه من إنشاد وعزف عندما يبس العود وسقطت الغافة وهجرتنا الصحراء وصرنا نفتقد السكون وحياة الصفاء.والجمري الشاعر هو الآخر غاب، اختطفه الموت، كان يمكن أن تبقى كلماته ساكنة فينا لو أننا حافظنا على موروث الكلمة الأصيلة وخصوصية الصورة الشعرية ولحن القلب المميز الذي سرى عشقاً وثقافة وإبداعاً عند أجيال وفي أزمنة .كان يمكن أن نكون كذلك مثل مختلف الثقافات وبقية الشعوب، لنا جمرينا الذي يلهمنا دوماً والذي يميزنا في عالم العولمة.

نترك الجمري الطائر، الذي قد يشتاق يوماً فيعود إلى بقايا الصحراء أو قد تحلو لنا الحياة هناك او نختلق نحن وهو صحراء جديدة تجمعنا .نرحل إلى الجمري الشاعر ماذا ترك فينا،وعند أية محطة غيّبناه؟

سيّد زمنه

تبدو حياة الجمري تجربة مختلفة، طويلة هي سنواتها، غنية بمعارفها، فيها من الطموح والتعب، عذوبة الغرام وسخرية مرارة العيش في زمن لا يشبع الحاجات، الحياة في الوطن والحياة في الغربة، مجد التسيد في شعر الحب ومكانة أن تكون الشاعر الشعبي الأشهر في زمنك.

أن تكون كلماتك وصورك الشعرية لحناً وأغنية،أن تصل إلى مفردة يفهمها البدوي والصياد والمزارع والحيري في محيطهم وثقافاتهم المكانية المختلفة، مثلا: نتذكر له كلنا في بيئاتنا، سواحلنا وواحاتنا، نفهم جيداً كيف عبّر وماذا قال، في يوم، في زمن، لحظة حنين..

عدّي بشوفك من سنيّات مضت

يا فايج الخود الحسان الخرّدات

واليوم من شفتك عيوني برّقت

واتذكّرت نفسي ليالٍ ماضيات

لك سبّحت روحي ونفسي هلّلت

قلبي تعطف لك وخرّن ساجدات

شوفك شفى لفواد وعظامي صحت

إلا جروحك في فوادي باجيات

الله يا دنيا تقضّت وانقضت

مرّت لياليها شراغه وبهوات

أن تغرد وحدك، سيصيبك الصمت يوماً، في حال الشعر فإن التغريد وحيداً يتعب الشاعر، يعجّل في سكوته المبكر، وحيه الشعري يتطلب أن يعيش في جماعة شعرية، يشاركونه، يواسونه، يعاتبونه، ينافسونه أيضا يستفزون صورة ساكنة فيه .قدر الجمري أن يحيا في جماعة شعرية، لم يصادفها ويصاحبها وينتمي لها فجأة، لا .مدرسة ولدت معه، عاشت معه قبل الشعر حياة الشباب، ورفقة البحر والبداوة وسفر الغربة وصداقة الفريج، كبروا معا في العمر والشعر ودروب الحياة، تلك كانت (مدرسة الراشدية الشعرية) التي جمعت في مرحلة زمنية أساتذة مثل: الجمري ومحمد وشقيقه حمد بن سوقات وابن عبود ليشكلوا جميعاً ظاهرة أدبية، أسست لمدرسة شعرية مميزة في الشعر الغنائي وأيضا الشعر الهزلي الذي يسخر من مفردات وموضوعات وظواهر وعن طريق الحوارات الشعرية والردود، مثلما أبدعوا في الغزل، أتقنوا فنون الصورة الشعرية الساخرة .

مدرسة إبداعية تسكن في ذاكرة الناس، أبهرت من عاش زمنها أو سمع بها، لكنها لم تأخذ حقها في البحث والتقصي والشرح والتدوين لها .

غدا نكمل

[email protected]